العتبة الانتخابية الجائرة والانتقال الديمقراطي

العتبة الانتخابية الجائرة والانتقال الديمقراطي

العتبة الانتخابية ستغير الواقع السياسي في تونس (الشاذلي بن ابراهيم/Getty)

صادقت مؤخرًا لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية على إقرار عتبة انتخابية للانتخابات التشريعية بنسبة 5 في المائة، وذلك في إطار مناقشتها لمشروعي القانونين المتعلقين بتنقيح وإتمام القانون الأساسي المتعلق بالانتخابات والاستفتاء وبضبط مقاييس تقسيم الدوائر الانتخابية وتحديد عدد مقاعدها.

وتعني العتبة الانتخابية ضبط حد أدنى من الأصوات يشترط القانون الحصول عليها للتمكن من الفوز بمقاعد، إذ لا يمكن للقائمة الحائزة على أصوات أقل من هذه العتبة، وهي 5 في المائة في واقعة الحال، الفوز بأي مقعد وذلك بضياع الأصوات المتحصّل عليها. وجاء المقترح الحكومي للعتبة، والذي صادقت عليه حاليًا اللجنة البرلمانية، بعد استشارة الدولة التونسية اللجنة الأوربية للديمقراطية عن طريق القانون "لجنة البندقية"، وهو جهاز استشاري لمجلس أوروبا حول القضايا الدستورية.

تحديد عتبة انتخابية بنسبة 5 في المائة قد يكون الحدث الأهم في مصير الانتقال الديمقراطي بتونس إذ أنه سيغير المشهدين السياسي والنيابي

وتحديد عتبة انتخابية بنسبة 5 في المائة هو، بتقديري، الحدث الأهم في مصير الانتقال الديمقراطي بتونس إذ أنه سيغير المشهدين السياسي والنيابي. فهكذا عتبة انتخابية للانتخابات التشريعية مشطة في ظل عدم تكافؤ فرص الأحزاب السياسية.

لا يغيب عن المتابع للشأن السياسي والحزبي في تونس، الأزمة الخانقة التي نواكبها في ظل ديمقراطية ناشئة مصابة بورم السياحة الحزبية والسياحة البرلمانية، وهو ما أثر سلبًا على الاستقرار السياسي بسبب أمراض الانتهازية والخلاص الفردي لعديد الناكثين لوعودهم الانتخابية.

وما يثير القلق في هذا الوضع هو تعمق أزمة الثقة بين المواطن والسياسي خاصة بعد الانهيار الاجتماعي والاقتصادي نتيجة سياسات المنظومة الحاكمة، وكذلك تعمق أزمة الثقة بين مؤسسات الدولة فيما بينهما. ولعله يهم، في هذا الجانب، الإشادة بدور الإدارة التونسية، بماهي العمود الفقري للدولة التونسية وهو ما تبيّن بالخصوص بعد ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010.

اقرأ/ي أيضًا: صفحة من تاريخ فساد تحالف السلطة والثروة في تونس..

في الأثناء، كنا قد ناقشنًا مطولًا في حلقات تفكير ضمن "معهد تونس للسياسة" مع فرقاء سياسيين من أحزاب ومشارب مختلفة، من أجل إيجاد حلول للتشرذم الحزبي والنيابي. وقد انتهت هذه الحلقات إلى إجماع على توصيات منها بالخصوص ضرورة إدراج عتبة انتخابية بنسبة 3 في المائة في الانتخابات التشريعية، وذلك كدواء لهذا المرض السياسي المذكور سابقًا. إلا أنه من المفاجئ أن يتحول المقترح الإصلاحي إلى مقترح إقصائي لمصلحة التوافق الحاكم أي حركة النهضة، ونداء تونس وكتلة الائتلاف الوطني.

حسب آخر سبر آراء، وفي صورة اعتماد عتبة بنسبة 5 في المائة، قد نجد البرلمان القادم يتكون من 5 أحزاب هي ثلاثي النهضة والنداء والائتلاف الوطني أو حزب الشاهد المنتظر عمومًا، وذلك مع حزبين آخرين بتمثيلية ضعيفة هما الجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي.

ومن المؤسف حينها إعادة مشهد برلماني بتمثيلية ضعيفة للمعارضة وذلك نظرًا لعدم تكافؤ الفرص للأحزاب السالف ذكرها مع استشراء المال السياسي واستغلال أدوات الدولة عدا الاعتبارات التنظيمية. وبهذه الصورة، سنكون أمام خمس سنوات عجاف أخرى في ظل المنظومة الحاكمة الحالية وذلك طالما لازلنا نعيش تحت غطاء الديمقراطية وإن كانت مغشوشة في أغلب تجلياتها.

في صورة اعتماد عتبة بنسبة 5 في المائة قد نجد البرلمان القادم يتكون من 5 أحزاب هي ثلاثي النهضة والنداء والائتلاف الوطني مع حزبين آخرين بتمثيلية ضعيفة هما الجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي

ومن الطبيعي أن يغمر الفرح هياكل وناخبي الأحزاب الحاكمة بهذا التعديل في القانون الانتخابي، ويشتد أيضًا دفاعهم عنه، بل لا أستغرب تنظيمهم لمسيرات مساندة لتمريره. في المقابل، تظلّ الخشية من استغلال أدوات الدولة من طرف أحزاب شظايا نداء تونس وحركة النهضة، وذلك من أبرز مخاوف الفاعلين السياسيين في الشأن العام لعدم تكافؤ الفرص. فقد واكب كل من نشط في الحملة الانتخابية البلدية في ماي/آيار 2018 هذه التجاوزات التي لا تحصى ولا تعد، بل بلغ الأمر الى مشاهدة رئيس حكومة وأعضاء حكومته في الحملات الانتخابية بسيارات وأجهزة الدولة وربما ما خفي كان أعظم.

 كما أنه لا يمكن التغاضي عن شبح المال السياسي الذي يقع إنفاقه دون رقابة سواء كان مقايضة من رجال أعمال تُحمي مصالحها على حساب حقوق الدولة والطبقة الكادحة، أو كان أجنبيًا داعمًا للتوافق المغشوش الذي يقع إنفاقه في محورين أساسيين هما الإعلام الموجه والحملات الانتخابية.

ولا يغيب عن المتابع للشأن السياسي أن عدد الأحزاب الفاعلة والناشطة لا يتجاوز 20 حزبًا وذلك من أكثر من 200 حزبًا، والملفت للانتباه أن هذه الأحزاب الصغيرة، كي لا أقول الدكاكين السياسية، ستتحد حول اعتبار العتبة الانتخابية بنسبة 5 في المائة جائرة وإقصائية وهو ما أتقاطع معه، ولكن ليس لها في الوضع الراهن أي سلطة أو قدرة لتغيير موازين القوى. إذ سيمر هذا التعديل في القانون الانتخابي بأكثر من 150 صوتًا بعد توافق مصلحة بين حركة النهضة، وحركة نداء تونس، والائتلاف الوطني وأيضًا حركة مشروع تونس.

اقرأ/ي أيضًا: شظايا نداء تونس: هل أجهزت البلديات على الأحزاب المنشقة عن "الدار الكبيرة"؟

 تعيش اليوم الأحزاب الصغيرة تحت سياسة الأمر الواقع وضيق الوقت إذ لم يعد يفصلها عن المحطة الانتخابية التشريعية إلا بضع أشهر، ويعي قياديوها خطر اضمحلال الأحزاب واقعًا في ظل التعديل المنتظر للقانون الانتخابي.

لكن "عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم"، إذ سيضع المعطى الجديد الفاعلين السياسيين مكرهين إزاء خيارين إثنين لا ثالث لهما. يتمثل الخيار الأول في مواصلة سوء التقدير السياسي لخطورة المرحلة وعدم الشفاء من داء الأنفة والزعامة، وذلك بالقيام بالترشح في قائمات تشريعية حزبية في بعض الولايات ثم الاندثار بعد تشريعيات 2019، وهو ما يعني الخروج من الباب الصغير رغم التضحيات التي قدمتها قيادات هذه الأحزاب زمن مواجهة الديكتاتورية وكذلك في بناء الانتقال الديمقراطي.

 أما الخيار الثاني، الذي أعتبره من انتظارات الناخب التونسي، هو التوحد في جبهة انتخابية قبل فيفري/شباط 2019 أو الاندماج في حزب واحد. ولا أعتقد أن فكرة الجبهة الانتخابية ستكلل بالنجاح إذ أن كل المفاوضات التي صارت خلال الثلاث سنوات الماضية باءت بالفشل، وقد خيرت الأحزاب الخلاص التنظيمي الفردي ولم ينجو إلا حزب وحيد هو التيار الديمقراطي. في حين أن الاندماج في حزب واحد يقتضي من قيادات الأحزاب الصغيرة تنظيميًا النزول من سماء النرجسية للاندماج في أحد الأحزاب التي تتقاطع مع رؤاها ولوائحها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية.

الاندماج في حزب واحد يقتضي من قيادات الأحزاب الصغيرة تنظيميًا النزول من سماء النرجسية للاندماج في أحد الأحزاب التي تتقاطع مع رؤاها ولوائحها السياسية، والاقتصادية والاجتماعية

في قراءة لنتائج مشاركة الأحزاب السياسية المعارضة في الانتخابات البلدية 2018 في بلديتين ذات ثقل انتخابي، وهما تونس المدينة وصفاقس المدينة التي تعتبران أحد المحددات في توجه الناخب التونسي، نلاحظ الصعود المدوي لحزب التيار الديمقراطي وتزعمه المعارضة بعد الصورة الجيدة التي قدمها سواء في الاستقرار التنظيمي الداخلي أو الثبات على خطه السياسي المعارض والمقارع للفساد، وذلك مع برنامجه الاصلاحي الاجتماعي والاقتصادي. أقنع التيار الديمقراطي الناخب ويظل السؤال: هل يكون هذا الحزب هو البديل والمشترك الجمعي للمواطن التونسي؟ 

من المهم الإقرار أن التيار الديمقراطي فاز بالرهان، وعليه من الضروري على الأحزاب السياسية الصغيرة التي لم يعد لها آفاق لدخول مجلس نواب الشعب أن تفكر جديًا بالاندماج في هذا الحزب، كما هو الشأن بالنسبة للمستقلين والمؤثرين المجتمعيين. فهؤلاء الذين وقع القضاء على آمالهم نهائيًا لدخول البرلمان عبر العتبة الانتخابية الجائرة يجب عليهم عقلنة أهدافهم والانخراط في حزب وذلك من أجل إعادة التوازن السياسي والتأسيس لكتلة معارضة كانت أو حاكمة تساهم في تحقيق أهداف الثورة وإنتاج الثروة.

ختامًا، أردت التعبير دون قفازات عن تقدير سياسي للتطور السريع للأحداث بعيدًا عن الصراعات الهووية الإيديولوجية العقيمة، وذلك في فترة حرجة جدًا في المشهد السياسي والمشهد النيابي المستقبلي في ظل عدم تكافؤ الفرص المقيت الذي نواكبه. وما علينا جميعًا إلا النزول من أبراجنا العاجية زمن سياسة الأمر الواقع وذلك في ظل ضغط المدة الزمنية المتبقية عن المحطة التشريعية القادمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوارـ غازي الشواشي: الشاهد وظّف "أساليب غير ديمقراطية" لتكوين كتلته البرلمانية

تعرّف على قيمة المنح والامتيازات العينية لرؤساء البلديات في تونس