العلاقات التونسية الأوروبية.. في الديمقراطية والسيادة
1 ديسمبر 2025
مقال رأي
تبدو العلاقات التونسية الأوروبية خاصة منذ إمضاء "مذكرة التفاهم" في جويلية/يوليو 2023 مركبة، حيث تتراوح بين الضغط والتعاون، وهي متأثرة بشكل عام أيضًا بالطابع المعقد لصناعة القرار في مستوى المفوضية الأوروبية، وهي الجسم الأهم في السياسات التنفيذية، ولكن أيضًا في خصوص البرلمان الأوروبي، حيث نجد أطرافًا سياسية متعارضة تمامًا في خصوص الموقف من السلطة الحالية.
ومن الواضح كما شرحنا سابقًا ونشرح هنا أن ملف "حقوق الإنسان" ثانوي وأنه في أحسن الحالات ورقة تفاوض أوروبية لتوسيع مجال النفوذ والهيمنة وترسيخه.
وفي المقابل فإن خطاب السيادة الرسمي التونسي لا يتطابق دائمًا مع السياسات الفعلية، التي يبدو أنها تساهم في مزيد استدامة الهيمنة، خاصة في مثال "تصدير الحدود" ولكن أيضًا الملف الذي لا يتم التركيز عليه عادة أي الطاقات المتجددة. لكن يبقى أيضًا أن الخلاف مع قيس سعيّد في الحريات والحقوق وأيضًا في ملف كيفية تسيير العلاقات التونسية الأوروبية، لا يبرر مواقف جزء من المعارضة إما المساند أو الصامت عن التوظيف الأوروبي الواضح للملف الحقوقي في سياق ترسيخ الهيمنة. إذ لا يمكن الدفاع عن السيادة بدون وحدة داخلية تعترف بحق الاختلاف والتنافس، لكن لا يمكن أيضًا بناء ديمقراطية مستديمة في سياق هيمنة طرف أوروبي في ملفات أساسية وحيوية لمستقبل البلاد.
الموقف الاحتجاجي الرسمي التونسي على تحركات سفراء الاتحاد الأوروبي.. مفهوم وليس غريبًا من زاوية مبدئية ويحدث حتى بين الحلفاء في المعسكر الغربي.. لكن من غير الممكن أيضًا التغافل عن الهوة بين خطاب السيادة وسياسات السلطة الحالية
السفير الحالي للاتحاد الأوروبي، Giuseppe Perrone، الذي استقبله الرئيس سعيّد ووجه إليه احتجاجًا شديد اللهجة، رغم جنسيته الإيطالية، فلا يبدو حسب سيرته المهنية وتعييناته أنه قريب من الحكومة الحالية اليمينية، التي تقودها ميلوني، بقدر ما هو قريب تاريخيًا من الأطراف اليسارية في إيطاليا. بيروني طبعًا هو بالأساس ديبلوماسي، ولا يُعرف عنه ميول سياسية علنية، لكن المعلوم في الأوساط السياسية العارفة بالشأن الأوروبي أنه أقرب للأوساط اليسارية الإيطالية.
وللتذكير فإن آخر المناصب التي شغلها كانت سفيرًا في إيران، حيث تلقى أيضًا احتجاجات رسمية متكررة في علاقة بالمواقف الرسمية للحكومة الإيطالية. طبعًا السفير لا يتحرك هنا ضمن أجندة شخصية، ومن الواضح أنه يعبر عن توجهات المفوضية التي تعبر عن توليف معقد لسياسات دول عدة في الاتحاد، لا تشترك بالضرورة في نفس التوجه، بين إيطاليا والمجر الداعمتان عمومًا للسلطة الحالية، وألمانيا وفرنسا الأقل دعمًا، لكنهما تحافظان على سياسة واقعية تتفهم الموقف الإيطالي في خصوص ضمان علاقة قائمة على "التعاون الأمني" في الهجرة غير النظامية وأولوية ملف "الطاقة المتجددة" أيضًا.
اقرأ/ي أيضًا: المفوضيّة الأوروبية تردّ على استدعاء سفير الاتحاد الأوروبي في تونس
من اللافت أن تحركات بيروني كانت تتركز على ملف "الحوار الاقتصادي"، وتعرضت حسب بيان اتحاد الصناعة والتجارة إلى ملف "الشراكة". هنا ليس خافيًا أن الرئيس سعيد تعرض في أكثر من مرة إلى "ضرورة مراجعة" الاتفاقيات السابقة لتونس، ومن المرجح أن يعني بذلك "اتفاق الشراكة" الاقتصادي منذ منتصف التسعينيات الذي كان من المتوقع تطويره نحو اتفاق "Aleca" في السنوات بعد الثورة، لكن تعطلت المفاوضات قبيل انتخابات 2019.
والطرف الأوروبي يسعى بوضوح إلى تمرير الاتفاقية في سياق موازين القوى الحالية، في إطار "مذكرة التفاهم"، التي يجب أن تشمل في هذه الحالة ليس فقط ملف الطاقة، بل أيضًا الصناعات الغذائية والفلاحة.
في خصوص تصويت البرلمان الأوروبي على قضية السجينة السابقة على مرسوم 54، الذي أصبح محرجًا بشكل متصاعد للسلطة الحالية، فيجب التركيز على "اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان" (DROI) التي لا أعتقد وفقًا للبيانات الرسمية أنها تتصرف بشكل طبيعي، على الأقل عند المقارنة بين تركيزها على الوضع في تونس مقارنة بالوضع في المغرب مثلًا وفي الصحراء الغربية أيضًا.
فخلال سنوات 2023-2025 مثلًا، تعاملت اللجنة مع تونس والمغرب بمنظارين مختلفين: تونس على أجندة الأعمال بشكل متواتر، وفي المقابل المغرب "تحت الطاولة". حيث خصّصت اللجنة لتونس ثلاث فعاليات مستقلّة (آخرها جلسة مشتركة مع JURI لإنقاذ المحامية سنية الدهماني)، لكنها امتنعت عن أي قرار عقابي، مكتفية بالإنذار الشفهي. أما المغرب فلم يُدرَج قط في جدول أعمالها؛ ذُكر اسمه عابرًا في قرار جانفي/يناير لعام 2023، بينما ملفات الصحفيين المعتقلين والصحراء الغربية أُحيلت إلى لجان أخرى.
أحد أسباب خيبة أمل عموم التونسيين من تجربة الانتقال الديمقراطي ليس فقط الإخفاق الاقتصادي والاجتماعي، بل أيضًا التطبيع مع ترذيل مبدأ السيادة. في حين أن الديمقراطية الجدية والفعلية تستوجب شعورًا سياديًا جديًا وقويًا
هذا التباين يعكس أولوية بروكسل: أمن الحدود مع تونس، واستقرار الموارد مع الرباط، مع فارق أساسي وهو قوة لوبي مغربي نشيط يدفع في تصنيف أي نقد للمملكة المغربية بوصفها "هجومًا على الوحدة الترابية". داخل اللجنة، التركيبة السياسية لا تُغيّر المعادلة؛ يرأسها الخضرَ من خلال الفرنسي (والمغربي الأصل الذي كان ناشطًا في الحركة التلمذية في "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" المشارك حاليًا في الحكم في المغرب) منير ساطوري، ويقاسمه المكتب اشتراكيون وليبراليون ومحافظون، لكن الأغلبية نفسها تتردد في التصويت ضد المغرب خشية إرباك ملف الهجرة واتفاقات الصيد والفوسفاط.
في المقابل فإن الموقف الاحتجاجي الرسمي التونسي على تحركات سفراء الاتحاد الأوروبي، -بالإضافة إلى بيروني، السفيرة الهولندية، التي من غير الواضح أسباب استدعائها للاحتجاج (لقاءات غير علنية مع معارضين؟)-، مفهوم وليس غريبًا من زاوية مبدئية ويحدث حتى بين الحلفاء في المعسكر الغربي. فالدانمارك احتجت على التدخل الأميركي في خصوص غيرنلاند، وفرنسا استدعت السفير الأميركي في خصوص رسالته إلى ماكرون التي انتقدت أداء السلطات في خصوص "اللاسامية"، في إطار الضغط على اعتراف باريس بالدولة الفلسطينية.
والحقيقة ضمن اتفاقية فيينا، التي تمت صياغتها في سياق الحرب الباردة، تم ترك مجال واسع لتأويل معنى "رفض التدخل الخارجي". بمعنى آخر لا توجد قواعد محددة، ولكل دولة يمكن أن تحدد طريقة التصرف، وتحديد حركة الديبلوماسيين ومواقفهم على أساس "الأمن القومي".
لكن من غير الممكن أيضًا التغافل عن الهوة بين خطاب السيادة وسياسات السلطة الحالية. وإذ تعرضنا سابقًا إلى هذه الهوة في مثال "تصدير الحدود"، فإن ملف الطاقات المتجددة يحتاج تركيزًا أكبر. ونشرت "مجموعة العمل من أجل دمقرطة الطاقة" أكثر من تقرير يسائل توجهات السلطة في عقود الطاقات المتجددة خاصة مع المؤسسات الأوروبية.
وتوضح هذه التقارير، وآخرها ملخص مقال لناشطين في المجموعة إلياس بن عمار وصابر عمار في "ميدل إيست آي" في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعنوان "كيف تُعمّق طموحات أوروبا الخضراء أزمة الطاقة في تونس" يشرح أنّ خطة "الصفقة الخضراء" الأوروبية وضعت تونس أمام معادلة خاسرة: الاتحاد الأوروبي يضغط لاستيراد الكهرباء المتجددة من الشمس والرياح الجنوبية، بينما يترك البلد يعاني انقطاعات يومية تصل إلى ثماني ساعات، ويُجبر المواطنين على شراء مولدات خاصة.
وقد خصّصت بروكسل 600 مليون يورو لإنجاز مشروع «ألماد» الكهربائي البحري مع إيطاليا، لكنها لم تقدّم سوى 40 مليونًا لإصلاح شبكة الكهرباء الداخلية المتهرئة، فيما تُصدر تونس بالفعل 12% من إنتاجها النظيف إلى أوروبا بينما تُعتم مدنها.
يكشف الكاتبان أنّ اتفاقيات "الشراكة الخضراء" تُلزم تونس بمنح الأولوية للتصدير عند الاستغلال الكامل للشبكة، ما يُبقي الفائض متاحاً لأوروبا ويُفاقم العجز المحلي. كما يرى التقرير أنّ الدعم الأوروبي مرتبط بشروط "الإصلاحات" التي ترفع الدعم الحكومي عن الطاقة وتُفاقم غلاء فاتورة الكهرباء للأسر الفقيرة.
ملف الطاقة يعدّ مثالًا واضحًا وحيويًا على أن هناك سعيًا أوروبيًا لاستدامة علاقات تراتبية الهيمنة مع تونس.. والسلطة الحالية رغم خطابها السيادي عالي السقف، فهي ليست بصدد مراجعة هذا الوضع، بل منخرطة في استدامته
الخلاصة حسب هذه التقارير أنّ "التحول الأخضر" الأوروبي يُحوّل تونس إلى "جيب شمسي" يُغذّي مصانع الشمال، بينما يتركها تُقاتل في الظلام، ودعا المقال إلى فرض "كوتا" تصديرية سقفها 5% حتى يتحقق أولًا الاكتفاء الذاتي، وإلى إعادة التفاوض على الاتفاقات بما يضمن استثمارًا حقيقيًا في شبكة التوزيع الداخلية وفي خفض أسعار الكهرباء للمستهلك التونسي.
هنا مثال واضح وحيوي على أن التركيز الأوروبي يسعى لاستدامة علاقات تراتبية الهيمنة، وأن السلطة الحالية رغم خطابها السيادي عالي السقف، ليست بصدد مراجعة هذا الوضع، بل منخرطة في استدامته.
المعضلة أن جزءًا مهمًا من المعارضة إما يتسابق من أجل ترسيخ هذا الوضع وخاصة التغاضي عن أن ورقة "حقوق الإنسان" تُستعمل أوروبيًا في هذا السياق الاستراتيجي، أو أنها صامتة ولا ترى أن القضية السياسية الأساسية التي يجب أن تكون في علاقة بالسلطة هي عرض تصور بديل يتجه لعموم التونسيين يربط بين السيادة والديمقراطية. خاصة أن أحد أسباب خيبة أمل عموم التونسيين من تجربة الانتقال الديمقراطي ليس فقط الاخفاق الاقتصادي والاجتماعي، بل أيضًا التطبيع مع ترذيل مبدأ السيادة. في حين أن الديمقراطية الجدية والفعلية تستوجب شعورًا سياديًا جديًا وقويًا.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الوحدة في مواجهة الاستبداد.. الممكن وغير الممكن تونسيًا
"صورة تشبيه الرئيس قيس سعيّد بالرئيس السابق زين العابدين بن علي التي استأثرت بالنقاش إثر آخر مسيرات المعارضة بدا من المهمّ رفعها.."

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ
"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا
"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!
"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار في عدد من المناطق
معهد الرصد الجوي: أمطار متفرقة بالشمال الغربي ثم تشمل تدريجيًا أثناء الليل بقية مناطق الشمال ومحليًا الوسط والجنوب وتكون مؤقتًا رعدية

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس
أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية
قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم
