الطفولة المشرّدة نزيف في خاصرة المدن..

الطفولة المشرّدة نزيف في خاصرة المدن..

في ظلام المدينة تعيش الطفولة المشردة عالمًا حالكًا فيحدثونك عن التشرّد والاستغلال الجنسي والاتجار (صورة تعبيرية/ Getty)

 

عشر سنوات كانت كفيلة بأن تسمح لي بالمرور بين ساحات مدينة سوسة الخضراء وأحيائها المزدحمة وأنهجها الواسعة وأروقة أزقتها العتيقة ومحطات النقل البري والحديدي وأمرّ تحت ظلال الأسوار وأصافح المرافئ والشطآن، وأضرب الأرض طولًا وعرضًا في زحمة الشوارع والمحولات وتحت القناطر.

لكن لا يمكن لك أن تكتشف أسرار هذه المدينة إلا إذا وقفت في مكان واحد لساعات على مدار اليوم ليلًا ونهارًا، وتفحصت حركة البشر في المكان الذي لا تنزع عنه عينك التي ترى بها عالمًا مخفيًا بين طيات الزحام...


ساحة "الشلي" أو ذاك المكان الذي تحول إلى ساحة حقوق الإنسان بعد اغتيال بلعيد والبراهمي تعتبر خاصرة مدينة سوسة. تقف هناك وعلى مرمى بصر تلاحظ أطفالًا دون سن الثامنة عشرة يتسوّرون الحاجز الحديدي لمحطة القطارات ويفترشون الأرض في الأكمة تحت ظلال الأشجار وحتى الكلاب السائبة دأبت على مرافقتهم في تشرّدهم هناك..

وغير بعيد عن ذاك المكان في الجهة المقابلة وتحديدًا في حديقة "سيدي يحي" وحديقة الميناء تحتجز مجموعة من النساء تلك المقاعد على مدار اليوم ويلتف حولهن أطفال يتراوح سنهم بين السادسة والثامنة عشرة. ألبستهم رثة وغذاؤهم من ملفوفات الأطعمة الجافة وقد طمست ضوضاء المكان ملامحهم الشاحبة.

عند مداخل المدينة العتيقة بسوسة وحول الجامع الكبير ينتصب المتسوّلون من نساء ورجال في أماكن يعتبرونها "أصلًا تجاريًا" وقد تسلّحوا بالرضّع والأطفال الصغار للاستجداء وطلب المعونة

عند مداخل المدينة العتيقة وحول الجامع الكبير ينتصب المتسوّلون من نساء ورجال في أماكن يعتبرونها "أصلًا تجاريًا" باعتبار تقسيمهم "الإداري" في الاستغلال الوقتي والدائم حسب قوانينهم الجارية بينهم، وقد تسلّحوا بالرضّع والأطفال الصغار للاستجداء وطلب المعونة.

اقرأ/ي أيضًا:  أطفال في العراء المجتمعي.. من المدرسة إلى الرصيف

وحول المطاعم والمقاهي والإدارات وأمام دور السينما، تلاحظ فئة أخرى من الأطفال يجوبون المنطقة يبيعون المناديل والعلكة ويستجدون المارّة حينًا وتأخذهم ريح الطفولة أحيانًا فيأخذون في اللهو والزهو بطفولتهم الضائعة بعيدًا عن الرقيب العائلي.

وفي ظلام المدينة تعيش الطفولة المشردة عالمًا حالكًا فيحدثونك عن التشرّد والاستغلال الجنسي والاتجار على عتبات الملاهي وتناول الكحول تحت القناطر وفي جحور البنايات المهجورة.


 ينتصب المتسوّلون من نساء ورجال في أماكن يعتبرونها "أصلًا تجاريًا" (ماهر جعيدان/الترا تونس)

خبر أمني أذيع في وسائل الإعلام، الأسبوع الماضي، تحدث عن "تمكن أعوان الفوج الجهوي لحفظ النظام بالقيروان من ضبط شخصين على متن سيارة لواج قادمة من سوسة باتجاه سيدي بوزيد، وذلك بتهمة الاتجار بالأشخاص واستغلال قصّر. ونقلًا عن مكتب الإعلام والاتصال بالإدارة العامة للأمن الوطني، فقد كان الموقوفان رفقة ستة أطفال قصر.

وبالتحري في شأن الأطفال بعد تقديمهم إلى منطقة الأمن الوطني بالقيروان المدينة وبتعميق التحريات من قبل الفرقة المختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة والطفل بالقيروان المدينة صرحوا أنهم كانوا متواجدين بمدينة سوسة بصدد العمل في بيع المناديل الورقية والتسول بإيعاز من مرافقيْهم الذيْن تعودا تسويغ منزل لقضاء الليلة.

وباستشارة النيابة العمومية، أذنت بالاحتفاظ بالمرافقين من أجل الاتجار بالأشخاص واستغلال القصر، ولا تزال الأبحاث متواصلة في الغرض، حسب المصدر ذاته.

اقرأ/ي أيضًا:  إثر ضبطهما رفقة 6 أطفال بـ"لواج"..الاحتفاظ بشخصين بشبهة الاتجار بالأشخاص بسوسة

وبالحديث عن ظاهرة الاتجار بالأطفال واستغلالها، قصّت المنسقة المحلية للاتحاد الجهوي للمرأة بمدينة سوسة سلوى اللطيف، لـ"الترا تونس"، عن بعض ما عايشته من تجربة في مقاومة هذه الظاهرة ومحاولة تأهيل بعض من هؤلاء الأطفال وإشعار المسؤولين المحليين والجهويين بتلك الوضعيات الهشّة.

تقول سلوى اللطيف: "من خلال متابعتي لعدة أطفال متشردين بين أحياء المدينة اكتشفت حالات اجتماعية صادمة وواقعًا مريرًا ومعقدًا يصعب التعامل معه إلا ضمن أطر قانونية ومؤسساتية وذلك بالنظر إلى كونهم يمثلون فئة هشة فاقدة للتمييز وخلقت من رحم مجتمع متأزم، فالطفل لن يكون إلا ضحيّة مهما كانت الأسباب التي دفعته إلى التشرّد".

المنسقة المحلية لاتحاد المرأة بمدينة سوسة سلوى اللطيف لـ"الترا تونس": من خلال متابعتي لعدة أطفال متشردين بين أحياء المدينة اكتشفت حالات اجتماعية صادمة وواقعًا مريرًا.. هم ليسوا إلا ضحيّة مجتمع متأزم

وأضافت المنسقة المحلية قائلة: "خلال السنوات الأخيرة تعدد الوافدون من الأطفال على المدينة من جهات أخرى من تونس وكان القادمون يتنقلون بين ثلاث ولايات رئيسية وهي صفاقس وتونس العاصمة وسوسة، وكان هؤلاء الأطفال ضحايا البيئة العائلية التي نشؤوا فيها وقد اختلفت الأسباب التي دعتهم إلى التشرد فمنهم من فقد والديه والسند العائلي منذ الولادة، ومنهم من انفصل والداه وكان ضحية الفقر ومنقطعًا عن الدراسة في سن مبكرة، ومنهم من هجر الحضن العائلي بسبب ارتكاب جريمة وقضاء عقوبة سالبة للحرية، ومنهم من يعاني تخلفًا ذهنيًا وتلقى سوء المعاملة الاجتماعية، حتى أن من بينهم من لم يستطع استخراج بطاقة هوية.. كما تعرض بعضهم إلى الاستغلال الجنسي سواء من الذكور أو من الإناث".

وتعقب المنسقة المحلية لاتحاد المرأة بمدينة سوسة أن "هؤلاء الأطفال قد جنحوا إلى التشرّد وأغلبهم عرضة للمطاردة الأمنية بعد شكاوى تلقتها الجهات الإدارية والأمنية بسبب تشويههم للمحيط وتشكّل بؤر إجرامية تتمثل أساسًا في الاعتداء على طفولتهم وانتهاك حقوقهم من طرف بالغين".

اقرأ/ي أيضًا:  الاستغلال الاقتصادي.. آفة الطفولة في تونس

ولا تنفي اللطيف تدخل الجهات الأمنية في عدة حالات ورفع الأمر للجهات الإدارية والقضائية المسؤولة بموجب قوانين حقوق الطفل، لكن ضعف مؤسسات الإيواء وهشاشة آليات الدولة في التدخل والإحاطة بهؤلاء الأطفال وضعف العنصر البشري المكلف بالإحاطة وإعادة التأهيل لم يمكن من استئصال هذا الداء الذي ينخر المجتمع".

سلوى اللطيف لـ"الترا تونس": ظاهرة استغلال الأطفال للتسول وتحصيل المال يندرج في إطار الجريمة المنظمة  وفي بعض الأحيان يتواطأ الأولياء مع هذه العصابات بتمكينهم من أبنائهم بمقابل

كما تقول إن: "تدخل المجتمع المدني أو مواطنين لتطويق بعض حالات التشرد قد تعرض القائم بها إلى المساءلة القانونية لذلك تجد أغلب المتدخلين ينسحبون من هذه المعركة".

كما اعتبرت محدثتنا أن ظاهرة استغلال الأطفال للتسول وتحصيل المال يدخل في عدة الأحيان ضمن الجريمة المنظمة وذلك بقيام أشخاص مجهولين بتنظيم عملية الاحتيال وفي بعض الأحيان يتواطأ الأولياء مع هذه العصابات بتمكينهم من أبنائهم بمقابل".

شادي الطريفي عضو الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان فرع سوسة في لقاء مع "الترا تونس" اعتبر أن "تقرير اليونيسيف حول وضعية الطفولة بتونس أبرز تنامي ظاهرة العنف الجسدي على الأطفال إذ تم تسجيل 17500 حالة تبليغ سنة 2018 مقابل 6000 حالة تبليغ سنة 2011 إضافة إلى  ارتفاع نسبة الفقر ضمن الشريحة العمرية التي تضم الأطفال  بنسبة 21 بالمائة سنة 2020".


في ظلام المدينة تعيش الطفولة المشردة عالمًا حالكًا (ماهر جعيدان/الترا تونس)

ويضيف الطريفي: "يبرز تقرير مندوب الطفولة 2018 أرقامًا مفزعة في ظاهرة التشرد والتسول والاستغلال والاتجار بالأطفال رغم الترسانة القانونية والردعية.. وما يثير الاستغراب هو أن التشرد ظاهرة متفشية تحت أنظار المجتمع والسلط".

ويستطرد: "معالجة هذه المسألة تستوجب إمكانات لوجستية ضخمة وجب أن توفرها الدولة، غير أننا نفتقر إلى مراكز الإيواء التي يمكن لها أن تعيد تأهيل هؤلاء الأطفال ونفتقر أيضًا إلى آليات المتابعة والإحاطة".

"الفصل 47 من الدستور التونسي في علاقة بالاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق الطفل التي صادقت عليها تونس يلزم الدولة بالتعاون مع العائلة لتعتني بالأطفال في حين أن القانون التونسي يعتبر أن العائلة هي المسؤولة على تربية الأبناء بمساعدة الدولة، وهنا يكمن التناقض الفاضح خاصة نسبة الفقر تتوسع وهذا يعكس الواقع المرير"، يعقّب الطريفي لـ"الترا تونس".

اقرأ/ي أيضًا:  صخب انتحار الأطفال في تونس..

كما تطرق إلى تقرير الهيئة الوطنية للاتجار بالأشخاص الأخير الذي أشار إلى "عدم تطبيق والتزام الدولة التونسية بمخطط الاستراتيجية الوطنية لأهداف التنمية المستدامة 2030 التي تعطي كل هدف لكل مؤشر قياس، وفي ظل عدم الاستقرار السياسي والحكومي تتكثف عوامل الجذب إلى الوراء".

ويقول الطريفي: "الرابطة أصدرت بشراكة مع جمعية اليافعين تقريرًا صادمًا يحيل إلى أن 169 طفلًا يفتقدون أدنى مقومات المواطنة وغير مسجلين بالحالة المدنية ولا يعرفون طريق التمدرس وهم خارج منظومة الدولة تمامًا وهؤلاء يعيشون أغلبهم في الشمال الغربي من الجمهورية التونسية ".

شادي الطريفي (عضو رابطة حقوق الإنسان) لـ"الترا تونس": 169 طفلًا يفتقدون أدنى مقومات المواطنة وغير مسجلين بالحالة المدنية ولا يعرفون طريق التمدرس وهم خارج منظومة الدولة تمامًا 

و عن جهة سوسة يقول شادي الطريفي "الرابطة في شراكة مستمرة مع الجهات الرسمية المعنية بمسألة الطفولة وقد أحدثنا تنسيقية حقوق الطفل بجهة سوسة، لكن انحصرت في بعض الأنشطة فقط مع المجالس البلدية في نطاق إدراج مقاربة حقوق الطفل في المجلس البلدي، وتركيبة تنسيقية حقوق الطفل مشروع ممول من منظمة اليونيسيف ويضم كافة المتدخلين من الشؤون الاجتماعية والداخلية ووزارة المرأة والأسرة، ولنا اتفاقيات مع الوزارات المتدخلة لزيارة مراكز الإيواء، غير أنه قبل الثورة كانت الدولة تعترف ببعض التجاوزات لكن في السنوات التي تلت 2011 انقلبت المعادلة إذ لم تعد تعترف الدولة بوجود انتهاكات وتجاوزات، وهذا في حد ذاته غير إيجابي.. نحن نقترح حلولًا على ضوء تقاريرنا بعد الزيارات لمراكز الإيواء، لكن مشاكلنا الأساسية في تغيير القوانين".


أطفال دون سن 18 يتسوّرون الحاجز الحديدي لمحطة القطارات ويفترشون الأرض 

ويشير الطريفي إلى أن "ظاهرة الانقطاع الدراسي في عدة مناطق من ولاية سوسة تزيد قضايا الطفولة تعقيدًا"، مشددًا على ضرورة "إجراء إصلاح جذري لمنظومة التعليم".

ولفت محدث "الترا تونس" إلى أن "الرابطة تتلقى بصفة دائمة بلاغات حول المشردين في شوارع سوسة وفي أماكن محددة أمام المستشفيات والساحات العامة، لكن الإشكال القائم يتمثل في كون المسألة لا يمكن أن تعالج بطريقة أمنية باعتبار أن البنية التحتية في مراكز الأمن غير ملائمة لاستقبال هذه الفئات الهشة وكذلك مراكز الإيواء غير مؤهلة للإقامة وغير متوفرة بها الشروط الضرورية للإيواء".

جدير بالإشارة إلى أن حماية الطفل المهدد كما ينص عليها الفصل 20 من مجلة الطفولة تصنِّف ضمن الحالات الصعبة التي تهدّد الطفل أو سلامته البدنية أو المعنوية بوجه خاص استغلال الطفل ذكرًا كان أو أنثى جنسيًا، استغلال الطفل في الإجرام المنظّم، واستغلال الطفل اقتصاديًا ويقصد بالاستغلال الاقتصادي تعريض الطفل للتسوّل أو تشغيله في ظروف مخالفة للقانون أو تكليفه بعمل من شأنه أن يعوقه عن تعليمه أو يكون ضارًا بصحّته أو بسلامته البدنية أو المعنوية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار|مدير جمعية قرى الأطفال: قرابة 5 آلاف عائلة تهدد بالاستغناء عن أطفالها

عمالة الأطفال في تونس: تصاعد الظاهرة وقصور القوانين