الشاب حسني.. دمار جيل الثمانينيات

الشاب حسني.. دمار جيل الثمانينيات

الشاب حسني ملك الأغنية الرومانسية في الراي الجزائري (Getty)

مقال رأي

 

لا أزال إلى اليوم أتذكر تفاصيل ليلة جميلة في صيف عام 1997. كنت برفقة صديق، ونحن في طور المراهقة، وقد كان يغرق شيئًا فشيئًا في قصة حب يراها بعقله الصغير أعظم القصص في التاريخ، لم تكن حبيبته القاطنة في بلد أوروبي التي أتت لتمضية عطلة الصيف جميلة بالقدر الذي يراها، كانت بسيطة الأناقة بعينين كستنائيين وشعر أسود طويل وجسم ممتلئ.

كان موعد عودتها إلى بلدها قد حان تلك الليلة، التقاها صديقي ليقضيا الساعات في حديث مطول حول المشاريع المستقبلية، وموعد العودة القادمة والسبل الكفيلة لحماية علاقتهما من نار البعد، قبل أن يودعها ونعود طريقنا.

كنت أمشي بجانبه هادئًا صامتًا احترامًا لتلك اللحظة التي كنت أراها وقتها مقدسة ومفعمة بالعمق. دخل إلى منزله، غاب لدقائق ثم عاد حاملًا لجهاز موسيقى ببطارية كان يُهرب في ذلك الوقت من القطر الجزائري، ثم توجهنا إلى مكان في أقصى المدينة لينهمك في تشغيل الجهاز وأنهمك في إشعال سيجارة.

حسني شقرون هو ملك الأغنية الرومانسية في الجزائر وسطع نجمه في فترة التسعينيات، فترة المراهقة لجيل الثمانينيات، وكان يحظى بشعبية كبيرة في الجزائر وتونس

اقرأ/ي أيضًا: "نحبك كي خويا".. الفرندزون المرعبة

بدأت الموسيقى تكسر الصمت الذي يحيط بنا، بدأت الأغنية بالكلمات التالية "طال غيابك يا غزالي... راكي طولت في الغربة... شديتي الحب هدلالي... عليا وعلاش الغضبة". لم يمض على فراقهما سوى بضع ساعات، لكن الاستماع إلى الأغنية ومراقبة تأثر صديقي بكلماتها يخيّل لك أن فراقهما مضى عليه عقود، وأن لقاءهما مرة أخرى ضرب من المستحيل. تسرب شعور عظيم من الحزن إلى الجلسة، وكانت تلك أول مصافحة لي مع الشاب حسني مغني الراي الجزائري.

حسني شقرون هو ملك الأغنية الرومانسية في الجزائر وسطع نجمه في فترة التسعينيات، فترة المراهقة لجيل الثمانينيات، وكان يحظى بشعبية كبيرة في الجزائر وتونس. وقد عاش حياة بائسة حتى اكتسح عالم الفن قبل اغتياله عام 1994 في سن 26 عامًا، وقد تنبأ حسني بموته قبل وفاته من خلال أغنية شهيرة بعنوان "قالوا حسني مات" يقول مطلعها "حتى الميمة دهشت وبكات... خلعتوها وقتلتوني... هدرتو فيا وقلتو مات... حرام عليكم يا عدياني". وهذا الخليط من مشاعر الخوف والحزن والحسرة تتشارك فيها تقريبًا جميع أغاني الشاب حسني.

تميّز حسني بتعدّد إنتاجاته حتى أن نكتة جزائرية راجت وقتها تقول إن رجلًا ذهب إلى بائع الأشرطة الموسيقية لشراء شريط للفنان الشاب حسني فسأله البائع إن كان يريد شريط الصباح أو المساء

حسني، من خلال أغنياته، لم يعش أوقاتًا سعيدة ولحظات حميمية مع حبيبته ولم يعش حبًا متبادلًا، بل كان يعاني دائمًا من البعد والفراق أو يعيش حبًا من طرف واحد أو يعاني من ظلم الحبيب.

أنت الذي لم تجرب الحب مثلًا حين تستمع إلى أغاني حسني سيعتريك إحساس بأن شعور الحب هو عبارة عن رجل بلحية كثيفة وشعر أشعث يجلس في مكان مظلم في منزل مهجور في ليلة شتاء باردة يقابله شباك مهشم وهو بصدد تدخين سيجارة رخيصة بجانبه زجاجة خمر، ويفكر في فتاته التي رفضته وفضلت عليه شخصًا آخر تجلس في غرفتها وتراقب القمر من خلال شباك جميل وتفكر في حبيبها. هذه الصورة ليست من وحي الخيال بل هي تصوّر يأتيك عند الاستماع إلى أغنية "راني خليتهالك أمانة" التي تقول "راني خليتهالك أمانة.. تهلى فيها ما تغبنهاش.. هذيكا حبيبتي أنا.. ربي ليا ما كتبهاش"، وأغاني أخرى مثل "مازال قلبي ملكي ما برا"، و"طلبتي الفراق" و"ماتبكيش قولي ذا مكتوبي" ومئات الأغاني الأخرى التي تصور المرأة على أنها الطرف الخائن والرافض للحب والمهاجر والقاسي.

وتميّز حسني بتعدّد إنتاجاته حتى أن نكتة جزائرية راجت وقتها تقول إن رجلًا ذهب إلى بائع الأشرطة الموسيقية لشراء شريط للفنان الشاب حسني فسأله البائع إن كان يريد شريط الصباح أو المساء.

يعتبر الشاب حسني جزءًا من تركيبة شخصية طيف كبير من الشباب التونسي وخاصة جيل الثمانينيات الذي تزامنت فترة مراهقته مع انتشار أغانيه 

يعتبر الشاب حسني جزءًا من تركيبة شخصية طيف كبير من الشباب التونسي وخاصة جيل الثمانينيات الذي تزامنت فترة مراهقته مع نجوميته وانتشار أغانيه على نطاق واسع. وأثرت هذه الأغاني بشكل بالغ على رؤية العشاق للحب وللمرأة، وربما تولدت لدى هذا الجيل فكرة مشوهة عن بناء العلاقات تبدأ بتوقع الأسوء وتنتهي بحصول التوقعات السيئة التي بحصولها يصل الشاب إلى النقطة التي يرى فيها نفسه في أغاني الشاب حسني.

قدم الشاب حسني للراي وللفن الجزائري عمومًا مئات الأغاني التي لا تزال تُسمع إلى اليوم، وكان ممن نحتوا تفاصيل هذا النوع الغنائي. وهو أحد عناصر ذاكرتنا مثل الصور المتحركة والمسلسلات والتجارب الطفولية، هو جزء مكوّن لشخصية لطيف واسع من جيل المراهقة في التسعينيات، وقد كان أصحاب محلات الحلاقة في تونس يتميزون دون غيرهم بشغفهم بالشاب حسني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن الجسد والحب والجنس.. الثالوث المحرّم

الحب في زمن "الكيتش"..