السيرة الذاتية للجملي ومعاداة الصحافة الاستقصائية!

السيرة الذاتية للجملي ومعاداة الصحافة الاستقصائية!

هل أصبح ضمور الصحافة الاستقصائية خيارًا تحريريًا في الميديا التونسية؟ (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

مقال رأي

 

تابع التونسيون، طيلة الفترة الماضية، تطورات تكليف الحبيب الجملي بتكوين الحكومة، ومن المسائل التي استحوذت على الاهتمام وكانت موضوعًا للنقاش في الميديا وفي فيسبوك هي مؤهلات مختلف الوزراء المرشحين بما في ذلك رئيس الحكومة المكلف نفسه حتى أن أحزابًا سياسية، على غرار الحزب الدستوري الحر، شككت في حصول رئيس الحكومة على شهادة الباكلوريا. كما تحدثت بعض التقارير الإخبارية عن "أحزاب تتثبت في سيرة ومسيرة الحبيب الجملي"، وأشارت تقارير أخرى إلى أن "رؤساء بعض الأحزاب يتحدثون عن 3 وزراء لم يتحصلوا على شهادة الباكلوريا".

هل تبدو العلاقة بين الصحافة والسياسة كأنها لم تتغير بشكل يسمح للصحافة بأداء أدوار جديدة لا تقف عند الإخبار والنقل بل تتجاوز ذلك إلى التحقيق والتحري والاستقصاء؟ 

وفي مثل هذه الحالات، تتحول مثل هذه التصريحات والشكوك إلى مادة خصبة للنقاشات في فيسبوك ومادة لحملات مساندة ومناهضة ومنطلقًا لصناعة مضامين كاذبة أو صادقة. وتمثل السيرة الذاتية للوزراء المترشحين أو المعيّنين مادة إخبارية أساسية في التغطية الصحفية لعملية تشكيل مختلف الحكومات المتعاقبة على السلطة منذ الثورة (9 حكومات)، وتكتفي الصحافة عادة بعرض السير الذاتية لأعضاء الحكومات اعتقادًا منها أنها تساهم في التعريف بهم لدى الرأي العام لكنها في أغلب الأحيان تقوم بذلك بشكل خام دون معالجة.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة التحرّي في الصحافة التونسية أو كيف عاد محمد الناصر إلى الحياة؟

في حالة الحبيب الجملي وأعضاء حكومته المقترحين، اكتفت الصحافة أيضًا بعرض السير الذاتية وشكوك الأحزاب السياسية فيها، وهو ما يحيلنا مجددًا على قدرات الصحافة التونسية على التحقيق والاستقصاء والتحري، وهي وظائف أساسية للصحافة في المجتمع الديمقراطي. ويمكن أن يمثل هذا الموضوع مدخلًا لتقييم أدوار الصحافة والانتقال الديمقراطي الذي بلغ تسع سنوات كاملة.

إن السؤال الواجب طرحه هو الآتي: هل أن السير الذاتية التي عملت الصحافة والميديا على توفيرها تكفي للمواطنين لتقييم مؤهلات الحكومة الجديدة؟ وهل أن دور الصحافة يقف عند هذا الاستعراض للسير الذاتية؟ وهل أن هذا المثال يمكن أن يؤشر إلى علاقة الصحافة بالسياسة أو إلى علاقة الصحفيين بالسياسيين، خاصة وأن كثيرًا ما يُقال أن الصحفيين اكتسبوا حق التعبير والرأي مما يسمح بنقد السياسيين؟ في هذه الحالة أي معالجة الصحافة للسير الذاتية للسياسيين، هل تبدو العلاقة بين الصحافة والسياسة كأنها لم تتغير بشكل يسمح للصحافة بأداء أدوار جديدة لا تقف عند الإخبار والنقل بل تتجاوز ذلك إلى التحقيق والتحري والاستقصاء؟

إن التحري والتحقيق في أصالة السير الذاتية والشكوك التي عبرت عنها بعض الأحزاب السياسية يمثل عملًا أساسيًا يمكن أن تقوم به الصحافة لمساعدة التونسيين على تقييم كفاءة أعضاء الحكومة المرشحين. وكان إذًا من الضروري تجاوز هذه السير الذاتية إلى ما يسمّى "البرورتريه" (Le portrait) أو الملمح (Profile) لمساعدة التونسيين على تبيان استقلالية الوزراء المرشحين وتقييم كفاءتهم. لكن هذا النوع الصحفي نادرًا ما نراه في الميديا التونسية رغم أهميته بما أنه يقدم مادة مختلفة عن المواد الإخبارية الروتينية الإخبارية، مما يسمح بفهم أعمق وأشمل للشخصيات الفاعلة في الأحداث.

يمثل التحري والتحقيق في أصالة السير الذاتية والشكوك التي عبرت عنها بعض الأحزاب السياسية عملًا أساسيًا يمكن أن تقوم به الصحافة لمساعدة التونسيين على تقييم كفاءة أعضاء الحكومة المرشحين

ثمة أسباب عديدة يمكن أن تفسر ندرة "البورتريه" في الصحافة التونسية ولعل أهمها على الإطلاق هو أن السياق المهني الذي يعمل فيه الصحفيون لا يوفر لهم الموارد الأساسية لإنتاج "صحافة الجودة". ويحيل هذا المصطلح إلى نوع مخصوص من الصحافة لا يكتفي بالإخبار والسرد اليومي للوقائع بل يتجاوز ذلك نحو التفسير والتحقيق والاستقصاء.

وعلى هذا النحو، إن غياب هذه المضامين العميقة والمتنوعة، على غرار "البورتريه" وهو نوع  صحفي يستدعي التحقيق، يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب محدوديته حتى لا نقول غياب برامج التحقيق والاستقصاء في الميديا العمومية والخاصة على السواء في سياق يردّد فيه الجميع أن حرية الصحافة وحرية التعبير أصبحتا مكسبًا؟

اقرأ/ي أيضًا: عن المناظرة التاريخيّة بين مريم وعربيّة..

وفي هذا الإطار أيضًا، ما الذي يفسّر إعراض الميديا العمومية، رغم توفر الإمكانات والموارد مقارنة بالميديا الخاصة، عن برامج التحقيق والاستقصاء؟ وبشكل عام، هل يمكن القول إن غياب أو محدودية هذه البرامج يمكن أن يعبّر عن غياب الموارد فقط أم هو إستراتيجية فعلية لتغييبها أو تحجيم وظيفة الاستقصاء والتحري؟ وهل يعني هذا أن الأحزاب السياسية، التي لم تفعل شيئًا لإصلاح الميديا العمومية، تفضّل إدارة المجال السياسي بواسطة الأخبار الكاذبة والدعاية المكارة بدل الميديا القادرة على تزويد التونسيين بالمضامين الجيّدة التي تسمح لهم بالتصرف كمواطنين بشكل عقلاني؟   

يمكن أن ننطلق من هذه الأسئلة لفتح نقاش جدّي وشامل لتقييم الصحافة والميديا والأدوار التي تقومان بها في مرحلة الانتقال الديمقراطي. ويجب، في منهجية التقييم هذه، أن تحتلّ الصحافة الاستقصائية مكانة أساسية لأنها مؤشر جيّد على الوظائف التي يجب أن تقوم بها الصحافة والميديا في الديمقراطية بشكل خاص. ففي غياب هذا النوع من الصحافة، هل يمكن أن تقوم الميديا بأدوار الرقابة على السلطة السياسية عبر التحقيق في شؤون السياسيين وأصحاب النفوذ وفي مؤسسات الدولة (الحكومة والقضاء والأمن والبرلمان وكذلك الأحزاب)؟

المستفيد الأول من محدودية الأدوار الرقابية التي يمكن أن تقوم بها صحافة التحري والتحقيق والاستقصاء هم السياسيون أنفسهم

يبدو في السياق التونسي أن المستفيد الأول من محدودية الأدوار الرقابية التي يمكن أن تقوم بها صحافة التحري والتحقيق والاستقصاء هم السياسيون أنفسهم الذين يكونون بهذه الطريقة في مأمن من مقتضيات ما يسمّى حق المعرفة (the right to know) الذي يتجاوز الحق في المعلومة إلى مطلب شفافية الحياة العامة. إن وظيفة الرقابة التي تؤديها الصحافة متصلة بهذا الحق في أن تكون المؤسسات السياسية شفافة، وبذلك لا معنى للصحافة الاستقصائية إذا لم تتخذ غاية لها تحويل مؤسسات السلطة إلى مؤسسات شفافة والكشف عن الطريقة التي تعمل وفقها ومسارات اتخاذ القرار فيها ونتائج قرارات المؤسسات وسياساتها على حياة الناس.

وإذا عدنا إلى المثال الذي انطلقنا منه في بداية المقال والمتصل بالسير الذاتية لأعضاء الحكومة المقترحين والشكوك التي أثيرت حولها، تظل التعاليق والآراء الواردة في البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية ليست ذات فائدة بالنسبة إلى المواطنين لأنها لا تساعدهم في النهاية على الحصول على معطيات ومعلومات ومعارف تؤهلهم للحكم على كفاءة أعضاء الفريق الحكومي المقترح.

وعلى هذا النحو، يدفعنا ضمور الصحافة الاستقصائية، رغم  اهتمام الصحفيين بها وكثرة البرامج التدريبية المنظمة في تونس للتعريف بتقنياتها وفوائدها، إلى التساؤل عما إذا كان تحجيم دورها والإعراض عنها بل ومعاداتها وإعاقة جهود الصحفيين لتطوير صحافة التحري والتحقيق قد تحوّل في مؤسسات الميديا التونسية إلى خيار تحريري؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

من الأخطر على الصحافة.. المتهافتون أم المحامون؟

هل للصحافة الاستقصائية مستقبل في تونس؟