العلاقات تحت المجهر الرقمي.. كيف تصبح الحياة الشخصية مادة للفضائح؟
30 أغسطس 2025
ظهرت مؤخّرًا على تطبيقات التواصل الاجتماعي مجموعات مغلقة، هدفها الأساسي نشر صور الأفراد والتشهير بهم، سواء كانوا فتيات أو شبابًا. في هذه المجموعات، يُحذّر الأفراد بعضهم البعض من الارتباط بأشخاص معينين بحجة أنهم لا يلتزمون بالوعود أو أن سلوكهم لم يكن كما توقعوا، لتتحول هذه الصفحات إلى فضاء لعرض الخيبات الشخصية وانتهاك الخصوصية.
المثير للانتباه أن هذه المجموعات تجاوزت التعبير عن الغضب الشخصي لتصبح شبكات منظمة تحمل في طياتها آليات انتقام رقمي، حيث يُجمع المحتوى ويُشارك بطريقة ممنهجة للوصول إلى أكبر عدد من المتابعين. ولا تقتصر هذه الظاهرة على النساء فحسب، بل شملت الرجال الذين أصبحوا أيضًا ضحايا فضائح رقمية تستهدف كرامتهم وصورتهم الاجتماعية والمهنية.
واختلفت الآراء والتحاليل حول غاية هذه المجموعات وخطورتها، وإلى أيّ مدى فقدت العلاقات العاطفية قدسيّتها لتصبح على قارعة الفضاء الرقمي. ألترا تونس فتحت هذا الملف مع عدد من الخبراء، وتجدون تفاصيله في هذا التقرير.
"الانتقام الرقمي يعكس حالة الخذلان التي تعيشها المرأة والرجل على حدّ سواء"
من الناحية النفسية، ترجّح المختصة في العلاقات سيدة الجلاصي أن الدافع عند الناشر أو الناشرة هو الانتقام النابع من شعور بالخذلان، أو خيانة لوعود، أو انكسار عاطفي. لكن التشهير لا يقتصر على الانتقام من طرف بعينه، بل يدمّر صورة الإنسان وكرامته، ويمس عائلته وشرفه وكيانه وسمعته. وهو الطريق الأسهل، لكنه الأسوأ، لأنه يعود بالضرر حتى على من يقوم به، إذ يفقد جزءًا من إنسانيته وأخلاقه ومصداقيته أمام الناس، وفق تحليلها.
سيدة الجلاصي (مختصة في العلاقات) لـ"الترا تونس": هل من الرجولة أن يفضح الرجل امرأة وثقت به، أو أن يجعل العلاقة مادة للاستهلاك العام؟ بالطبع لا. وبالمثل، هل من المسؤولية الأخلاقية أن يُستهدف الرجال للتشهير؟
وتؤكّد الجلاصي أن الوضع يصبح أكثر قسوة وتعقيدًا عندما يكون الناشر رجلًا، خاصّة أنّه يُتوقع منه في المجتمعات العربيّة أن يكون مصدر أمان وستر. في المقابل، قد يُصبح هو أيضًا هدفًا للتشهير من قِبل الآخرين، والتشهير بالرجل يمس كرامته ويؤثر على صورته أمام المجتمع، وفقها.
وكما هو الحال مع النساء، فإن الاعتداء الرقمي على الرجل يعكس هشاشة نفسية وانحرافًا أخلاقيًا لدى من يقوم به، ويؤدي إلى مزيد من الانقسام الاجتماعي.
وتتساءل الخبيرة في العلاقات: "هل من الرجولة أن يفضح الرجل امرأة وثقت به، أو أن يجعل العلاقة مادة للاستهلاك العام؟ بالطبع لا. وبالمثل، هل من المسؤولية الأخلاقية أن يُستهدف الرجال للتشهير؟ كلاهما يجب أن يكونا واعيين بأن الأذى الرقمي لا يولّد إلا المزيد من الألم، وأن القيم الأخلاقية والإنسانية تتطلب ضبط النفس والستر على حدّ سواء".
اقرأ أيضًا: العنف الرقمي ضد النساء: قصور قوانينهم تخرس أصواتهن
وتفسّر سيدة الجلاصي الرغبة في الانتقام بعد انتهاء العلاقات بأنّها إحساس طبيعي، لكنها إذا تحوّلت إلى تشهير، تدخل الشخص في دائرة نفسية غير متوازنة. إذ يصبح ممزقًا بين كونه ضحية وكونه جاني، مما يزيد من التوتر والاضطراب النفسي، مشيرة إلى أن المتابع أيضًا ليس بريئًا، ففضول الناس قد يعزز هذه الدائرة، ويساهم في استمرار انتشار الألم والمعاناة. كما أنّ هناك من يجد راحة في الاطلاع على أخطاء الآخرين، لأنها تذكره بأن لا أحد كامل، فيزول عنه شعور النقص ويجد عزاءً في ضعف الآخرين، وفقها.
خبيرة في العلاقات لـ"الترا تونس": المتابع أيضًا ليس بريئًا، ففضول الناس قد يعزز دائرة التشهير، ويساهم في استمرار انتشار الألم والمعاناة. كما أنّ هناك من يجد راحة في الاطلاع على أخطاء الآخرين
وتشدّد الجلاصي بأنه لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن السياق الاجتماعي المتمثل في كثرة العلاقات العاطفية غير المستقرة، تأخر سن الزواج، والانحلال الأخلاقي الذي يعيشه المجتمع، كلّ هذه العوامل تجعل الأفراد في حالة شك دائم بالشريك، وفي ترقّب قصوى لأي خطأ، بحيث يكفي أن تُفتح صورة أو رسالة قديمة لتبدأ سلسلة من الفضائح والأذى النفسي.
وفي ختام حديثها تقول الجلاصي: "أين الأخلاق في هذه الأفعال؟ لقد ورد في الحديث الشريف: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»، فكيف تحوّل الستر اليوم إلى تشهير وانتقام؟"
مختصة في علم الاجتماع: لا فرق بين كرامة الذكر والأنثى، لكن الواقع المجتمعي يفرض التمايزات
في نفس السياق، تشدّد المختصّة في علم الاجتماع، لمياء هدريش أن ظاهرة التشهير وانتهاك الخصوصية غير صحية، وتعبّر عن وجود خلل في المجتمع وفي أفراده، وخاصة فئة الشباب بالدرجة الأولى، كما أنها تندرج ضمن إطار العنف السيبراني. فهي في النهاية ممارسة للعنف، سواء تمت بشكل فردي أو جماعي، مضيفة أنّ المسألة معقدة ومركّبة، وتتداخل فيها عدة أبعاد وهي البعد القيمي والأخلاقي، البعد التنشئي، وكذلك غياب الرعاية والإحاطة بالشباب من الجنسين.
لمياء هدريش (مختصّة في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": ظاهرة التشهير وانتهاك الخصوصية غير صحية، وتعبّر عن وجود خلل في المجتمع وفي أفراده، وخاصة فئة الشباب بالدرجة الأولى، كما أنها تندرج ضمن إطار العنف السيبراني
وعن مسألة التشهير، ترجّح هدريش أن اللجوء إليها يعود إلى رغبة الفاعل في الإيذاء بأقصى درجة ممكنة. فالتشهير بالحياة الخاصة للشخص واستهداف بُعدها الأخلاقي يُعتبر وسيلة قاسية لإلحاق الضرر، حيث لا يكتفي الفاعل بالفعل وردّ الفعل، بل يسعى إلى ردّ فعل أشد قسوة من الفعل الأصلي، معتبرة أنّ هذا السلوك جزء مما يُسمى "ثقافة الفضح" أو "ثقافة اللامعقول".
اقرأ أيضًا: مواقع "التواصل" تونسيًا.. كيف تحولت إلى مواقع "عنف وانفعال مبالغ فيه"؟
وفي هذا السياق، أوضحت هدريش:" يمكن القول إن التشهير الرقمي هو مرحلة جديدة من الفضح المباشر، فرضها السياق المجتمعي التونسي، وهو سياق متوتر تسوده سلوكيات غير سوية انعكست على أشكال التواصل الافتراضي".
وبالنسبة إلى علم اجتماع النوع، تؤكّد محدّثتنا أن "الاختلافات البيولوجية تخلق نوعًا من التباينات القيمية والأخلاقية بين الذكور والإناث، غير أن القاعدة الجوهرية تبقى أنه لا فرق بين فتاة وفتى، فالجميع أفراد داخل المجتمع، ومن حق كل فرد أن يحيا بكرامة وقيمة مصونة". وتضيف:" لكن عمليًا، تبقى الفتيات أكثر عرضة لهذه الممارسات بسبب الطبيعة الذكورية للمجتمع التونسي والعربي عمومًا، حيث يُعتبر المساس بالفتاة إساءة لها ولعائلتها، وهو ما يؤدي إلى صراعات وتوترات اجتماعية قد تصل إلى حد التراشق والعداوات العائلية".
وتضيف الباحثة في علم الاجتماع: "علميًا، لا فرق بين كرامة الذكر والأنثى، لكن الواقع المجتمعي يفرض تمايزات قيميّة وأخلاقيّة، تتأثر بها سلوكيات الفتيات وحتى إدراكهن لذواتهن، فحتى المراهقات، رغم أنهن لا يصرحن بذلك، يلاحظن من خلال الأفعال والتصرفات أن هناك أفضلية للذكر على الأنثى، سواء من خلال المعاملة اليومية أو حتى داخل الأسرة".
وتشدّد لمياء هدريش على أن "تغيير هذه الذهنية المجتمعية ليس بالأمر السهل، بل يتطلب عملًا كبيرًا على المدى المتوسط والبعيد وهو عمل تشاركي يبدأ من الأسرة عبر التربية الوالدية، مرورًا بالمدرسة ودور الثقافة، وصولًا إلى مؤسسات المجتمع المدني والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، من أجل الإحاطة بالشباب ومحاولة تعديل هذه السلوكيات المنحرفة". مضيفة أن "العقلية المجتمعية مركّبة، ولا يمكن إصلاحها في وقت قصير، بل تحتاج إلى وعي جماعي ومؤسساتي يضع الأسس لمجتمع أكثر توازنًا وعدلاً".
القانون التونسي يعاقب من ينشر الرسائل الخاصة قصد التشهير والإساءة
تؤكّد المحامية أسمهان الطاهري أن نشر الصور والمحادثات الخاصة بدون إذن صاحبها، في ما يسميه القانون "معالجة المعطيات الشخصية"، يعد مخالفة صارمة. فمعالجة المعطيات المتعلقة بالغير، مهما كان مصدرها أو شكلها، يجب ألا تمس حقوق الأشخاص المحمية بموجب القوانين، كما يُحجر استعمالها لغاية الإساءة أو التشهير بالآخرين.
مشيرة إلى أن القانون التونسي لم يخص الجرائم الإلكترونية بنص خاص واحد، وإنما قام بإدراجها ضمن العديد من القوانين المتصلة بمسائل مختلفة، مثل القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 63 المؤرخ في 27 جويلية/يوليو 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، وفصول من المجلة الجزائية ومجلة الصحافة، وكذلك المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المؤرخ في 13 سبتمبر/أيلول 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال.
أسمهان الطاهري (محامية) لـ"الترا تونس": القانون التونسي يعاقب كل من ينشر معلومات أو تدوينات مسيئة تمس كرامة الآخرين عبر وسائل الاتصال المختلفة، سواء نشر الصور أو الرسائل الخاصة أو المعلومات الشخصية دون إذن صريح ومسبق من صاحبها
وتضيف الطاهري أن القانون التونسي يعاقب كل من ينشر معلومات أو تدوينات مسيئة تمس كرامة الآخرين عبر وسائل الاتصال المختلفة، سواء نشر الصور أو الرسائل الخاصة أو المعلومات الشخصية دون إذن صريح ومسبق من صاحبها. وتتفاوت العقوبات حسب الوضعيات ودرجة الإساءة ونوعها، حيث تتراوح بين السجن مدة شهر إلى ثلاث سنوات فأكثر.
ولتقديم الدليل الكافي أمام القضاء لإثبات صحة الادعاء وإثبات الضرر، تشمل وسائل الإثبات القانونية الإقرار، والحجج المكتوبة، والشهادة وغيرها. ويمكن للمتضرر القيام بمعاينة التدوينات والصور والمحادثات عن طريق عدل تنفيذ وتحرير محضر في الغرض، كما يمكن للنيابة العمومية أو القضاء الجالس القيام بالمعاينات وتحرير محاضر إذا ارتأوا ذلك.
وعن إمكانية رفع دعوى ضدّ المنصة الرقمية، تؤكّد الطاهري أن الدعوى تكون ضد من قام بالإساءة، سواء أشخاص طبيعيين أو ذوات معنوية. وتشمل الجرائم من قام بتنزيل الصور أو المحادثات، أو نشرها، وكذلك التعليقات المسيئة على المنشور.
وشدّدت المحامية أن التشريعات العقابية وحدها غير كافية للتصدي لهذه الجرائم، بل يجب أن تقترن بالجانب التوعوي، ونشر ثقافة الاحترام والتبادل، والعودة إلى ثوابت الأخلاق والعادات الحميدة، وهو دور تتداخل فيه العائلة، المدرسة والإعلام.
الكلمات المفتاحية
بين تعثّر الأشغال ومداهمة الشتاء.. هضبة سيدي بوسعيد على شفير الهاوية
يرى خبراء الجيولوجيا والهندسة المدنية أنّ هضبة سيدي بوسعيد تتكون من طبقات رسوبية وطينية هشّة تتأثر بشكل مباشر بتشبع التربة بالمياه التي تتسرب من القنوات الباطنية ومن التساقطات الهامة التي تشهدها المنطقة سنويًا
رزق شحيح.. يوميات "البرباشة" في زمن أزمة المياه المعدنية
تُظهر هذه الأزمة المزدوجة كيف تتسرب الآثار الجانبية للتغيرات المناخية وأزمات السلع الأساسية إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع
ارتفاع درجات الحرارة يعيد جدل العودة المدرسية والجامعية.. هل تتجه تونس نحو تأجيلها؟
مع تصاعد الجدل حول موعد العودة المدرسية والجامعية في تونس، تتزايد الدعوات إلى تأجيل استئناف الدروس في ظل..
من الذبائح إلى الأسماك.. غلاء الأسعار يُغيّر عادات وليمة الأعراس في تونس
شهدت أسعار اللحوم الحمراء في تونس ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما هذا العام إذ بلغت في بعض المناطق 70 دينارًا للكيلوغرام من لحم الضأن و50 دينارًا للحم البقر، ما أدّى إلى تراجع حضورها على موائد الكثير من العائلات، خاصة محدودي الدخل الذين اضطروا إلى مقاطعتها بسبب تدهور المقدرة الشرائية
طقس تونس.. حرارة مستقرة وأمطار منتظرة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر هادئ إلى قليل الاضطراب
خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة
قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..