ultracheck
سیاسة

القضاء بعد 15 عامًا على الثورة.. من بناء مؤسسات مستقلة إلى تحديات الهيمنة التنفيذية

18 ديسمبر 2025
جمعية القضاة التونسيين الشاذلي بن إبراهيم Getty  NurPhoto
عفيف الجعيدي: سنة 2011، كنا أمام قضاء مؤسساته الناظمة تحسب على النظام القديم وانهارت معه انت الأزمة آنذاك خلاقة لأنها صنعت الأمل في بناء قضاء يليق بدولة ديمقراطية (أرشيفية/الشاذلي بن إبراهيم/Getty/NurPhoto)
فريق التحرير
فريق التحرير

يواجه القضاء في تونس تحديات متزايدة في ظل تغيّرات سياسية وهيكلية عميقة شهدتها البلاد منذ الثورة التي أنهت حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وخلال هذه الفترة، تتابعت الإصلاحات الدستورية، بدءًا بدستور 2014 الذي تناول هيكلة السلطة القضائية وأسفر عن تأسيس المجلس الأعلى للقضاء، وصولًا إلى دستور 2022 الذي حول القضاء إلى وظيفة وأعاد توزيع بعض مسؤولياته، ما يطرح تساؤلات واسعة حول مدى استقلاليته وقدرته على أداء دوره في حماية الحقوق والحريات.

تولى الرئيس قيس سعيّد رئاسة البلاد في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وشهدت المؤسسات القضائية منذ ذلك الحين تغييرات هامة، خاصة بعد ما عرف بـ"الإجراءات الاستثنائية" في جويلية/يوليو 2021، التي منحت السلطة التنفيذية سيطرة واسعة على إدارة القضاء، وأثارت مخاوف بشأن استقلالية المحاكم وحيادها.

في هذا السياق، يقدّم القاضي عفيف الجعيدي لـ"الترا تونس" تقييمه لمسار استقلال القضاء في تونس، مستعرضًا أبرز التحديات التي تواجه السلطة القضائية منذ الثورة وحتى اليوم.

عفيف الجعيدي: لا مجال للمقارنة بين دستور 2014 و2022

أكد القاضي عفيف الجعيدي لـ"الترا تونس" أن دستور 2014 شكّل مرحلة نوعية في تاريخ القضاء التونسي، لتأكيده على استقلالية السلطة القضائية ووضع القاضي كحامي للحقوق والحريات. وقال إن "هذا التأسيس لم يكن متاحًا في فترات سابقة، إذ حاول نواب المجلس القومي التأسيسي بعد الاستقلال إنشاء قضاء مستقل، لكن الهيمنة الفعلية لرئاسة الجمهورية على مؤسسات الدولة حالت دون تحقيق ذلك الهدف".

القاضي عفيف الجعيدي لـ"الترا تونس": دستور 2014 شكّل مرحلة نوعية في تاريخ القضاء التونسي، لتأكيده على استقلالية السلطة القضائية ووضع القاضي كحامي للحقوق والحريات وهذا التأسيس لم يكن متاحًا في فترات سابقة

وأضاف الجعيدي أن "فترة نفاذ الدستور لم تكن خالية من هنات، لكن هذه الفجوات لم تُعد سببًا لإلغاء النصوص، بل انعكست على التطبيق العملي بسبب ممارسات خاطئة لم نتنبّه لها جميعًا، أدت إلى فقدان بعض المكتسبات التي وفرها الدستور لبناء قضاء مستقل".

 وأوضح أن "هذه التجربة تشير إلى أن الدستور وحده لا يكفي، بل يجب توفر إرادة سياسية وممارسات مؤسسية تحمي استقلال القضاء".

وأكد في نفس السياق أنه "لا مجال للمقارنة بين الدستورين؛ دستور 2014 اهتم بفكرة استقلالية القضاء، أما دستور 2022، فغاب عنده هذا الهاجس بالكامل".

اقرأ أيضًا: قضاة تونس تحت سيف التفقدية.. وجه آخر لصناعة الترهيب

غياب المحكمة الدستورية وحل المجلس الأعلى للقضاء

اعتبر الجعيدي أن "المحكمة الدستورية كانت ولا تزال مؤسسة ضرورية لضمان سيادة الدستور وحماية توازن السلطات". وأوضح أن عدم إرساء هذه المؤسسة أسهم في "حدوث تجاوزات، أبرزها الإجراءات الاستثنائية التي اتخذت في 25 جويلية/يوليو"، مؤكّدًا أنه "لو كانت المحكمة قائمة، لكان بالإمكان استخدام أدوات الرقابة لمواجهة أي مساس بالمؤسسات الدستورية".

القاضي عفيف الجعيدي لـ"الترا تونس": قرار حل المجلس الأعلى للقضاء تم الإعلان عنه من وزارة الداخلية، ثم تم منع الأعضاء من دخول المقر، وإصدار مرسوم لتعيين بديل مؤقت، ما أعطى السلطة التنفيذية القدرة على إدارة المسارات المهنية للقضاة خارج إطار القانون

فيما يخص حل المجلس الأعلى للقضاء، أشار الجعيدي إلى أن "القرار تم الإعلان عنه من مقر وزارة الداخلية، ثم تم منع الأعضاء من دخول المقر، وإصدار مرسوم لتعيين بديل مؤقت، ما أعطى السلطة التنفيذية القدرة على إدارة المسارات المهنية للقضاة خارج إطار القانون". 

وصف الجعيدي هذه الخطوات بأنها "انتكاسة كبرى" لاستقلالية القضاء، مؤكّدًا أن "غياب الضمانات المؤسساتية يعرض القضاء للتأثير المباشر من السلطة التنفيذية".

ويجدر بالذكر أنه في أوائل فيفري/شباط 2022، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد عن حل المجلس الأعلى للقضاء، في خطوة أثارت ردود فعل متباينة، فيما تبعتها احتجاجات مؤيدة للسلطة طالبت بإصلاح القضاء وتغيير تركيبه. في اليوم التالي، تم منع أعضاء المجلس وموظفيه من دخول مقرّه، ما أسس لمرحلة جديدة في إدارة الشؤون القضائية.

وتم إنشاء مجلس أعلى مؤقت للقضاء بديلاً عن المجلس المنحل، ويضم هذا المجلس سبعة أعضاء لكل مجلس قضاء قطاعي، موزعين بين قضاة نشطين ومتقاعدين، وهو ما اعتبره مراقبون تغييرًا في الهيكلية السابقة للمجلس، لا سيما فيما يتعلق بغياب التمثيلية الانتخابية وتعيين الأعضاء من قبل رئيس الدولة فقط، مقابل التنوع السابق في التركيبة. كما توسعت صلاحيات السلطة التنفيذية لتشمل التعيينات القضائية على مستويات عليا، وإعادة بعض اختصاصات الإلحاق والإحالة إلى وزارة العدل.

في جوان/يونيو 2022، أصدر الرئيس سعيّد أمرًا بإعفاء 57 قاضيًا من مهامهم، بينهم رئيس المجلس الأعلى للقضاء ورئيسة مجلس القضاء العدلي، مع التركيز على قضاة النيابة والتحقيق. وجاءت هذه الإجراءات استنادًا إلى تقارير رسمية، ما أثار نقاشًا حول التدخلات المحتملة للسلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية في مسار القضاء ومستوى استقلاليته.

موقع القضاء بعد 15 سنة من الثورة

وفي تقييمه لموقع القضاء بعد مرور 15 عامًا على الثورة، قال الجعيدي: "سنة 2011، أي أول الثورة، كنا أمام قضاء مؤسساته الناظمة تحسب على النظام القديم وانهارت معه. كان جزء من القضاء يحتاج لمراجعات حول دوره قبل الثورة في قمع الحريات وحماية الفاسدين. كانت الأزمة آنذاك خلاقة لأنها صنعت الأمل في بناء قضاء يليق بدولة ديمقراطية".

عفيف الجعيدي لـ"الترا تونس": بعد 15 سنة من الثورة، نعود لنكون في وضع قضاء دون مؤسسات تضمن استقلاليته، اليوم، القضاء تحكمه السلطة التنفيذية، بينما كان سنة 2011 في لحظة تحرر منها

وأضاف: "أما الآن، وبعد 15 سنة، نعود لنكون في وضع قضاء دون مؤسسات تضمن استقلاليته. الصورتان غير متشابهتان، ففي الأولى كان المستقبل يبدو مشرقًا، أما في الثانية فالقضاء في أزمة لما آل له وضعه من خروج عن دوره في حماية الحقوق والحريات. اليوم، القضاء تحكمه السلطة التنفيذية، بينما كان سنة 2011 في لحظة تحرر منها".

وأكد الجعيدي أن الوضع الحالي يفتقر لأي أفق واضح لإصلاح القضاء أو استعادة استقلاليته، مشيرًا إلى أن "كل الجهود المبذولة يجب أن تركز على إعادة بناء المؤسسات وضمان حيادها، لضمان استمرار العدالة وحماية الحقوق والحريات".

وبعد مرور خمسة عشر عامًا على الثورة التونسية، يواجه القضاء "حالة من الانزلاق" بين المكاسب السابقة والتحديات الراهنة، مع مؤشرات واضحة على تدخلات السلطة التنفيذية وتراجع بعض مكتسبات الاستقلالية، وفق الجعيدي، هذا الواقع يفرض إعادة التفكير في أسس بناء المؤسسات القضائية، وفي كيفية ضمان حيادها واستمرارية دورها في حماية الحقوق والحريات. وبينما يظل المستقبل القضائي للبلاد غير محدد المعالم، يبقى السؤال الجوهري: هل سيتمكن القضاء التونسي من إعادة بناء مؤسساته واستعادة استقلاليته، أم أن المرحلة الحالية ستستمر في فرض قيود هيكلية وسياسية تعيق دوره في ترسيخ دولة القانون والديمقراطية؟

الكلمات المفتاحية

مسيرة

منظمو مسيرة 17 أكتوبر لـ"الترا تونس": خرجنا للشارع لنقول كفى عبثًا بالبلاد

بسام الطريفي: "خرجنا للشارع لنقول كفى عبثًا بالبلاد كفى عبثًا بحقوق المواطنين كفى فشلًا"


احتجاجات تونس فتحي بلعيد غيتي

آلاف التونسيين يحتجون في أكبر تحرك ضدّ نظام سعيّد منذ سنوات

رفع الاحتجاج شعار "تونس أولًا.. الشعب فوق كل اعتبار"، وعدة لافتات حملت الشعارات الرئيسية للمسيرة والعلم التونسي


في اليوم العالمي للانتفاع بالمعلومة.. تونس السباقة تتراجع وتسير نحو التعتيم

في اليوم العالمي للانتفاع بالمعلومة.. تونس السباقة تتراجع وتسير نحو التعتيم

يظلّ رفض السلطة التنفيذية عبر ممثليها وتحديدًا رئيس الجمهورية ورئيسة الحكومة على الأقل إجراء حوارات صحفية مع وسائل الإعلام الوطنية المثال العاكس بوجه مكشوف عن واقع التعتيم وبما شمل تقييد حرية الصحافة ومنها حق الجمهور العام في استقاء المعلومة من مصادرها عبر الصحافة


أسطول الصمود وائل نوار

وائل نوار في دائرة الخطر وتنديد واسع تونسيًا ودوليًا إثر إيقاف مساندي أسطول الصمود

تصاعدت المخاوف التي أطلقتها جهات حقوقية في تونس، على حياة الناشط وائل نوار عضو هيئة أسطول الصمود 1، الذي يخوض إضراب جوع داخل السجن لليوم 38، للمطالبة بوقف التتبعات ضدّ نشطاء الأسطول الموقوفين والملاحقين قضائيًا

طقس تونس Pexels
منوعات

طقس تونس.. غيوم جزئية على كامل البلاد وأمطار متفرقة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى ستتراوح عامة بين 24 و29 درجة

طقس ضباب غيتي.jpg
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف مع ضباب محلي

معهد الرصد الجوي: ضباب محلي بأقصى الشمال في الصباح ثم سحب عابرة إلى طقس مغيم جزئيًا على كامل البلاد.


طقس
منوعات

طقس تونس.. سحب عابرة على كامل البلاد واستقرار في درجات الحرارة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى ستتراوح عامة بين 24 و29 درجة

تونس تحيي الذكرى 63 لعيد الجلاء وسط تحضيرات لمسيرة شعبية مرتقبة
مجتمع

تونس تحيي الذكرى 63 لعيد الجلاء وسط تحضيرات لمسيرة شعبية مرتقبة

يأتي إحياء الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء في تونس هذا العام، وسط مناخ سياسي واقتصادي دقيق، يتزامن مع تصاعد المطالب السياسية والحقوقية بالحسم في ملف الموقوفين السياسيين والمحاكمات الجارية.

الأكثر قراءة

1
منوعات

البطولة التونسية.. اتحاد بن قردان ينفرد بالصدارة مؤقتًا


2
سیاسة

منظمو مسيرة 17 أكتوبر لـ"الترا تونس": خرجنا للشارع لنقول كفى عبثًا بالبلاد


3
منوعات

تعادل إيجابي للإفريقي أمام مازمبي في لوبومباشي


4
سیاسة

السالمي: تونس تعاني من أزمة تفرّد بكل السلط وخيارات سياسية خاطئة


5
سیاسة

آلاف التونسيين يحتجون في أكبر تحرك ضدّ نظام سعيّد منذ سنوات