ultracheck
رأي

الظّلم ظلمات.. ماذا بعد؟

8 نوفمبر 2025
التآمر فتحي بلعيد أ ف ب Getty
"إننا بصدد حالة انقسام مجتمعيّ مرير، غذّت إحساسًا زائفًا لدى السّلطة بأنّها مُحصّنة من أيّ تداعيات.. " (صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب/Getty)
بسام بونني
بسام بوننيصحفي وكاتب تونسي

مقال رأي

 

الرّسائل الواردة علينا من وراء القضبان مريعة، بكلّ المقاييس، فقد انضّم زعيم حركة النّهضة، راشد الغنّوشي، والقياديّ بالحزب الجمهوريّ، عصام الشّابّي، إلى النّاشط السّياسيّ، جوهر بن مبارك، بشنّهما إضرابًا عن الطّعام. ومن سخرية الأقدار أنّ الأسماء الثّلاثة تنتمي لتيّارات سياسيّة مثّلت قوام حركة شبيهة أطلقها مناضلون، قبل عشرين عامًا، فيما تطوّر لاحقًا ليُفرز مبادرة 18 أكتوبر/تشرين الأول.

"لا أكره الحياة، يقول الشّابّي في رسالة، ولا أحبّ الموت، لكنّني أفضّل الموت شامخًا من أجل حقّي وحقّ شعبي في الحرّية والكرامة، على أن أعيش بين الحفر." أمّا بن مبارك، فقد أسرّ للمحامي، الأستاذ كريم المرزوقي، بأنّه "يُحبّ الحياة ولكنّه يُحبّ الحياة الّتي لها معنى وليست الحياة البلهاء". الغنّوشي، الثّمانينيّ، نقلت عنه هيئة دفاعه أنّه يخوض هذا الشّكل النّضاليّ "دفاعًا عن استقلاليّة القضاء وعن الحرّيّات في البلاد".

لا يُمكن تجاوز السّياق الّذي يتنزّل فيه الإضراب الجماعيّ عن الطّعام، إذ تتلقّى منظّمات المجتمع المدنيّ الضّربة تلو الأخرى، عبر آلية تعليق النّشاط، في انتظار ما يمكن أن يكون أعظم

عقارب السّاعة عادت إلى الوراء بشكل مخيف. ولسائل أن يسأل: لماذا بلغنا هذا القاع؟ من اليسير اللّجوء إلى خالد صفوان وصيحته الشّهيرة "كلّنا مجرمون وكلّنا ضحايا، ومن لم يفهم ذلك فلن يفهم شيئًا على الإطلاق"، في رائعة "الكرنك" لنجيب محفوظ، وإن كان هناك شيء من الصّحّة في القول، مع اختلاف المستويات في تحمّل مسؤوليّة الانزلاق إلى هذا المستنقع. بيد أنّنا إزاء نظام لا يأبه بأيّ متحوّل اجتماعيّ أو اقتصاديّ، ناهيك عن التّقلّبات السّياسيّة والحقوقيّة.

اقرأ/ي أيضًا: "واقع الحريات سوداوي".. معارضون وسجناء سياسيون يضربون عن الطعام في تونس

ومع تعاظم الجور والقهر، باتت عبارة "الظّلم ظلمات" منتشرة بشكل واسع، على شبكات التّواصل الاجتماعيّ، ولا خلاف في صواب القول، الآن وهنا، في سياق من الضّيق والاختناق لم تشهده البلاد من قبل، نصطدم بجدار عصيّ على الإزالة وهو سؤال "ماذا بعد؟"

ثمّة حالة مستشرية من العجز، أمام بعبع يزداد قسوة، يومًا بعد يوم، ويتعاظم أذاه بشكل لم يعد بمقدورنا التّكهّن بضرباته المقبلة. ومن المفارقات أنّ كلّ هذا البؤس يتزامن مع أزمة مركبّة لا تلوح فيها أيّ انفراجة قريبة، مع غياب أيّ رؤية أو استراتيجيّة لسلطة الأمر الواقع الموغلة في قراءتها المؤامراتيّة للوضع العامّ في البلاد، حتّى تشكّلت قناعة بأنّ السّجين سيبقى سجيناً والمنفيّ سيبقى منفيّاً حتّى يُحدث الله أمرًا.

إنّ الإضراب عن الطّعام أبعد ما يكون عن الفعل الاستعراضيّ، بل هو خيار وجوديّ قاسٍ، يضع الجسد في مواجهة مباشرة مع سلطة تتجاهل الصّوت وتحتقر الكلمة وتكرّس الضّيم

وبالرّغم من اندفاع قوى سياسيّة ومدنيّة ونقابيّة، غداة انقلاب الرّئيس، قيس سعيّد، على الدّستور، في الخامس والعشرين من جويلية/يوليو 2021، في دعم هذه الحركة وتقديم تنازلات أُحاديّة الجانب، فإنّ بعضها يخضع اليوم إلى أهواء ساكن قرطاج، بما في ذلك إمكانيّة التّعرّض إلى هجمة شرسة، مثلما هو الحال للاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل، فيما يُغرّد البعض الآخر وحيدًا، خارج حسابات سعيّد الّذي لا يكترث لأيّ عامل من عوامل التّوتّر.

ولا يُمكن تجاوز السّياق الّذي يتنزّل فيه الإضراب الجماعيّ عن الطّعام، إذ تتلقّى منظّمات المجتمع المدنيّ الضّربة تلو الأخرى، عبر آلية تعليق النّشاط، في انتظار ما يمكن أن يكون أعظم، بينما صامت معظم وسائل الإعلام عن تغطية هذا التّحرّك، في أحسن الحالات، إذ تبّنت أبواق مناصرة للسّلطة روايتها، دون تمحيص أو تدقيق.

إنّ الإضراب عن الطّعام أبعد ما يكون عن الفعل الاستعراضيّ، بل هو خيار وجوديّ قاسٍ، يضع الجسد في مواجهة مباشرة مع سلطة تتجاهل الصّوت وتحتقر الكلمة وتكرّس الضّيم. فحين يقرّر شخص ما أن يمتنع عن الطّعام، فهو لا يطلب الشّفقة ولا الرّحمة، بل يطالب بالاعتراف ويسعى إلى التّعريف بمحنته، أي إنسانيّته، في النّهاية. ولعلّ عنف سلطة الأمر الواقع يتجاوز بأشواط مجرّد القمع، على بشاعته، ليمتدّ إلى التّجاهل والإنكار والتّعسف، وتلك أشكال غير ملموسة للعنف لكنّها لا تقلّ إيلامًا عن التّعذيب. إنّها، بعبارة أخرى، أشكال من الاغتيال المعنويّ، ويا لقسوته!

إننا بصدد حالة انقسام مجتمعيّ مرير، غذّت إحساسًا زائفًا لدى السّلطة بأنّها مُحصّنة من أيّ تداعيات.. إلى أين نتّجه، إذًا؟ الإجابة ليست سهلة، في الوقت الّذي بات فيه الالتقاء حول كلمة سواء أمرًا مُستبعدًا

وفي الظّروف العاديّة، يكون الإضراب عن الطّعام صرخة للفت انتباه المجتمع، إذ من المفترض أن تكون الخطوة الخطيرة الّتي أقدم عليها المُضرب دفاعًا عن النّاس كلّها، وعن حقّها في العيش في كنف دولة قانون، لا دولة مزاج. بيد أنّنا بصدد حالة انقسام مجتمعيّ مرير، غذّت إحساسًا زائفًا لدى السّلطة بأنّها مُحصّنة من أيّ تداعيات، بالأمس، واليوم، والغد، حتّى تحوّلت من راعية للحقوق، من حيث المبدأ، إلى عدوّ له، في التّنفيذ.

إلى أين نتّجه، إذًا؟ الإجابة ليست سهلة، في الوقت الّذي بات فيه الالتقاء حول كلمة سواء أمرًا مُستبعدًا. حاول وفد من الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان إقناع جوهر بن مبارك بـ"ضرورة تعليق إضرابه أو حتّى تناول جرعات من الماء والسّكّر، إلّا أنّه رفض رفضًا قطعيًّا". فكما ذكر عصام الشّابّي، في رسالته، قرّر المعتقلون "مقاومة الظّلم والطّغيان إلى آخر رمق". فحين تنحرف السّلطة الحاكمة، يتكلّم الجسد، وحين تُغلَق أبواب العدالة، يُفتح باب المقاومة، حتّى لو كان الثّمن الحياةَ نفسَها.

حمى الله المضربين! حمى الله البلاد! 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"


 

الكلمات المفتاحية

ظرف مسموم

ظرف مسموم

في ليلة ساخنة من ليالي شتاء 2010-2011، كانت آلة التّقتيل البشعة تُحاصر مجموعة من المتظاهرين في حيّ الزّهور، بالقصرين. مرّت السّاعات طويلة ثقيلة، قبل أن تنسحب قوّات الأمن. تقدّم أحد النّشطاء إلى مبنى حكوميّ لإنزال العَلَم. همّ برميه في النّار. لكنّ رفاقه صرخوا صرخة رجُل واحد: "إلّا العَلَم"!


17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير


نجيب الشابي رثاء السياسة

هجاء الظلم ورثاء السياسة في تونس

أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نقل لحظات تنفيذ الأحكام الاستئنافيّة في حق رموز المعارضة والحركة الديمقراطيّة من خلال ما تمّ بثّه من فيديوهات وصور توثق لحظات الاعتقال وتنقل آخر كلمات لهم قبل إيقافهم.. وما بُثّ من فيديوهات لقيادات الحركة الديمقراطية مكنتنا من متابعة لحظات لم تكن متاحة في الحقب السابقة من تاريخ الصراع السياسي في بلادنا.


إيقاف العياشي الهمّامي يثير موجة غضب واسعة في تونس

حول العياشي الهمامي

موجة التعاطف الواسعة مع العياشي الهمامي، إثر إيقافه بعد الحكم عليه خمس سنوات وإدانته بوصفه "إرهابيًا" فيما يعرف بقضية "التآمر 1"، التعاطف الذي اخترق كل الأطياف، والذي ربما فاجأ بعض التونسيين غير المتابعين للشأن العام مما دفع بعضهم أن يسأل "من هو العياشي الهمامي؟"، ذلك التعاطف وذلك السؤال، هو ما يدفعني لكتابة هذا النص

الثورة في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
سیاسة

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي

الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
مجتمع

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس

تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف


تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
سیاسة

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة

رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
رأي

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

مرصد الطاقة والمناجم: تواصل تراجع نسبة الاستقلالية الطاقية مع موفّى أكتوبر 2025


2
سیاسة

منظمات تونسية تحذّر: تراجع غير مسبوق في الحقوق والحريات وانتهاكات خطيرة


3
رأي

ظرف مسموم


4
سیاسة

تونس بعد 15 عامًا من الثورة.. تراجع الحريات وتوقف الانتقال الديمقراطي


5
مجتمع

جمعيات ومنظمات تونسية: وفاة نعيم البريكي تُجسّد مجددًا سياسة الإفلات من العقاب