الشغور النهائي أو الوقتي لمنصب رئيس الجمهورية وجدل غياب المحكمة الدستورية

الشغور النهائي أو الوقتي لمنصب رئيس الجمهورية وجدل غياب المحكمة الدستورية

تختلف صفة القائم بمهام رئيس الجمهورية بين حالة الشغور النهائي أو حالة الشغور الوقتي

 

في ظل النقاش حول الحالة الصحية لرئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، الذي لا يزال يتلقى العلاج بالمستشفى العسكري بالعاصمة وفق مستشاريه، ومع الحديث حول الإجراءات الدستورية المتبعة خاصة في ظل عدم وجود المحكمة الدستورية، تتعدد الأسئلة خاصة حول صور تفعيل حالة الشغور الوقتي أو الشغور النهائي وموقع المرض الشديد المؤدي للقعود بينهما.


  • وفاة رئيس الجمهورية.. رئيس البرلمان رئيسًا مؤقتًا للجمهورية

تعدّ وفاة رئيس الجمهورية، في البداية، من أسباب الشغور النهائي وفق الفصل 84 من الدستور التونسي. وفي هذه الحالة، ووفق الفصل المذكور، تجتمع المحكمة الدستورية فورًا، وتقر الشغور النهائي، وتبلغ ذلك إلى رئيس مجلس نواب الشعب الذي يتولى فورًا مهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة لأجل أدناه 45 يومًا وأقصاه 90 يومًا.

يمارس القائم بمهام رئيس الجمهورية حسب الفصل 86 من الدستور المهام الرئاسية بحدود هي عدم اقتراح تعديل الدستور، وعدم اللجوء إلى الاستفتاء، وعدم حل البرلمان وعدم تقديم لائحة لوم ضد الحكومة

وينص الفصل 85 أن القائم بمهام رئيس الجمهورية اليمين الدستورية أمام مجلس نواب الشعب، وعند الاقتضاء أمام مكتبه، أو أمام المحكمة الدستورية في حالة حل المجلس.

ويمارس القائم بمهام رئيس الجمهورية، حسب الفصل 86، المهام الرئاسية لكن بحدود هي:

  • لا يحق له المبادرة باقتراح تعديل الدستور
  •  لا يحق له اللجوء إلى الاستفتاء،
  • لا يحق له حل مجلس نواب الشعب.
  • لا يمكن تقديم لائحة لوم ضد الحكومة

وخلال المدة الرئاسية الوقتية يُنتخب رئيس جمهورية جديد لمدة رئاسية كاملة أي لمدة 5 سنوات مثل ما ينص عليه الدستور. 

  • لا محكمة دستورية.. ما العمل؟

لكن يطرح عدم إرساء المحكمة الدستورية إشكالًا، بصفة مبدئية، يحول دون تفعيل الفصول الدستورية السابق ذكرها بالإجراءات المنصوص عليها.

يصف رجال القانون عدم إرساء المحكمة الدستورية بـ"الإجراء المستحيل" في الوقت الذي يتحدث متابعون عن "فراغ دستوري"، وهو حديث يأتي في سياق خطاب "فاجعة" حتى يخيّل لبعض المستمعين أن كيان الدولة بات محلّ تهديد.

أمام عدم وجود محكمة دستورية، يقدّر فريق من القانونيين أن البرلمان هو المؤسسة الأقدر على تولي مهمة إقرار الشغور النهائي بموجب الوفاة عبر شهادة طبية للغرض، على اعتبار أن المحكمة الدستورية، لو كانت موجودة، لن يمكنها إقرار الوفاة والشغور النهائي، في كل الأحوال، إلا بموجب شهادة طبية، وأن المسألة بالنهاية على "معاينة" هذه الشهادة.

يقترح قانونيون على اعتبار عدم وجود محكمة دستورية أن يتولى البرلمان معاينة الشغور النهائي فيما يقترح آخرون أن تتم المعاينة من طرف الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين

اقرأ/ي أيضًا: بعد مصادقة البرلمان على تنقيح القانون الانتخابي.. هذه الفرضيات المنتظرة

لكن يقترح، في الأثناء، فريق آخر، أن تتولى الهيئة الوقتية لدستورية مشاريع القوانين معاينة الشغور النهائي، غير أن هذا الفريق يُجابه بأن الأحكام الانتقالية في الدستور (المطة 7) حصرت هذه الهيئة في اختصاص وحيد وهو مراقبة دستورية مشاريع القوانين. وهو ما يتأكد من القانون المنظم لها (قانون أساسي عدد 14 لسنة 2014 مؤرخ في 18 أفريل/نيسان 2014 المتعلق بالهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين) الذي لم ينص في فصله الثالث إلا على هذا الاختصاص المذكور فقط دون غيره. ويُجابه هذا الفريق أيضًا بمبدأ قانوني نصه "لا قياس في الإجراءات" أيضًا.

ولذلك، في هذا الإطار، بدأت تتالى دعوات كي يسارع أعضاء مجلس النواب لتقديم مبادرة تشريعية وإقرارها في وقت وجيز تقضي بإضافة اختصاص معاينة الشغور في منصب رئيس الجمهورية للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، وذلك في ظل استمرار عدم إرساء المحكمة الدستورية.

وفي كل الأحوال، لا يمثل عدم وجود المحكمة الدستورية "فراغًا دستوريًا" وعائقًا يحول دون تفعيل الشغور النهائي عبر حالة الوفاة في نهاية المطاف.

  • العجز الدائم.. حالة أخرى للشغور النهائي أيضًا

إن حالة الوفاة هي واحدة من جملة حالات أخرى للشغور النهائي. إذ تشمل الحالات الأخرى لهذا النوع من الشغور حالة استقالة رئيس الجمهورية، وحالة تجاوز الشغور الوقتي لمدة 60 يومًا (انظر الفقرة الموالية) وكذلك حالة "العجز الدائم".

وفي هذا الجانب، يُطرح السؤال أنه مثلًا في حالة إن كان رئيس الجمهورية في حالة صحية حرجة أو يوجد في العناية المركزة أو في حالة موت سريري دون إقرار وفاته، ألا يعدّ ذلك من قبيل "العجز الدائم"؟

ميّز  الفصل 84 من الدستور في حالات الشغور النهائي بين "حالة تجاوز الشغور الوقتي مدة 60 يومًا" و"حالة العجز الدائم" ما يعني أنه يجوز نظريًا تفعيل العجز الدائم من أجل الشغور النهائي دون لزوم تفعيل الشغور الوقتي

نذكّر أن الفصل 84 من الدستور ينص على لزوم اجتماع المحكمة الدستورية لإقرار حالة العجز الدائم لإقرار الشغور النهائي ليتولى رئيس البرلمان رئاسة الجمهورية بصفة مؤقتة.

وعلى اعتبار أنه لا توجد المحكمة الدستورية المختصة، يتجدد الجدل حول جهة معاينة "العجز الدائم" على اعتبار أن هذه الحالة هي أكثر تعقيدًا من حالة الوفاة على مستوى الإثبات (الأمر لم يعد يتعلق بمجرد شهادة طبية تقرّ الوفاة). يمكن نظريًا الحصول على شهادة طبية تقرّ "العجز الدائم" ولكن تعرف تونس، في تاريخها السياسي المعاصر، سابقة مثيلة تعلقت بانقلاب 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، ما يجعل تفعيل هذه الصورة، في غياب توافق سياسي بعيدًا عن منطق "الإجبار"، تحديًا حقيقيًا.

ولكن الجدل حول إثبات "العجز الدائم"، يستلزم، وذلك وفق فريق من أهل الاختصاص، أن يكون رئيس الجمهورية قد عجز عن أداء مهامه لمدة تتجاوز المدة المسموحة للشغور الوقتي أي لمدة 60 يومًا على أقصى تقدير، وترتبط هذه الحالة، عمليًا، بحالة العجز الصحي، وهو ما قد يفترض، تطبيقًا، تطبيق حالة الشغور الوقتي بصفة أولى في هكذا صورة (المرض المانع من أداء المهام).

ولكن، في المقابل، وهذا المهمّ، يتجه التذكير أن الفصل 84 من الدستور ميز في حالات الشغور النهائي بين "حالة تجاوز الشغور الوقتي مدة 60 يومًا" و"حالة العجز الدائم"، ما يعني أنه يجوز، نظريًا، تفعيل "العجز الدائم" من أجل الشغور النهائي في حالة المرض الشديد المانع من أداء المهام دون ضرورة الشغور الوقتي بصفة مسبقة.

  • لكن أليس لازمًا اللجوء للشغور الوقتي؟

الفصل 84 من الدستور في فقرته الأولى أورد نصًا ما يلي: "عند الشغور الوقتي لمنصب رئيس الجمهورية، لأسباب تحول دون تفويضه سلطاته، تجتمع المحكمة الدستورية فورًا وتقرّ الشغور الوقتي، فيحلّ رئيس الحكومة محل رئيس الجمهورية ولا يمكن أن تتجاوز مدة الشغور الوقتي 60 يومًا".

صورة رئيس الجمهورية الذي يتعرض لوعكة صحية ويصبح مثلًا في حالة حرجة أي على نحو الصورة في الفقرة السابقة، ألا تعد حالة، واقعًا، من الحالات الممكنة للشغور الوقتي على معنى الفصل السابق ذكره؟

في هذه الحالة، يطرح عدم وجود المحكمة الدستورية إشكالًا أكبر أيضًا من حالة الوفاة، على اعتبار أنه في هذه الحالة الأخيرة، يكفي توفر شهادة طبية ودور المحكمة الدستورية يقتصر على معاينتها وإقرار الشغور النهائي، لكن في حالتنا المذكورة المسألة أكثر تعقيدًا.

فأن يعوض البرلمان المحكمة الدستورية، سيجعل المسألة رهينة توافق الكتل البرلمانية، وسيحين الجدل مثلًا حول اعتماد أغلبية الحاضرين (73 نائبًا على الأقل) أو الأغلبية المطلقة (109 نائبًا على الأقل) لإقرار حالة الشغور الوقتي؟

يتولى رئيس الحكومة مهام رئيس الجمهورية في صورة الشغور الوقتي لمدة شهر واحد قابل للتمديد مرة واحدة

وعمومًا في هكذا حالة (أي الحالة الصحية الحرجة لرئيس الجمهورية) ولو فرضنا توفر محكمة دستورية، يمكن لها أن تقرّ الشغور الوقتي ليحل رئيس الحكومة محل رئيس الجمهورية (الفقرة 1 من الفصل 84) يمكن لها أيضًا، نظريًا، أن تقرّ حالة "العجز الدائم" وتحل رئيس البرلمان محل رئيس الجمهورية (الفقرة 2 من الفصل 84). المسألة بالنهاية "تقديرية"، وتُحسم وفق ما تنتهي إليه الاختبارات الطبية، وإن كانت تقديرًا فهي تعني اجتهادًا وهو ما يعني أن اختلاف وجهات النظر من الأمر الوارد.

غير أنه وحسب فقه القضاء المقارن، ووفق المنطق السليم وأهل الاختصاص، يجب إقرار الشغور الوقتي بصفة أولية، في هكذا حالة تطبيقية، إذ لا يمكن الحديث مباشرة عن حالة "العجز الدائم" في انتظار تطورات الحالة الصحية لرئيس الجمهورية إذ قد يستعيد عافيته بعد أسبوع أو شهر أو شهر ونصف مثلًا ويعود لممارسة مهامه بصفة عادية. فكيف يُعلن "العجز الدائم" بسرعة؟

ولكن إن استمرت الحالة الحرجة كبقائه تحت الإنعاش أو في غيبوبة لمدة تجاوزت الشهرين (الأجل الأقصى لحالة الشغور الوقتي)، نتحول حينها، بقوة النص الدستوري، من حالة الشغور الوقتي إلى حالة الشغور النهائي ولكن ليس على أساس حالة "العجز الدائم" بل على أساس حالة "تجاوز الشغور الوقتي مدة 60 يومًا" (الفصل 84) ، وبالتالي يصبح رئيس البرلمان رئيسًا مؤقتًا للجمهورية بدل رئيس الحكومة، لتنتظم انتخابات رئاسية مبكرة.

بيد أنه تتجه الإشارة إلى أن حالة "العجز الدائم" يمكن إقرارها، في المقابل، خلال فترة الشغور الوقتي دون لزوم بلوغ أجله الأصلي (شهر واحد) أو الممدد (شهران).

وفي النهاية، المسألة ظاهرها دستوري قانوني، ولكن باطنها صحي طبي، إذ أن الاختبارات الطبية هي التي تضبط الاجتهادات بين تطبيق هذه الحالة أو تلك، وهو اجتهاد حاسم أوكله الدستور للمحكمة الدستورية، ليتحول الاجتهاد، بغيابها، من مجلس القضاة الدستوريين إلى قبة البرلمان أي رهين توافقات رؤساء الكتل البرلمانية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد 5 سنوات على صدوره: ما الذي تحقق من دستور 2014؟!

سنة بعد انطلاق الدوائر القضائية المتخصصة.. النقابات الأمنية تضغط والجلاد غائب!