العروض الصوفية في تونس.. غذاء للروح في رمضان
16 مارس 2025
برمج مهرجان المدينة في دورته الـ41 لتأثيث سهرات شهر رمضان أنواعًا موسيقية عديدة: صوفية، طربية ، قدود حلبية ، جاز وفلامنكو. وزعت هذه العروض الموسيقية على المعالم التاريخية للمدينة العتيقة كدار الأصرم والنادي الثقافي الطاهر الحداد ومدرسة بئر الأحجار وكنيسة "سانت لاكروا".
واختيرت هذه الأماكن لتحقّق تناغمًا بين الزمان والمكان فيساهم المهرجان في التعريف بروح المدينة العتيقة ومعالمها ورموزها الحضارية والثقافية وخصوصياتها المعمارية والجمالية وتضيف هذه المعالم للمهرجان بعدًا ثانيًا فتمنح المتفرج زيادة على متعة الفرجة الفنية والموسيقية متعة المكان بجماله المعماري ورمزيته التاريخية.
متعة الفرجة وسحر المكان
الانطلاق من شوارع وأزقة المدينة العتيقة واعتماد قصورها ومعالمها أماكنَ للعروض الموسيقية تذكّرالمتفرج بأصوله وتفتح عينيه على تنوع انتماءاته ومكونات هويته الثقافية والوطنية فتعزز شعوره بالفخر بتراثه. كما تحيله إلى ما شهده ساكنو هذه القصور من أحداث ومجريات ومتغيرات تأقلموا معها وتركوا بصماتهم فيها. فرمزية هذه الأماكن و دلالاتها التاريخية تلهم المتفرج وتؤثر إيجابيًا في نفسيته وتخرجه من دائرة الروتين والمعتاد .
فكرة الانطلاق من أزقة المدينة العتيقة واعتماد معالمها أماكنَ للعروض تجعل المتفرج يفتح عينيه على تنوع هويته الثقافية
إنّ تنوع العروض وربطها بالمكان تفرضه شمولية الثقافة ومجالها الواسع. فالثقافة وكما عرفها الأنثروبولوجي البريطاني "إدوارد تايلور" هي المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والعادات وأساليب الحياة والخبرة اللازمة للحرفية التقليدية وهذا ما جعل مهرجان المدينة يبدأ سهراته الرمضانية بعرضين صوفيين:
الأول تضمّن خرجة "عيساوية تونس " (نسبة إلى مؤسسها محمد بنعيسى، القادم من مدينة مكناس المغربية وهو فقيه متمكن من أصول الدين وعلوم النقل والعقل ويعرّف حسب الذاكرة الشعبية بالوليّ الصالح). أما العيساوية فهي طريقة من الطرق الصوفية، تقوم على مخاطبة الروح والجسد وتعتمد على الإنشاد والذكر المقترن بالإيقاع الموسيقي وهي امتداد للطريقة الشاذلية المنسوبة إلى الإمام أبي الحسن الشاذلي 1196- 1258 الذي لعب دورًا مهمًا في ترسيخ تيار التصوف في تونس.
كما تم عرض حفل صوفي ثانٍ بعنوان "لمة" في السهرة الموالية أثّثه شيوخ الإنشاد المنسوب لزاوية سيدي محرز نسبة إلى محرز بن خلف (951 م -1022 م) وهو أيضًا عالم في الدين والفقه والتصوف ومعروف بلقب "سلطان المدينة".
انطلق العرض الصوفي خرجة "عيساوية تونس" من أمام جامع حمودة باشا وشقّ طريقه عبر أنهج المدينة، يرافقه جمهورٌ من عشاق الموسيقى الصوفية، لينضمّ إليهم من حين لآخر المارة وروّاد مقاهي المدينة، مردّدين الأناشيد وحاملين الأعلام في اتجاه دار الأصرم أين تجمّعوا ليواصلوا تمجيدهم لله ومدحهم للرسول وأولياء الله الصالحين وسط أجواء احتفالية من شموع مضيئة ورائحة بخور وعنبر، تعبيرًا عن فرحتهم بقدوم شهر رمضان المعظم.
جلس الحاضرون، منصتين في خشوع لأغاني المنشدين وإيقاع "البندير" و"الطار" و"الطبلة" متفاعلين مع الكلمات والأنغام بالتصفيق والزغاريد والتمايل والرقص، مبتهجين بما بعثه فيهم هذا العرض الموسيقي والفرجوي من جمالية وحسّ ووجد وخشوع.
العروض الصوفية مطلب شعبي
لا يخفى على أحد أن هذه العروض الصوفية ما تنفكّ تنتشر في مدن وأرياف تونس وهي جزء لا يتجزأ من الموروث الموسيقي والروحي التونسي بما حقّقته من استمرارية وديمومة وإقبال جماهيري غفير. فرضت وجودها وأصبحت ظاهرة اجتماعية شعبية ثقافية فنّية وأفرزت تمثّلات ذهنيّة عفويّة، تربط بين المعتقد الدّيني ومعاني الفنّ والجمال.
تعددت الفرق والمشايخ الدينية في تونس وكل فرقة تنتسب إلى شيخ وتسير على نهجه وطرق تديّنه وتعبيراته الروحية فتقوم بمدحه وترديد أذكاره وتتبرك بضريحه وتؤمن بمعجزاته وقدراته، مستثمرةً في الإرث التراثي الصوفي، جاعلةً من من هذا التراث الثقافي الشعبي مادة لإنتاجها، متنافسةً فيما بينها، فأبدعت أشكالًا جديدةً دون أن تمس بجوهر التراث الشعبي الصوفي.
العروض الصوفية في تونس باتت جزءًا لا يتجزأ من الموروث الموسيقي والروحي التونسي بما حقّقته من استمرارية وديمومة وإقبال جماهيري غفير
اشتغلت هذه الفرق على التجديد والإضافة واقتربت من عامة الشعب فلقيت رواجًا كبيرًا وأصبحت حاضرة حضورًا بارزًا في المشهد الثقافي من مهرجانات ومناسبات دينية ودنيوية.
يقبل التونسيون بكثافة على هذه العروض الصوفية لما يجدوه فيها من نقاط تلاقٍ وتوافقٍ في المعتقدات والأذواق والطبائع من تديّن سلس ودين متسامح، فهي تدعوهم للتصالح مع ذواتهم والتسامح مع الآخر للتعايش السلمي.
مكّنتهم من فضاء يسمح لهم بالجمع بين المفيد والممتع فيكون متنفّسًا لهم، يمارسون فيه طقوسهم وتعبيراتهم الجسدية والروحية لبلوغ راحة نفسية بالتقرّب إلى الله ومناجاته وبمدح رسوله والتبرك بأوليائه الصالحين. وفي نفس الوقت يعيشون لحظات متعة وتسلية وصفاء بما توفّره لهم هذه العروض من أجواء موسيقية وفرجوية تنسيهم مشاكلهم وتملأ فراغهم المادي والروحي وتسمح لهم بالانعتاق بمحبة الله.
إن ما يميز هذه الفرق والعروض الصوفية عن بعضها بعض هو اختلاف طرق ممارساتها ومناهجها المعتمدة وأنماطها الموسيقية من لحن وإيقاع وتسمية فهذه عيساوية نسبةً إلى محمد عيسى وأخرى شاذلية مؤسسها أبو الحسن الشاذلي وثالثة تيجانية أسسها أحمد التيجاني ورابعة قادرية نسبة إلى عبد القادر الجيلاني وصولًا إلى النوبة والحضرة لمؤسسهما فاضل الجزيري والزيارة من تنظيم وإخراج سامي اللجمي. أما ما يجمع بين هذه العروض والفرق وما يوحدها فهو الهدف والغاية، إذ يسعى جميعها لبلوغ التجلي الروحاني والانتشاء للدخول في حالة من التواصل المباشر مع الله.
سعادة التونسي في ربط الديني بالدنيوي
يستنتج المتفرج في العروض الصوفية التونسية أنها أخذت منحى جديدًا ولم تعد تقتصر على الإنشاد وترديد الكلمات بل تجاوزتها إلى الغناء والتوزيع الموسيقي لإضفاء القيمة الجمالية والفنية على الكلمات بإضافة اللحن والإيقاع المستمدّ من المالوف التونسي ومن الموسيقى الشعبية وبإدخال عناصر الفرجة، فقد أصبحت هذه العروض تدار وفق إخراج وسينوغرافيا وديكور وإعداد وحضور ركحي وتعبيرات جسدية وعلامات سيميائية، وملابس تتماهى في ألوانها ومادتها البسيطة التي صنعت منها مع التفكير الصوفي في دعوته للصفاء والتزهد.
أخذت العروض الصوفية التونسية منحى جديدًا ولم تعد تقتصر على الإنشاد وترديد الكلمات بل تجاوزتها إلى الغناء والتوزيع الموسيقي لإضفاء القيمة الجمالية والفنية
تهدف هذه العروض في ثوبها الجديد إلى استقطاب المتفرج بالتنافس على إمتاعه من خلال تقديم أعمال ركحية وفرجوية تبهره وتتناسب مع ميولاته وذوقه فيجد فيها نفسه، تطربه وتبعث فيه الفرحة فيتجاوب معها بكل تلقائية ويتعاطف مع أعضائها ومع منشديها فيشاركهم رقصهم وشطحاتهم على أنغام مدائحهم وأذكارهم ويصل به التفاعل إلى الانتشاء والتخمّر وفقدان الوعي وتأخذه التخميرة إلى حالة من التجلي الروحي والانقطاع عن العالم الخارجي.
إلّا أن بعض الدارسين للطرق الصوفية يرى في اعتماد العروض الصوفية على مظاهر المرح والطرب وما تفرضه من جماليات يحيد بها عن طبيعة التفكير الصوفي ويخرجها من دائرة الانتماء والتسمية. فالتفكير الصوفي يقوم أساسًا على التزهد في الحياة الدنيا حتى أن البعض فسر الصوفية بالصوف لرمزه للتواضع والبساطة والتقشف وأعاد البعض الآخر ظهور الطرق الصوفية كردّ فعل على انتشار مظاهر الترف والإسراف في العصر العباسي.
يبدو أن انفتاح وتجديد العروض الصوفية آتى أُكله ونجح في استقطاب وإرضاء المتفرج التونسي ومنحه المتعة المرجوة وذهب به إلى راحة نفسية وروحية، فجعله يقبل على هذه العروض ويسارع لحضورها المرّة تلو الأخرى بحثًا عن استراحة محارب تنسيه ثقل أعباء الحياة وتضمن له انصهارًا روحيًا وتمنحه طاقة حبّ وانعتاق، ألم يقل جلال الدين الرومي "من دون الحب كل الموسيقى ضجيج، كل الرقص جنون، كل العبادات عبء".
الكلمات المفتاحية

"بابورينو"... الأغنية التونسية التي شقّت عباب الذاكرة
في اللحظة التاريخية الفارقة للمجتمع ـ أيّ مجتمع ـ يمكن للإبداع أن يلتقط الأحداث والوقائع والرموز ويحوّلها إلى سرديات خارقة للأزمنة، تحمل في تجاويفها المعاني الخالدة والفكرة الجامحة التي تحلّقت حولها قلوب الناس ودَفعتهم إلى الفعل المُغيِّر، لتضعها في الأعالي اللامتناهية تحت شموس الذاكرة حفاظًا على الحقيقة الكاملة وجوهرها الكامن، همّةً للأجيال المتعاقبة ورصيدًا رمزيًا تتغذّى منه الهوية، وسندًا…

المتاحف في تونس.. في البحث عن فضاءات أفضل لحفظ الذاكرة
يجب مراجعة إدارة المتاحف في تونس كليًا حتى ترتقي إلى مستوى عالمي مرموق، فالقطع الأثرية التونسية ذات قيمة حضارية إنسانية ثابتة لا تزال المخازن تعج بها وفي حاجة إلى أن ترى الصيانة والعرض في أبهى حلة

المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن".. احتفاء بمخرجات عربيات مبتدئات من 10 دول
زيادة على الإقامة الفنية التي ضمّت 14 مخرجة مشاركة من دول عربية عديدة، نظم المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن"، الذي تنظمه كل سنة الجامعة التونسية لنوادي السينما بمدينة نابل، مسابقة في الأفلام القصيرة العربية من إنتاج مخرجات نسائيات

معرض الرسام التونسي سامي بن عامر.. "الأرض الروحية" أو "زهرة الغريب"
أصحاب "اللوحة الفنية التونسية" صنفان: صنف يرى في الخامات تعليلاً لطرح الأسئلة الفكرية والفلسفية والوجودية المترعة بالجدل والتأمل والتصوّف، أو لتقديم إمكانات لأجوبة عصية، قصية تشبه الفتح الجديد، أو مقاربة للأشياء من زوايا مستحيلة فيها استنطاق للذات القلقة، الحائرة التي تستشعر عمق المعاني فتسرّبها عبر الألوان ثم تتراجع إلى الخلف لترى عين ما أنجزت

رغم الانتصار بثلاثية ضد قطر.. تونس تغادر كأس العرب 2025
نجح محمد علي بن رمضان في تسجيل الهدف الأول للمنتخب التونسي في الدقيقة 16 من عمر المباراة، في حين تمكن ياسين مرياح من إضافة الهدف الثاني في الدقيقة 62

"أول فوز عربي في الدور الثاني"… تونس تهزم النمسا في مونديال كرة اليد
الإعلامي الرياضي عصام الشوالي: تحقيق الفريق النسائي لتونس لانتصار أمام النمسا في بطولة العالم لكرة اليد النسائية يعدّ أول انتصار عربي في تاريخ الرياضات الجماعية في الدور الثاني للرياضة النسائية

مونديال 2026.. برنامج مباريات منتخب تونس في الدور الأول
أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" عن برنامج مباريات الدور الأول لمنافسات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك.. تعرّف على مواعيد مباريات المنتخب التونسي

طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار متفرقة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح عامة بين 17 و22 درجة
