"القرش الأسود".. نجاح تونسي في تصفيات كأس العالم للروبوتات القتالية
30 أكتوبر 2025
في عالم لا يعرف حدودًا للإبداع التكنولوجي، يطلّ شباب تونسيون ليعيدوا تعريف معنى الشغف والإصرار. إنّه فريق "القرش الأسود" (Black Shark) الذي كتب صفحة جديدة في تاريخ الروبوتات التونسية، بعد فوزه في تصفيات كأس العالم للروبوتات القتالية وتأهله إلى النهائيات العالمية المنتظرة في ديسمبر/كانون الأول المقبل.
وراء قصة النجاح هذه يقف المهندس الشغوف بالروبوتات، عبد السلام جرّاي، الذي آمن بأن الحلم لا يحتاج إلا إلى إصرار ومعرفة. فجمع حوله مجموعة من الأصدقاء الذين يؤمنون بأن العقل التونسي قادر على خوض معارك العلم والانتصار فيها، مهما كانت الإمكانيات محدودة.
في هذا الحوار الخاص مع "الترا تونس"، تحدث عبد السلام جراي عن كواليس الرحلة من حلم هاوٍ إلى قصة نجاح عالمية، وبين جملة من التحديات المطروحة.
مهندس الروبوتات عبد السلام جرّاي: خضنا عدة تجارب سابقة واكتسبنا خبرة في المنافسات. لكن تصفيات كأس العالم للروبوتات القتالية في روسيا كانت مختلفة لأننا نجحنا أمام فرق تحظى بدعم مالي وتقني ضخم، في حين اعتمدنا على إمكانيات محدودة
متى بدأت قصة "Black Shark" وماهي دلالة هذا الاسم؟
منذ سنة 2019 تقريبًا، كنت أشارك في مسابقات الروبوتات القتالية في تونس وتوّجت عديد المرّات. ومع مرور السنوات، تطورت الفكرة من مجرد تجربة فردية إلى فريق متكامل يجمع شبابًا لديهم نفس الشغف.
اقرأ/ي أيضًا: شبان تونسيون يخترعون أول روبوت غواصة في إفريقيا والعالم العربي
أما الاسم فهو مستوحى من شخصية بحرية تاريخية. لأحد جنود القرصان "خير الدين برباروس"، وكان معروفًا بجرأته وقدرته على الانقضاض على السفن الكبرى رغم ضعف إمكانياته. أعجبتني فلسفة هذا الاسم: قوة الذكاء والتخطيط بدل القوة المادية، وهذا ما يعبر عنا نحن أيضًا.
كم عدد أعضاء الفريق؟ وكيف بنيتم هذه المجموعة؟
الفريق اليوم يتكون من حوالي خمسة أعضاء، وكل واحد منهم يساهم بخبرته في التصميم، البرمجة أو الميكانيك. في البداية كنا أصدقاء نتشارك نفس الحلم، ومع الوقت أصبحت العلاقة بيننا أقوى من مجرد شراكة تقنية. اشتغلنا معًا، واجهنا الصعوبات معًا، ووصلنا إلى ما نحن عليه بفضل روح الفريق.

كيف كانت رحلة الوصول إلى كأس العالم للروبوتات القتالية؟
لم يكن الوصول صدفة. منذ أشهر ونحن نعمل على مشروعنا بجدية كبيرة. خضنا عدة تجارب سابقة واكتسبنا خبرة في المنافسات. هذه المرة كانت مختلفة لأننا شاركنا في تصفيات كأس العالم في روسيا، ونجحنا في الفوز أمام فرق قوية جدًا تمتلك دعمًا ماليًا وتقنيًا ضخمًا، بينما نحن اعتمدنا على الإمكانيات المحدودة والإبداع المحلي.
حدّثنا عن أجواء المسابقة في روسيا؟
كانت الأجواء رائعة. رغم المنافسة الشرسة، هناك احترام كبير بين الفرق، والروح الرياضية عالية. بعد كل مواجهة، كنا نتحدث ونتبادل الخبرات مع بقية المشاركين. كنا فخورين بأن نرفع علم تونس في ساحة بهذا الحجم، وأن نثبت أن شبابًا من بلد صغير قادرون على مجاراة الكبار.
خضتم عديد الجولات ضدّ المرشحين للبطولة، فكيف كانت التجربة؟
صراحة، كنا نعلم أننا سنواجه منافسين من الطراز الرفيع، من بينهم أحد أقوى الفرق الروسية المدعومة من شركات سلاح ومؤسسات ضخمة. كان لديهم أكثر من نسخة احتياطية من الروبوت نفسه وتكلفته تصل إلى خمسين ألف دولار.
لكننا لم نفقد الأمل، واشتغلنا بذكاء واستراتيجية دقيقة، واستطعنا هزيمتهم. كانت لحظة لا تُنسى.
هل وجدتم دعماً بعد فوزكم الأخير؟
الحمد لله، هناك بعض الدعم، سواء من أفراد أو مؤسسات، حتى وإن لم يكن بالقدر الكافي. هناك من لم يكن يعرف مجال الروبوتات القتالية من قبل، لكن بعد نجاحنا، أبدوا رغبة حقيقية في المساعدة. مثلًا، هناك جامعة خاصة دعمتنا وساهمت في تجهيزاتنا. وهذا دليل على أنه عندما تُستثمر الأموال في المكان الصحيح، تعود بالفائدة على الجميع. حتى الدعم البسيط أحدث فارقًا كبيرًا معنا، وأثبت أن النجاح ممكن بإرادة جماعية.
مهندس الروبوتات عبد السلام جرّاي: نحتاج إلى دعم حقيقي ماديًا ومعنويًا.. لا يمكن أن نواصل التطوير دون تمويل كاف لتغطية التكاليف، ونحتاج إلى إطار رسمي يحتضن الفرق التكنولوجية الشابة حتى لا نبقى نعمل كـ "هواة" دون غطاء قانوني أو اعتراف رسمي
ولكن النجاح في النهاية هو ثمرة جهد فردي أيضاً، أليس كذلك؟
أكيد. النجاح دائماً يبدأ من مبادرات فردية، ثم يكبر بفضل الفريق. نحن مجموعة صغيرة – أربعة أو خمسة أشخاص – لكننا نتحرك كعائلة واحدة. نعمل بتناسق، نكمل بعضنا البعض، ونضع هدفنا فوق كل اعتبار. لم ننتظر مؤسسة أو منظمة ترعانا، بل انطلقنا بالموجود، بالإيمان بأن النية والعمل الجاد يفتحان الأبواب المغلقة.
بعد هذا التتويج، ما الذي تحتاجونه اليوم لتطوير المشروع أكثر؟
نحتاج قبل كل شيء دعمًا حقيقيًا، ماديًا ومعنويًا. كما يقال، "المال قوام الأعمال". لا يمكن أن نواصل التطوير دون تمويل كاف لتغطية تكاليف المعدات، والسفر، والتجهيزات.
لكن الدعم لا يجب أن يكون فقط ماليًا، بل أيضًا مؤسساتيًا وقانونيًا. نحتاج إلى إطار رسمي يحتضن الفرق التكنولوجية الشابة حتى لا نبقى نعمل كـ "هواة" دون غطاء قانوني أو اعتراف رسمي.
ما تطلعاتكم الآن وأنتم على أبواب النهائيات في ديسمبر/كانون الأول؟
النهائيات قصة أخرى تماماً! التحدي هذه المرة أكبر، لأن المنافسة ستكون مع أقوى الفرق في العالم، وتتطلب تجهيزات تقنية ومالية ضخمة. لكننا متفائلون، ونعمل بجد رغم محدودية الإمكانيات.

أتذكر أنني قبل سنتين نشرت على منصة "لينكد إن" أنني أحلم بمواجهة فريق "DS Robotics" الفائز ببطولة العالم آنذاك، واليوم، بعد عامين فقط، واجهناه وتأهلنا! لقد حققنا الحلم الأول، والآن نطمح للقب العالمي.
نعلم أن الطريق صعب، لكن كما أثبتنا في روسيا، لا شيء مستحيل عندما يكون وراءك فريق مؤمن بما يفعل.
كيف تقيّم وضعيّة المهندس التونسي؟
وضعية المهندس التونسي صعبة وهناك بعض الجحود له، رغم وجود بعض الجهود لتحسين الأوضاع من حيث الأجور وظروف العمل.
اقرأ/ي أيضًا: أنيس السحباني مخترع "روبوت" الداخلية يتحدث لـ"ألترا تونس" عن مشاريعه (صور)
شخصياً، آمنت بفكرة البقاء في تونس. فأنا مهندس "أنظمة مدمجة" عملت في واحدة من أقوى الشركات في العالم، ومع ذلك اخترت أن أستقر هنا، بين عائلتي ووالديّ وزوجتي، لأنني أؤمن أن صناعة الفارق تبدأ من أرضك.
مهندس الروبوتات عبد السلام جرّاي: وضعية المهندس التونسي صعبة وهناك بعض الجحود، رغم وجود جهود لتحسين الأوضاع من حيث الأجور وظروف العمل.. أتمنى أن يتغير المشهد ويُنظر إلى المهندسين نظرة جديدة، فيها تقدير ودعم لطموحاتهم
تونس تحتاج إلى من يثق بقدراتها. أتمنى أن يتغير المشهد وأن تتوجه العقول نحو الجانب التكنولوجي والإبداعي، وأن يُنظر إلى المهندسين نظرة جديدة، فيها تقدير ودعم لطموحاتهم.
ما رسالتك إلى الشباب التونسي، خصوصاً الطلبة والمهندسين؟
رسالتي أن يبقى الطموح حيًّا دائمًا. فالإمكانيات محدودة، والدعم ضعيف، لكن لا شيء يمنع من التقدم بالموجود. أدعو الطلبة خصوصًا إلى تطوير أنفسهم منذ اليوم الأول في الجامعة، لأن المرحلة الأكاديمية مختلفة تماماً عن الحياة المهنية.
نحن في فريق "Black Shark" بدأنا بالفعل في تقديم تدريبات وتكوينات لطلبة المدارس الهندسية، ونشجع النوادي الجامعية على العمل أكثر في مجال الروبوتيك. ونريد أن نخلق جيلاً جديداً من المهندسين المؤمنين بقدرتهم على التغيير، لا المهاجرين فقط بحثاً عن فرصة.

الكلمات المفتاحية

حوار| رضوان حدادي: تاريخ الحلفاء في تونس.. إهمال من الاستعمار إلى الاستقلال
"الحلفاء" تلك النبتة السباسبية الجفافية اللينة والصلبة المنتشرة بكثافة في سفوح الظهرية التونسية بجهات الوسط الغربي والمستعملة منذ قرون طويلة في الحياة اليومية للتونسيين. الحلفاء اقترن تاريخها بالاقتصاد المعيشي المحلي، ثم ارتبط في الفترة المعاصرة بحركة التجارة العالمية، وذلك مع الاكتشافات الأولى لمادة عجين الورق مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين

حوار| هند بن هيمان.. من المحاسبة إلى ابتكار "الجير العربي" الإيكولوجي
شخصية جمعت بين دقة التحليل المالي وطموح الابتكار البيئي، لتصنع قصة نجاح ملهمة تتجاوز حدود التخصص التقليدي. التقى "الترا تونس" بهند بن هيمان، التي بدأت مسيرتها بخلفية أكاديمية متينة، حيث حصلت على شهادة خبير محاسب ثم ماجستير في القانون الضريبي، لكنها لم تكتفِ بالعمل في المكاتب، بل فضلت الدخول في عالم الاستشارات الإدارية لتكتشف نقاط القوة الكامنة في الشركات وتساعدها على النمو والهيكلة

حوار| لسعد جردة: متمسك بالتعويل على المدرب التونسي وهناك استخفاف به رغم كفاءته
لسعد جردة لـ"الترا تونس": من باب حسن التدبير أن نجمع في اختيار مدرب للمنتخب التونسي، بين القيمة الفنيّة والإمكانيّات الماديّة

الدستوري الحر يعلن تمسّكه بوثيقة "التزام وطني" وتنظيمه لمسيرة يوم 18 جانفي 2026
الحزب الدستوري الحر: نهيب بكافة القوى الحيّة في المجتمع لمساندة مسار توحيد جهود ورص صفوف الفاعلين السياسيين والمدنيين المؤمنين بالجمهوريّة والحكم المدني الديمقراطي بهدف إخراج البلاد من الأزمة الخانقة متعدّدة الأبعاد التي تتخبّط فيها

اتحاد الشغل: زيادة في أجور أعوان المساحات التجارية الكبرى بعنوان سنة 2025
تم الاتفاق على تسوية هذه التسبقة على الأجر لاحقاً عند صدور الأمر المتعلق بالزيادة في الأجور طبقًا لأحكام الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026، وذلك وفقًا لصيغ محددة

رابطة حقوق الإنسان: نقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة في انتهاك صارخ للحق في الصحة
رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان: تونس تعيش اليوم انهيارًا متسارعًا ومقلقًا للمنظومة الصحية العمومية، في ظل عجز الدولة الواضح عن الإيفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية في ضمان الحق في الصحة و العلاج

العجز التجاري لتونس يناهز 22 مليار دينار موفّى ديسمبر 2025
المعهد الوطني للإحصاء: بلغت الصادرات التونسية مع الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2025 (69,9% من جملة الصادرات) ما قيمته 44527,8 مليون دينار مقابل 42862,3 مليون دينار خلال سنة 2024.

