الغنوشي والأحزاب.. تركته يقبّلها فقام ليوصد الباب

الغنوشي والأحزاب.. تركته يقبّلها فقام ليوصد الباب

كيف أتقن راشد الغنوشي لعبة الكراسي؟ (نيكولا فوكو/Getty)

مقال رأي

 

مِن أعلق الصور والأحداث والأقوال بالأذهان والنفوس بداياتُها ونهاياتها، قاعدة تنطبق على جلّ المجالات العاطفية والإبداعية والرياضية والسياسية، فالذاكرة التلقائية تأبى التفاصيل، وتترفّع عن فُضليات الأمور ودقائقها، هذه المعادلة يمكن أن تنطبق على مسارات الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس سنة 2019، فقد أفضت في الأخير إلى ثلاثة عناوين أساسية يعزّ أن يتنكّر لها المؤرّخون أو يغفلها الموثقون، دعك من التصريحات والمناظرات والمهاترات.

صعود الغنّوشي إلى رئاسة مجلس الشعب جعل الجميع مضطرّين من باب الواجب والقانون إلى مجالسته ومشاورته والجلوس إليه ودعوته في لياقة أخلاقيّة وبرلمانيّة "سيّدي الرئيس"

العنوان الأوّل يتمثّل في فوز قيس سعيّد أستاذ القانون الدستوري برئاسة الجمهوريّة ، وتحوّله من مدارج الجامعة إلى قصر قرطاج. ويتصل العنوان الثاني بحصول راشد الغنوشي على رئاسة البرلمان بعد نيل ثقة 56.68 من أعضائه، إذ صوّت لفائدته 123 من أصل 217 نائبًا، في المقابل لم يتخطّ أفضل منافسيه أي غازي الشوّاشي القيادي في التيّار الديمقراطي عتبة 45 صوتًا.

ويتعلق العنوان الثالث بتوجيه قيس سعيّد يوم 2 جانفي / كانون الثاني 2020 رسالة إلى راشد الغنوشي رئيس مجلس نوّاب الشعب ورئيس حركة النهضة يدعوه فيها إلى عرض تشكيلة الحبيب الجملي رئيس الحكومة المكلّف على البرلمان لنيل الثقة، وذلك وفق أحكام الفصل 89 من الدستور. وهذا العنوان الثالث يمكن أن تتّضح معالمه في غضون أيّام، فتخرج الصورة والعبارة من دوائع الاحتمال والإمكان إلى مواقع القرار والثبات والتحقيق.

في هذه الحالة، يحقّ الحديث عن حكومة كفاءات مستقلّة، وينتهي الحديث عن تلك المشاورات المتوتّرة ذات العناوين المثيرة التي اقترنت فيها كلمة الحكومة بنعوت من قبيل الحرب والثورة والحزام السياسي والرافد الحزبي وغيرها. هكذا تصبح الكراسي القياديّة الأولى في قرطاج والقصبة مسرحًا لمن خلت سيرتهم من " تهمة التحزّب"، لا تعجبْ، فقد بات التحزّب في بلادنا الثوريّة الديمقراطيّة لوثة يمكن رصدها استخباراتيًا تمنع صاحبها من الحلم بالرئاسة أو مراودة إحدى الوزارات، عفوا وحده الغنوشي يُباح له ذلك، فهو النجم الأوّل في "لعبة الكراسي".

اقرأ/ي أيضًا: عفوًا انتهى رصيدكم النضاليّ

شيخ المآسي ولعبة الكراسي

لم يعد اللعب مجرّد نشاط تلقائي للتسلية، بل تحوّل في جميع الاختصاصات من العفويّة إلى التعقيد، أي من التلقائيّة إلى حسن التدبير والتخطيط تخطيطًا يراعي تعدّد المراحل، ويأخذ بعين الاعتبار الصعوبات والعراقيل والمعطّلات. ولمّا شُحنت كلمة اللعب بهذه الدلالات صحّ إضافتها إلى أكثر المجالات تعقيدًا، كالميادين العسكرية والإعلامية والسياسية، ولأنّ الأمر يحتاج إلى حنكة وخبرة فإنّ الأقدر على إدارة اللعبة هو الأوسع تجربة والأشد صبرًا على المحن والأكثر تعرّضًا للهموم والمآسي.

 لو اختبرنا هذه القاعدة النظريّة على القادة السياسيين في بلادنا لوجدنا الغنوشي هو الشخصيّة الأقرب إلى هذا النموذج النظري، فبعد رحيل الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية الأسبق يمكن القول إنّ الشيخ قد صعد إلى مسرح العزف المنفرد، ومن يقدر على منازعة من جرّب السجن والحكم بالإعدام والتهجير؟ ومن يستطيع أن يتصدّى لمناورات رجل جمع بين التكوين الفلسفيّ والثقافة الدينيّة والمهارة الحجاجيّة؟ ومن يملك سجلّات الشخصية الأكثر ثباتًا في السلطة بعد الثورة سواء تعلّق الأمر برئاسة الحزب الأوّل شعبيًا وبرلمانيًا أو التحكّم في تقلّب المشاورات والمفاوضات والتحالفات منذ 2011 أو التجرّؤ على ترؤّس مجلس نوّاب الشعب في أشدّ المراحل تعقيدًا سياسيا واقتصاديًا داخليًا وخارجيًا.

لم يعد اللعب مجرّد نشاط تلقائي للتسلية، بل تحوّل في جميع الاختصاصات من العفويّة إلى التعقيد أي من التلقائيّة إلى حسن التدبير والتخطيط تخطيطًا يراعي تعدّد المراحل

هذه المزايا العلميّة والتجارب والمآسي المريرة جعلت الغنوشي الأقدر على خوض لعبة الكراسي، ولأنّ العبرة بالنتائج تعالوا نحصي المكاسب الفردية الاعتبارية لهذا الرجل بصرف النظر عن صلته بالنهضة. إذ يمكن في عجالة الاهتداء إلى أربع انتصارات حقّقها هذا الشيخ في النصف الثاني من سنة 2019.

الفوز الأوّل جرى في جويلية/يوليو سنة 2019 لما صادق المكتب التنفيذي للحركة على ترشيح الغنوشي للانتخابات التشريعيّة مترئسًا القائمة المرشّحة بدائرة "تونس1"، وقد بدا هذا الفوز استثنائيًا حقّق من خلاله شيخ الثامنة والسبعين نقاطًا على حساب خصومه داخل الحركة ومناوئيه خارجها، فلمّا أصبحت رئاسة الحزب موضوع جدل وتدافع تطلّع الأستاذ إلى البرلمان "علّ الله أن يعوّضه خيًرا منها" وفق العبارة الأصوليّة الوعظيّة.

وجعلت هذه الخطوة الشقّ الإصلاحي في الحركة يكتم قلقه الناشئ عن التلاعب في تشكيل القائمات، وقد دعاهم إلى الصبر على تجاوزات الشيخ ما سمّاه عماد الخميري الناطق الرسمي باسم الحركة آنذاك "تقدير المصالح الوطنيّة والحزبيّة". والنقطة الأخطر كانت في مرمى الرأي العامّ إذ زعزع الغنوشي قناعة ترسّبت في الذائقة السياسيّة تدفع الغنوشي إلى الهامش وتجعله أبعد ما يكون عن مراكز السلطة الرسميّة، تجسّد هذا الفوز في الأخير من خلال دفع الخصوم من ذوي القربى إلى مساندته، ذلك أن المعارك الخارجيّة كفيلة برصّ الصفوف الداخليّة وحاثّة على تسويتها.

اقرأ/ي أيضًا: "خوانجي".. تهمة في مهبّ المزايدات الانتخابيّة

الفوز الثاني الذي حقّقه الغنوشي، لا يكمن في تصدّر قائمته الانتخابات التشريعيّة بحوالي ثلاثين ألف صوت إذ "تصغر في عين العظيم العظائم" على حدّ تعبير المتنبّي، إنّما الغنيمة الحقيقيّة تتمثّل في قيادة السلطة التشريعية للبلاد التونسية ذات النظام البرلماني المعدّل، فهي نظريًا  السلطة الأعلى والأشدّ نفاذًا، بهذا يكون الشيخ "لاعب الكراسي" قد رمى كرة النظام السياسي منذ حوالي سبع سنوات، ثمّ لحق بها، فالتقطها يوم 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

 فقد دوّن على صفحته الخاصّة على فيسبوك في 8 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2012 ما نصّه "نحن مع النظام البرلماني لأنّ الاستبداد قد دخل أمّتنا من باب الحكم الرئاسي أو حكم فرد حتى اختزل تاريخ أمّتنا في تاريخ حكامها، نحن نريد القطع مع الاستبداد وغلق الطريق أمام عودته، بقية الأطراف تنظر إلى هذا الموضوع من باب الربح والخسارة، من سيكون الرابح الأكبر أو الخاسر من هذا النظام أو ذاك، هم يرون أن النهضة من المتوقع كأكبر حزب أن تستفيد من النظام البرلماني، بينما نحن نرى أن النظام البرلماني سيحول دون استفراد شخص واحد بالقرار".

صعود الغنّوشي إلى رئاسة مجلس الشعب جعل الجميع مضطرّين من باب الواجب والقانون إلى مجالسته ومشاورته والجلوس إليه ودعوته في لياقة أخلاقيّة وبرلمانيّة "سيّدي الرئيس"، هكذا اقتضت الأمور حتّى إن كان النائب إقصائيًا أو رافعًا شعار "يا غنّوشي يا سفّاح"، فذاك قانون "لعبة الكراسي".

من تحزّب خاب

ذكر الغنوشي بُعيد تنصيبه رئيسًا لمجلس الشعب أنّ رئيس الحكومة من المحتمل أن يكون من الصفّ الأوّل من النهضة أو الصف العاشر، كما يمكن أن يكون من أصدقاء النهضة، ولن يكون من خارج هذه الدوائر، هذا التصريح مثّل التسديدة التي سجّل بها الفوز الثالث، فقد أغرى الملفوظ قياديين من الحركة، واستمال شخصيات سياسيّة مستقلّة أو من أحزاب أخرى، فأقبل عليه الكثيرون يصافحون ويقبّلون ويجالسون ويقترحون، حتّى الشّاكّون في نواياه ألزمتهم خطاباته وحججه على زيارته واستضافته، إمّا من باب حسن الظنّ أو رفعا للحرج الشعبي.

اللقاءات التي أجراها الغنوشي مع قادة الأحزاب مكّنته من الخروج في صورة الباحث عن حل

فقد مارس الغنوشي ألوانًا من الترغيب والتخويف، ترغيب ناشئ عن إظهار الاستعداد الدائم للتنازل والتراجع، وتخويف مردّه تلك العناوين التي وضعت بعض الأحزاب في مواجهة مع الرأي العامّ عامة وأنصارها خاصة، أهمّها شبهة "التهرّب من المسؤوليّة"، والوقوف على الربوة، والإمعان في ثقافة الهدم، وغيرها من الصورة السلبية التي ساهمت بعض أحزاب المعارضة في تكريسها خلال المدّتين النيابيّتين السابقتين.

اللقاءات التي أجراها الغنوشي مع قادة الأحزاب مكّنته من الخروج في صورة الباحث عن حل، ولمّا تعذّر عليه ذلك، اقتضى الأمر وفق المبررات المعلنة اللجوء إلى شخصية مستقلة مقربة من النهضة، فبلغ الغنوشي مرة أخرى مُراده ونفّذ ما أعلن عنه منذ البداية.

واصل الجملي نفس خطّة الغنوشي، يحدّد الهدف بدقّة، ثمّ يشرع في المحاورة والمناورة وبعد لفّ ودوران تكون العودة إلى ذاك الهدف المرسوم، ولسان حاله يردّد مع شيخه "قولوا ما شئتهم، وأنا أختار ما أريد" للتحقّق من هذه الحقيقة تعالوا نراجع التشكيلة المقترحة التي جسّدت الفوز الرابع للغنّوشي. وخلت هذه القائمة من رموز حركة النهضة ومنخرطيها، لكنّها لم تخل من بعض المتعاطفين، كما خلت من "المنتمين إداريًا" إلى سائر الأحزاب، شعار "التشكيلة الجمليّة" هي "من تحزّب خاب"، و"لا يدخلنّ علينا إلّا المستقلّون".

لولا كثرة الباكين حولي لقتلت نفسي

 يستند الرئيس المكلّف ومن ورائه الغنوشي في "حكومة الكفاءات المستقلّة" إلى ثلاث مرتكزات إقناعية وتأثيرية، المرتكز الأوّل واضح مباشر قريب مفاده أنّ قادة الأحزاب قد استوفوا بعنادهم وتعنّتهم حقّهم في نيل المراكز الفيادية التي تقتضي التخلّي عن العنجهيّة والتعالي، وهي سرديّة يمكن أن يستند إليها الجملي لاحقًا حينما يشتدّ عوده.

 المغانم التي أدركها الغنوشي، قد باركها قادة من حركته وساهمت فيها بقيّة الأحزاب بدرجات وبطريقة أو بأخرى، فكأنّ الشيخ قد استدرج الجميع إلى ملعبه ثمّ سرعان ما أعرض عنهم

ويتمثّل المرتكز الثاني في ما يمكن نعته بالعزاء الذي يشعر به المتحزّبون مادامت المصيبة الحزبية جماعية، فيخفّ الضغط بذلك نسبيًا على الجملي، إذ تكاد تسمع  كلّ واحد منهم يردّد في خلوته قول الخنساء الشاعرة العربية المخضرمة: "ولولا كثرة الباكين حولى لقتلت نفسي" أو تراه يلتذّ بموقف سادي يترجمه التونسيون بمثل عامّي مفاده "اطمز لي عينًا واحدة واطمز لغريمي عينين" (أي ألحق بي ضررًا، وألحق بغريمي ضعف هذا الضرر). والمرتكز الثالث الذي يمكن أن يعطي لتشكيلة الجملي وجاهة هي العقيدة الانتخابيّة التي بدأت تترسّخ في العقل السياسي التونسي منذ صعود قيس سعيّد، وهي قائمة على ترذيل العمل الحزبي وتأكيد مقوله من تحزّب خان، فلا غرابة أن يتشفّى الكثيرون من بعض الحالمين بالوزارات من هذا الحزب أو ذاك.

من خلال هذا العرض لمناورات الغنوشي ومكاسبه خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2019 وفي مطلع 2020، يمكن الاهتداء إلى نتيجتين: الأولى مفادها أنّ النهضة قد ظلّت منذ تسع سنوات رقما حزبيًا هامًا محدّدًا ومؤثّرًا، غير أنّ هذه المنزلة قد أدركتها بفضل قدرة مؤسّسها راشد الغنوشي على ضبط الأهداف وحسن إدارة الأزمات، وهو ما يحثّ على التساؤل هل يمكن أنّ ينوب الذكاء الجماعي في هذه الحركة عن "العبقرية الفردية"؟ ذاك ما يمكن أن تجيب عنه "الجبهة الإصلاحية" في حزب النهضة.

النتيجة الثانية تتعلّق بفصِّ هذا المقال ولُبّه، ومفادها أنّ المغانم التي أدركها الغنوشي، قد باركها قادة من حركته وساهمت فيها بقيّة الأحزاب بدرجات وبطريقة أو بأخرى، فكأنّ الشيخ قد استدرج الجميع إلى ملعبه، ثمّ سرعان ما أعرض عنهم، ولم يبق من المتحزّبين في المراكز القياديّة للدولة أو هكذا يبدو غير صاحب الفضل على الجملي الرئيس المكلّف، أقصد  ذاك الرجل الذي تربّع على سجّاد حركة النهضة وكرسي البرلمان في آن، وله اليد السحريّة في بقية المراكز القيادية. أمّا الأحزاب فلا عزاء لها، إن تواصل سير الأمور على هذا النحو، غير المنابر الإعلامية والمقاعد البرلمانية حيث الكثير من الصياح وبعض الكلام السديد المباح، فألا يحقّ القول حول ما آلت إليه علاقة الغنوشي بالأحزاب بكونها" تركته يقبّلها فقام ليوصد الباب"؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

المتاجرة بشعار مقاومة الفساد.. علامات ومخاطر

من الأخطر على الصحافة.. المتهافتون أم المحامون؟