الشباب التونسي.. بين المشاركة والبقاء على الهامش

الشباب التونسي.. بين المشاركة والبقاء على الهامش

ماهي مساحات التفكير والفعل المتاحة للشباب؟ (أمين الأندلسي/وكالة الأناضول)

 

مقال رأي

 

بعد أن كرّس النظام السيّاسي القديم، ما قبل ثورة 14 جانفي/كانون الثاني، فكرة استبعاد الشباب عن المشاركة في الحياة السياسيّة وإقصائهم القصدي من حيّز صناعة القرار والاهتمام بقضاياهم، ظهر عزوف ملحوظ عن النّشاط المدني عند الفئة الشبابيّة.

ولهذا العزوف أسباب منها الاستبعاد القصدي، على النحو المذكور، ولكن الثورة قلبت الرؤية لأنّ القوة الديمغرافية والفكريّة الشبابيّة افتكت بنفسها حقّها في المشاركة في الحياة السياسيّة والمدنيّة. وعلى هذا الأساس، تشكّلت انتظارات جديدة للشّباب وانتماءات خضعت إلى محدّدات اجتماعيّة وبسيكولوجيّة وثقافيّة واقتصاديّة وجغرافيّة في سياق الانتقال الديمقراطي.

 كرّس النظام السيّاسي قبل الثورة فكرة استبعاد الشباب عن المشاركة في الحياة السياسيّة وإقصائهم القصدي من حيّز صناعة القرار

لن يكون هذا المقال، كغيره من القراءات المستهلكة التي تطرح هذا السؤال باستمرار: "أيّ واقع للشباب بعد الثورة؟"، وإنّما سيكون تفكيرًا في إمكانات الشباب وقدراتهم المكتسبة في مسارات تكويناتهم الاجتماعية. ولن ندّعي أنّ نظرتنا للشباب هي النظرة الأسلم والأكثر نفاذًا للواقع. ولن تنحصر قراءتنا في النظر للواقع لأن الواقع يمكن أن يقدّم صورة مشوّهة عن الشباب.

إنّ المتأمل في مفهوم الشباب، يلاحظ أنّ هذه الشريحة لا تمتلك حضورًا كمّيًا فقط، بل هي أيضًا بناء تاريخيّ ونتاج لتكوين مجتمعي تشكّل منذ ما قبل اندلاع الثورة. ليس الشباب مجرّد فئة عمريّة، بل هو لحظة بناء تدريجيّة لهويّة أو لموقع اجتماعي في سياق معيّن عبر مراكمة المعارف والتجارب. لكن تكتفي المنابر الإعلامية بعرض مشاكل الشباب بشكل دائم دون أن توفر المساحة الكافية للتواصل مع الشباب بشكل مختلف عن السّائد.

اقرأ/ي أيضًا: هوامش.. على دفتر جدل الثورة

فماهي مساحات التفكير والفعل المتاحة للشباب؟ وهل أن إرادة الشّاب التونسي حرّة أم مسلوبة منه؟ وما هي انتظارات الشّباب وتموقعاته؟

لاشكّ في أنّ قيم الثورة والكرامة والعدالة الاجتماعية والحريّة التي نادى بها الشباب إبّان ثورة 14 جانفي/كانون الثاني 2018، ساهمت في فتح أفق جديد للشباب التوّنسي المتعطّش للحرية والتغيير الثوري. وقد سمحت هذه القيم بظهور أشكال جديدة للتنظم تترجمها حاجة الشّاب التونسي إلى الانتماء إلى كيان يعبّر عن ذاته والمشاركة في الفضاء العمومي.

هي أشكال اختلفت أهدافها ولكنّها اتفقت على مبادئ الحريّة والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتتراوح تطلّعات الشباب بين السعي نحو إثبات قدرتهم على الفعل والتجديد من جهة والبحث عن المعنى والتوازن الاجتماعي من جهة أخرى. ويوجد فرق واسع بين التطلّعات التّي تستلهم من التجديد ورفض الموجود، وأخرى تترجم الخضوع للواقع والانهزام وتكرار القديم.

حريّة الفعل وأشكال التنظّم

إنّ حريّة الفعل هي عكس الخضوع والقهر والاستعباد بالمعنى السياسي للكلمة أي إنّها حريّة الإنسان في أن يفكّر فيما يريد ويفعل ما يريد دون أن يكون فعله خاضعًا للمعايير الأخلاقيّة أو للقهر السياسي. يرى الفيلسوف الفرنسي أندريه كونت أنَ حريّة الإرادة ترتبط بما نحن عليه، فهل يكفي أن نفكّر فيما نريد لنكون ما نريد؟

 أوجد الشباب التّونسي أشكالًا جديدة للانتماء قصد التعبير عن إرادتهم المدنيّة ورغبتهم في الفعل

في نفس سياق الحديث، أوجد الشباب التّونسي أشكالًا جديدة للانتماء قصد التعبير عن إرادتهم المدنيّة ورغبتهم في الفعل. وهنا يتمظهر الانتماء إلى النقابات مثلًا كالانتماء إلى الاتحاد العام لطلبة تونس واتّحاد المعطّلين عن العمل. تُعنى الأولى بالدفاع عن الطلبة وحقوقهم داخل الجامعة، وقد ساهمت في تكوين العديد من الشباب الذّين ناضلوا في عهد الاستبداد ضدّ نظام بن علي وساهموا في إسقاط النظام. فيما تهدف المنظّمة الثانية إلى الدّفاع عن أصحاب الشهائد العليا الباحثين عن عمل، إذ أن أزمة البطالة التي بدأت منذ العهد القديم وتفاقمت بعد الثورة أنتجت وعيًا لدى أصحاب الشهائد العليا بضرورة النضال والتنظّم في منظمة نضمن حقّهم في العمل والكرامة الوطنية، وجعلتهم يشاركون السلطات المعنيّة صياغة المقترحات والتصوّرات والحلول لحلّ أزمة التشغيل.

وفيما يتعلق بالانتماء الى جمعيات ناشطة في مجال حقوق الإنسان من جمعيات نسوية جندرية وجمعيات الأقليات، يمكن القول إنّ العزوف عن الانتماء إلى الجمعيات مثّل وسيلة لتغيير الواقع ورمز للتجديد والتنوّع الثقافي والديمقراطي، وإطار لإثبات جماعات وفئات مهمشة وضمان حقّها في الوجود والفعل.

اقرأ/ي أيضًا: يوم الأحد.. يوم المعطّلين عن العمل!

وقد ظهر هذا الانتماء في المشاركة في المظاهرات والوقفات الاحتجاجيّة على إثر حدث ما يمس من كيان هذه الفئات أو للمطالبة بمزيد من المكاسب والحقوق.

ويمكننا الإقرار باستقلاليّة التنظيمات النقابيّة والجمعيات عن الأحزاب السياسية، وبالتالي استقلال الأفراد الفاعلين عن السياسيين. ولكن هذا الأمر لا ينفي وجود توظيف بعض الأحزاب والجمعيات امتدادًا لأيديولوجية الحزب لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المنخرطين وللتحكّم بالمجتمع المدني.

أما بخصوص الانتماء إلى جمعيات فنيّة وثقافية وسينمائية، فقد ألهمت الثورة العديد من السينمائيين والمخرجين الشّبان لكتابة وتصوير أفلام تنقل ظروف عيش الشّباب التونسي، وسعوا إلى نقد مشاكل يواجهها الشباب من خلال توثيق واقع هذه الفئة من هجرة وبطالة وإرهاب وغيرها من المواضيع.

وفي علاقة بالانتماء إلى مجموعات التشجيع رياضيّة، لقد سعى الشباب المشجّع لفرق رياضيّة إلى تكوين مجموعات تشجيع تحمل رؤية معيّنة للحياة والمجتمع والسلطة مشحونة بغضب ضدّ السلطة وأجهزتها.

وقد مثّلت أشكال الانتماء المتعدّدة تعبيرًا عن التوجّهات الفرديّة والجماعيّة للشّباب وقد أنتجت أشكال قيادة جديدة. وكلّما تعدّدت التصوّرات والتعبيرات والأفكار، كلّما اتّسع حيّز المشاركة واتّضحت الرؤى، ولكن هذا لا ينفي قصور الرؤية وندرة الفعل عند بعض الشباب.

هشاشة الانتماء وضبابيّة الرؤية

لم تعد ترى شريحة الشباب في الدّولة أدنى مقوّمات الاندماج الاجتماعي والسياسي، لتجد هذه الشريحة نفسها أمام إشكال متشعّب: ما معنى الانتماء للدّولة والمجتمع؟

مثّلت ظاهرتا الهجرة غير النظامية والانتحار أشكالًا وتعبيرات احتجاجية ضدّ عدم مبالاة الدّولة. وقد راح ضحيّة الهجرة السريّة الملايين من الشباب من العائلات محدودة الدّخل والفئات الهشّة والفقيرة الذّي كانوا يتوهّمون بأنّ تغيير واقعهم لا يمكن أن يتّم إلاّ عبر المجازفة بأنفسهم والإلقاء بأجسادهم في البحار. وهي، في نظرنا، رؤية ضيّقة وتعبير مباشر عن اليأس من التغيير.

مثّلت ظاهرتا الهجرة غير النظامية والانتحار أشكالًا وتعبيرات احتجاجية ضدّ عدم مبالاة الدّولة

تكشف هذه الأشكال تعبيرية عن لاوعي هذه الفئة من الشباب بإمكاناتهم وقيمتها، فهم غير واعيين بقدرتهم كقوّة ثوريّة يمكن أن تقود عمليّة التغييّر وذلك عوض أن تهرب إلى الموت، مثلما اختار بعض الشباب الانتحار حرقًا أو شنقًا، رفضًا لواقعهم وتعبيرًا عن فقدانهم لمعنى الانتماء.

في الحديث عن الانتماء إلى تنظيمات جهاديّة إرهابيّة، سعت العديد من القيادات الإرهابية إلى استقطاب الشّباب ودمغجتهم والتحكّم في مصائرهم. وهو ممّا انجرّ عنه، اقتناع شريحة واسعة من الشباب بالخطاب الديني المتطرّف والمحرّض على العنف وذلك بالسفر للجهاد في سوريا انجرارًا وراء وهم الجنّة الضائعة.

تعبر هذه الانتماءات على تنوع شكلها ومضمونها عن ثقافة المشاركة أي عن مشاركة الشباب في كلّ ما يدور حول الشأن العامّ من تخطيط وتنفيذ وفعل واحتجاج وخلق للبدائل. وهي تطبيق لمفهوم المشاركة ضمن سياقات وظروف وأطر مستقلّة غير تابعة لسلطة الدّولة. هذه الانتماءات والأنشطة ليست فقط ترجمة فعليّة لثقافتي المشاركة والمواطنة، بل هي أيضا وعيٌ مكتسب بأنّ الضامن الحقيقي للحريّة والمساواة وحقوق الإنسان هو المشتركة والفاعليّة في بناء وتنظيم يعبّر عن تطلّعات الشباب.

ولكن تشكو فئة أخرى من الشباب على رقع جغرافيّة متناثرة من أزمة انتماء وعدم القدرة على بلورة رؤية واضحة لوجودها، وعلى الأرجح يعود هذا السبب لانعدام الظروف المناسبة لتكوين شخصية متوازنة وأيضًا لعدم امتلاكها لوسائل التغييّر لأنّ التغييّر الثوري الحقيقي يتم بالمشاركة وليس بالهرب من المواجهة.

وتوجد هوة واسعة بين الانتظارات والتطلعات الديمقراطية وتموقعات الشباب. وحتى عندما توسّعت الهُوّة بين الدّولة والمجتمع التونسي عبر الأزمات والتوتّرات الحادّة، سارع الشباب إلى تقريب الرؤى المتناقضة منها على اعتبار أنّ الاختلاف هو عامل إثراء وليس عامل أزمات.

 

اقرا/ي أيضًا:

صحوة الحركة التلمذية ما بعد "تجفيف المنابع"..

لماذا لا تمتلك القصرين خالًا مثل حسيب بن عمار؟