الفاسدون على وجه الطيبة والجهل.. شركاء في الجريمة و"حاضنة" لها
13 يناير 2025
فسد وفساد وفاسد كلمات موصولة اشتقاقيًّا بالجذر ف/ س/ د، وقد ارتبطت في السابق إِنْ في المعاجم القديمة أو في الملفوظ السائر على الألسن بالمجالين الغذائي والصحي أو السلوكي والأخلاقي كأن نَصف الطعام المتعفّن بكونه قد فسد وننعت المرأة المنحرفة المتاجرة بجسدها بالفاسدة، ولا عجب وفق هذا التصوّر التقليدي المحافظ أن تُرمى فتاة تلبس لباسًا خليعًا بالفاسدة رغم أنّها لم تتسبّب لأحد في ضرر مادي، ويكون من رماها بتلك التهمة جارُها الأفّاك هتّاك الأعراض التاجر الذي يحتلّ الرصيف ويحتكر السلع ويتعمّد البيع المشروط أو جارتُها التي ترمي الفضلات في غير موضعها مساهمةً في تكاثر الحشرات ونشر الأمراض والأوبئة.
أثمرت كلمة "فساد" تشقيقات وتصنيفات ومعايير صلتها أوثق بالميادين السياسية والاقتصادية والإدارية، فظهرت عناوين من قبيل الفساد المالي، والفساد الأكبر والفساد الأصغر والفساد السياسي، وغيرها
في المقابل، تحيلنا كلمة فساد في المجلات والصحف والكتب والدراسات المعاصرة إلى دلالات أوسع وأدقّ وأعمق وأخطر، فقد أثمرت هذه الكلمة تشقيقات وتصنيفات ومعايير صلتها أوثق بالميادين السياسية والاقتصادية والإدارية، فظهرت عناوين من قبيل الفساد المالي، والفساد الأكبر والفساد الأصغر والفساد البيئي والفساد الاجتماعي والفساد السياسي، وتحوّل الفساد إلى موضوع حجاجي وسجالي في المنابر البرلمانية لا من منطلقات وعظيّة أو فقهية إنّما برؤية إصلاحية واقتصادية وتنموية تتطلع إلى ضبط القوانين والتشريعات التي تحدّ من الفساد وتُحارب الفاسدين.
الفاسد المركّب
للتحقّق من المعنى الواسع والمتجدّد للفساد يمكن مراجعة تعريف هذا المصطلح في الفصل الثاني من القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 الذي صادق عليه مجلس النواب في 7 مارس/آذار 2017 ، وجاء فيه:
"الفساد هو كل تصرف مخالف للقانون والتراتيب الجاري بها العمل يضرُّ أو من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة، وسوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية ويشمل جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها، وجميع حالات الإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال وتضارب المصالح واستغلال المعلومة الممتازة والتهرب الجبائي وتعطيل قرارات السلطة القضائية وكل الأفعال التي تهدد الصحة العامة أو السلامة أو البيئة".
ما يثير الحرج في تشخيص الفساد والتصدّي له هم أولئك المنخرطون فيه عن طيبة أو خطأ في تقدير الأمور، فتراهم أشبه ما يكونون في سلوكهم الإجرامي بـ"القاتل على وجه الخطأ" وهم في بنيتهم الذهنيّة أقرب إلى الجاهل المركّب
رغم هذا التوجّه التوعوي والتشريعي، لم يتراجع منسوب الفساد فقد زاد انتشارًا واستفحالًا، إذ بلغ مجموع الرشاوى سنة 2020 أكثر من 750 مليار دينار وفاقت نسبة الذين دفعوا رشوة 19% أي خُمس المواطنين ممّن تخطّت أعمارهم 18 عامًا، وذلك وفق دراسة نشرها مكتب الدراسات إمرود كونسلتينغ سنة 2023.

من المؤكد أنّ حالة الفاسد المركّب أشدّ تعقيدًا وأصعب في المعالجة من الفاسد الواعي الذي يمكن أن يرتدع بدافع الخوف أو الحكمة أو التقوى
هؤلاء الفاسدون غالبًا ما يرتكبون جرائمهم قصدًا وبتخطيط وعزم وإصرار، فهم واعون بما يأتونه من تجاوزات خطيرة إمّا بدافع الطمع والجشع أو رغبةً في الإفلات من العقاب، لكن ما يثير الحرج في تشخيص الفساد والتصدّي له هم أولئك المواطنون المنخرطون في الفساد عن طيبة أو خطأ في فهم الأمور وتقديرها، فتراهم أشبه ما يكونون في سلوكهم الإجرامي بالقاتل على وجه الخطأ، وهم في بنيتهم الذهنيّة أقرب إلى الجاهل المركّب، هذا "جاهل ويجهل أنّه جاهل"، وذاك فاسد ويجهل أنّه فاسد، ومن المؤكد أنّ حالة الفاسد المركّب أشدّ تعقيدًا وأصعب في المعالجة من الفاسد الواعي الذي يمكن أن يرتدع بدافع الخوف أو الحكمة أو التقوى.
شُركاء في الفساد عن جهل وسذاجة
إنّ الذي يبخل عن إعمال عقله نظرًا وتحقيقًا وشكًّا منهجيًّا وتفحّصًا وتمييزًا بين الحقّ والباطل والخير والشرّ والقبح والجمال واقعٌ لا محالة في الفساد على وجه المشاركة أو التشجيع غير المباشر، هذا يمجّد ظالمًا فاسدًا وقد حمله على ذلك حُمقه وعجزه عن إدراك المتناقضات والمغالطات والأكاذيب، وهذه تشتري بضاعةً مسروقةً دون التفطّن إلى المفارقة بين قيمة السلعة الرفيعة وسعرها الزهيد، وذاك يتكرّم بالمال العامّ على من لا يستحقّ بعد أن التبست عليه الحدود بين الذاتي والموضوعي، وهؤلاء يقدّمون على وجه الصدقة والإحسان عطايا وهبات وأموال لمتحيّل يجمع تبرّعات يحسَبُها الجاهل الغِرّ كرمًا ومعروفًا ولكنّها تنطوي على مكر وابتزاز منكر وقد تكون تلك التبرعات موظّفةً للقيام بأعمال إجراميّة خطيرة كتبييض الأموال والإرهاب.
إنّ الذي يبخل عن إعمال عقله نظرًا وتحقيقًا وشكًّا منهجيًّا وتفحّصًا وتمييزًا بين الحقّ والباطل والخير والشرّ والقبح والجمال واقعٌ لا محالة في الفساد على وجه المشاركة أو التشجيع غير المباشر
ولنا في الخبر التالي المنشور في "ألترا تونس" عيّنة على ذلك: "وحدات منطقة الحرس الوطني بجندوبة تمكنت من إيقاف امرأة بعد قيامها بطلب مبالغ مالية من المواطنين قصد معالجة ابنها الرضيع الذي يعاني من مرض خبيث والحال أن ذلك مغاير للحقيقة، ولفتت الإدارة العامة للحرس إلى أن المعنية تسلمت بمعية شقيقتها مبالغ مالية متفاوتة من هؤلاء الأشخاص من داخل تونس وخارجها".
أوضحُ ما يمكن استخلاصه من هذا الخبر الذي يرقى إلى مرتبة الحجة الواقعيّة، ولنا الكثير من أمثالها، هو أنّ المرأة قد مارست فسادًا ماليًّا خُبثًا وتحيّلًا وعزمًا وتخطيطًا والمتعاطفُون معها قد شاركوها الفساد جهلًا وعطفًا وتسرّعًا وعفويّةً، وكم من مواطن أخذته طيبته إلى المهالك وزجّ به جهله وراء القضبان لأنّ سذاجته قد حوّلته إلى ظهير للفاسدين ونصيرٍ لهم.
إذا زاد التسامح تعاظم الفساد.. "ما نيش مسامح"
الطيبة والتسامح والعفو والصفح في العلاقات الأسريّة أو العاطفيّة سمات حميدة، غير أنّها في المقام الإداري والمهني تتحوّل إلى ضرب من الفساد، فعون الأمن الذي يتساهل مع المخالفات المروريّة لأنّه شعر بالشفقة على السائق يساهم بطريقة أو بأخرى في التشجيع على ارتكاب مزيد من التجاوزات التي قد تخلّف حوادث قاتلة أو تتسبّب في خسائر ماديّة جمّة تتحمّل مسؤوليتها شركات التأمين والمجموعة الوطنيّة عامّة، والأستاذ أو المعلّم الذي يحوّل التقييم الجزائي أو المراقبة في الامتحانات إلى مناسبة لتقديم الهدايا للتلامذة من باب المحبّة والرفق هو واحد من المتورّطين عن جهل أو طيبة في تعطيل مبدأ تكافؤ الفرص وشروط الاستحقاق وهو ما يرقى إلى مرتبة التزوير الذي ينعكس على الشهادات العلميّة ويكون له صدى في الانتدابات والتعيينات، وقس على ذلك الموظف الإداري الذي يغضّ الطرف بدافع اللطف والحُنوِّ عن مخالفات في مجالات البناء والتجارة والخدمات يكون لها مخاطر بيئيّة وعمرانيّة وصحيّة تبدو بسيطة لكنّها بسبب التراكم تتحوّل إلى كوارث.
في سياق ثوريّ فإنّ التسامح مع المتورّطين في التعذيب والتزوير الانتخابي والوشايات الكاذبة والقضايا الكيديّة والحيف الاجتماعيّ قد ثبت من خلال الكثير من التجارب أنّه خيار لا يخلّف إلّا الجحود والعودة إلى ارتكاب نفس الجرائم
إنّ المتسامح مع المخطئ حتّى إن كان دافعه نبيل يعدّ مساهمًا في الفساد أَلَا إنّ التسامح مع المذنب ظلم للبريء وجَور يُسلّط على الملتزمين بالقوانين والتشريعات المدنيّة.
أمّا في سياق ثوريّ فإنّ التسامح مع المتورّطين في التعذيب والتزوير الانتخابي والوشايات الكاذبة والقضايا الكيديّة والحيف الاجتماعيّ قد ثبت من خلال الكثير من التجارب أنّه خيار لا يخلّف إلّا الجحود والعودة إلى ارتكاب نفس الجرائم، هذا واحد من المبرّرات التي من خلالها نتفهّم موقف المتمسّكين بشعار "مانيش مسامح" خاصّة في صلة بالمتورّطين في الفساد خلال سنوات الجمر والاستبداد في العهدين البورقيبي والنوفمبري.
فساد "الزاهدين الجدد" المعرضين عن هموم الوطن
الفساد مشغل وطني وهمّ من هموم الشعب الذي يعاني الفقر والتخلّف والتفكّك والفوضى والانتهازيّة والمحسوبيّة، ولأنّ الفساد متشابكٌ مستشرٍ، فإنّ مقاومته ليست حكرًا على أيّ جهة، لا بدّ أن نتصدّى له بأعين متعدّدة من حيث الرؤى والاختصاصات والتصوّرات والمقاربات وزوايا النظر، وبناءً على ذلك فإنّ مقاومة الفساد ينبغي أن تتحوّل إلى فرض عين، يكشفه ويفضحه ويُبلغ عنه ويقتلع جذوره كلٌّ من موقعه بصرف النظر عن حجم السلطة التي يمتلكها فنكفّ عن توظيف هذا الواجب توظيفًا فرديًّا أو بطوليًّا أو سياسيًّا أو شعبويًّا.
يمكن اعتبار المعرضين عن الشأن الوطني شركاءً في الفساد، فبأيّ معنى ينعم هذا الفرد بجمال البلاد وخيراتهاولا يشارك أهلَها في الدفاع عنها، في حين يدفع غيرُه الغالي والنفيس من حرّيته ومساره المهني والأكاديمي في سبيل تحرير المجتمع وبناء الوطن
في هذه الحالة يمكن اعتبار المعرضين عن الشأن الوطني شركاءً في الفساد، فبأيّ معنى ينعم هذا الفرد بجمال البلاد وخيراتها ونورها ونموّها ولا يشارك أهلَها في الدفاع عنها، في حين يدفع غيرُه الغالي والنفيس من رزقه وحرّيته ومساره المهني والأكاديمي في سبيل تحرير المجتمع وبناء الوطن.
الأخطر من ذلك قبولنا بعد كلّ تغيير أو إصلاح بإقصاء الناشطين سياسيًّا وحقوقيًّا وتثمين سكوت ما يسمّى تجميلًا وتبجيلًا "التكنوقراط" وتمكينهم من وظائف عليا بدعوى الحياد والتمسّك بالحدود المعرفيّة والتقنيّة دون الخوض في الشأن الاجتماعي والسياسي، إنّنا بذلك نجازي من غفل عن بني قومه في سبيل راحته واستقراره، إنّ المثقّف المسيّس أفضل وإن أخطأ التقدير وأساء الاختيار من موظّف أو أكاديميّ واقف على الربوة وإن بدت مسيرته خالية من الزلّات والانحرافات فهو وفق المثل التونسي العامّي المأثور "داخل في الربح خارج مِ الخساره".
إنّ السكوت عن الفساد السياسيّ والمالي والإداري يُماثل جريمة الامتناع عن إنقاذ شخص في حالة خطر بل الأمر أشنع حينما يتعلّق الأمر بالصمت أمام جريمة ترتكب ضدّ الوطن أو ضدّ مجموعة منه
إنّ السكوت عن الفساد السياسيّ والمالي والإداري يُماثل في ظنّي جريمة الامتناع عن إنقاذ شخص في حالة خطر بل الأمر أشنع حينما يتعلّق الأمر بالصمت أمام جريمة ترتكب ضدّ الوطن أو ضدّ مجموعة منه. فالزهد في الشأن الوطنيّ تستّر عن الفساد، ولكم يحزّ في نفسي أن أقرأ على صفحات الكثير من الكتّاب والمديرين والمتفقدين والأساتذة والأكاديميين والمثقفين عامّةً تعليقات وتدوينات تحثّ على الانطواء والأنانيّة وعدم الاكتراث وتُعرض في شكل حكم صادرة عن خبرة في الحياة هي أقرب إلى لغة المتصوّفة منها إلى لغة الإنسان المُكلّف دينيًّا والمواطن المسؤول مدنيًّا.
نخلص إلى القول إنّ مصطلح فساد لا يشمل فقط الفساد الأكبر أو الفساد الأصغر إنّما يتعدّى إلى ألوان ميكروسكوبيّة من الفساد، فساد السذاجة في موضع اليقظة والطيبّة في موقع الصرامة والوداعة في مقام الحزم.
مصطلح فساد لا يشمل فقط الفساد الأكبر أو الفساد الأصغر إنّما يتعدّى إلى ألوان ميكروسكوبيّة من الفساد، فساد السذاجة في موضع اليقظة والطيبة في موقع الصرامة والوداعة في مقام الحزم
وبصرف النظر إن كان دافع هؤلاء المعرضين عن الشأن العامّ التعفّف أو التعالي أو البحث عن الخلاص الفرديّ فإنّ مثلهم إن أحسنّا النظر بهم كمثل الزاهد الذي أعرض عن ملذّات الدنيا ومشاغلها وأقبل على العبادة، فيكون بذلك من منظور دينيّ قد تخلّى عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن منظور مدنيّ هو مفرّط في مسؤوليّة تقتضيها المواطنةُ، فمقاومة الفساد فرضُ عين فلا يليق أن يتخلّف عن هذه المعركة أيّ مواطن مهما كان مركزه في السلطة أو في المعارضة غنيًّا أو فقيرًا مقيمًا في الداخل أو في المهجر فصيحًا أو عَيِيًّا مثقّفًا أو أميًّا.

الكلمات المفتاحية

منها النقد والموعظة والسخرية.. معاني التشبيه في اللهجة التونسية ومرجعياته
التشبيه في اللهجة التونسيّة ينطوي على عمق ثقافيّ ودينيّ وقيمي ويتّصف بالانفتاح على الواقع في بعده الاجتماعي والسلوكي ويتميّز بالطرافة وروح الإبداع والابتكار

المنصف المرزوقي: مسؤولية ما وصلت إليه تونس اليوم مشتركة بين الجميع
قال الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، يوم الأربعاء 10 ديسمبر 2025، في مقطع فيديو نشره على صفحته الرسمية إن تونس تستعد بعد أيام لإحياء الذكرى الخامسة عشرة للثورة، معتبرًا أنّ السؤال الأهم اليوم هو: إلى أين تتجه البلاد؟ وهو سؤال، وفق تعبيره، لا يملك أحد الإجابة عنه “لغياب الطريق الواضح”

3 ميداليات برونزية لتونس في اليوم الثاني لدورة الألعاب الإفريقية للشباب بلوندا
وزارة الشباب والرياضة: سجلت ألعاب القوى حضورًا ميدانيًا لتونس من خلال ميداليتين برونزيتين، حققهما أمين العباسي في منافسات القفز العالي بعد تجاوزه عُلوّ 1.90 متر، وسيف الدين شويخ في مسابقة رمي القرص برمية بلغت 55.46 متر

وزارة التعليم العالي تعلن نتائج انتخابات ممثلي الطلبة بالمجالس العلمية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تكشف عن نتائج انتخابات ممثلي الطلبة بالمجالس العلمية ومجالس الأقسام التي تم إجراؤها يوم الأربعاء 10 ديسمبر 2025 بمؤسسات التعليم العالي في تونس.

طقس تونس.. مغيم مع أمطار ضعيفة ومتفرقة
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس سيتميّز، يوم الجمعة 12 ديسمبر 2025، بضباب محلّيًا كثيفًا خلال الساعات الأولى من الصباح، ثم يكون الطقس مغيّمًا جزئيًا ليصبح تدريجيًا كثيف السحب بالمناطق الساحلية الشرقية آخر النهار وأثناء الليل، مع إمكانية نزول أمطار ضعيفة ومتفرقة هناك



