السياحة في الساحل التونسي.. بين جدل الأرقام والتقييمات وسقف التوقعات
26 يوليو 2025
اشتد الجدل خلال الموسم الصيفي الحالي بشأن مدى نجاح الموسم السياحي داخل فضاءات النزل والإقامات وخارجها في جهة الساحل، ومع الارتفاع الملحوظ لدرجات الحرارة تعالت الأصوات من هنا وهناك من وراء شاشات الهاتف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بتقييمات وتعليقات وصور وتخوفات ونداءات حتى اشتد الصخب واستحالت الحقيقة.
تقييمات اجتماعية واقتصادية وبيئية وسياسية من وراء الشاشات بتدوير معلب للمعلومات راكمت الحقيقة والزيف والإشاعة، رافقت هذا الجدل القائم مما دعانا إلى التنقل واستجلاء الحقيقة على أرض الواقع متنقلين بين الشواطئ والنزل والإقامات والأسواق في مختلف أرجاء الساحل التونسي.
وفي حديثنا مع عدد من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، تنقسم الآراء، إذ يدلو الجميع بمواقفه وانطباعاته على منصات السوشال ميديا، فيحدثنا قسم منهم من وراء الشاشات عن "عاصفة هوجاء ستضرب السواحل في القريب وعن أودية جارية مياهها ملوثة وتصب في عرض البحر على مدار الساعة"، ولكن لا يميز معظمهم بين الحقيقة والتضليل والتزييف، في حين يشارك قسم آخر إيجابيات الموسم السياحي من خلال مقاطع الفيديو وصور تبرز الاستمتاع بالشواطئ والنزل والسهرات الليلية في المهرجانات فترى مشاهد إشهارية وتسويقية تظهر سحرًا خياليًا من عالم السندباد و"ألف ليلة وليلة"، حتى تكاد ترى عالمًا لا أثر له في الواقع.
اشتد الجدل خلال الموسم الصيفي الحالي بشأن مدى نجاح الموسم السياحي في جهة الساحل، ومع الارتفاع الملحوظ لدرجات الحرارة تعالت الأصوات والتقييمات والتخوفات واختلفت حتى استحالت الحقيقة
هذا الجدل الذي حاولنا إبراز جزء منه دعانا إلى البحث عن الحقيقة وتبين الزيف والتضليل من خلال معاينات ميدانية لواقع الموسم السياحي في مدن سوسة والمنستير والمهدية وهي مدار وقطب سياحي بارز ومؤثر على مستوى البلاد التونسية، وتواصلنا في التقرير التالي مع عدد من المتدخلين في الشأن السياحي بخصوص سير الموسم الحالي.
خلال النصف الثاني من شهر جوان/يونيو 2025 وعند بداية الانتعاشة السياحية داخليًا وخارجيًا تنازعت السوق السياحية بشأن مواد ترويجية تزامنت مع أحداث واقعية كحادثة غرق عائلة في شاطئ المهدية والنقص الحاصل في السباحين المنقذين والملف البيئي في خليج المنستير وتواضع عدد الوافدين في شاطئ بوجعفر بسوسة، وهي وقائع صنعت المعلومة وكانت مؤثرة، كما تزامنت مع انخفاض عدد الوافدين من السياح الجزائريين في الأسبوعين الأولين من شهر جويلية/يوليو 2025.

ولاحظنا خلال جولة في أسواق مدينة سوسة انتظام رحلات السياح الأجانب إلى المدينة العتيقة في شكل جماعي وفردي خلال الشهر الحالي، لتشمل جنسيات أوروبية وآسيوية وعربية جزائرية بالخصوص وخلال جولتنا تحدث "الترا تونس" إلى سائح جزائري فضل عدم ذكر اسمه، وصرّح بقوله: "لم نزر تونس لأول مرة بل إننا مدمنون في كل موسم على زيارتها ولا نخف بعض الملاحظات والتحفظات خاصة على مستوى غلاء الأسعار والكلفة العالية لأسبوع واحد من الإقامة".
وأضاف السائح الجزائري، الذي كان يتسوق في "الباب الجبلي" بسوسة: "هناك عزوف من الشباب الجزائري عن زيارة تونس وقد لاحظنا ذلك، في حين نشاهد إقبالاً كبيرًا من متوسطي العمر وكبار السن، كما أنه من الجميل أن نلاقي أهلنا الجزائريين المقيمين في أوروبا والذين يخيرون قضاء العطلة في تونس"، حسب قوله.
مدير أحد النزل لـ"الترا تونس": شهر جوان 2025 شهد تدفقًا جيدًا للسياح الجزائريين خاصة، ومن المنتظر ارتفاع أعداد الحجوزات انطلاقًا من نهاية شهر جويلية حتى بلوغ شهر سبتمبر 2025
وأقر السائح الجزائري صاحب الـ60 سنة وهو موظف عمومي، بأن "الصعوبات المالية التي تعاني منها العائلة التونسية تقابلها نفس الصعوبات للعائلة الجزائرية كذلك بسبب مصاعب اقتصادية أملاها الظرف العام".
وفي السياق نفسه تحدث "الترا تونس" إلى كمال بن عبد السلام مدير أحد النزل في الجهة، الذي كشف أن "نسبة امتلاء النزل في غضون الأسبوع قبل الأخير تقريبًا من شهر جويلية/يوليو 2025 بلغت 70 بالمائة في حين شهد شهر جوان/يونيو 2025 تدفقًا جيدًا للسياح الجزائريين خاصة، كما بلغت نسبة الليالي المقضاة 90 بالمائة"، على حد قوله.
وفسر مدير النزل، هبوط عدد الحجوزات بصدور نتائج البكالوريا في الجزائر مما يمنع أغلب العائلات من التوافد على تونس، معبرًا في السياق نفسه عن انتظاراته بارتفاع أعداد الحجوزات انطلاقًا من نهاية شهر جويلية/يوليو حتى بلوغ شهر سبتمبر/أيلول القادم.

ومن جهة أخرى اعتبر كمال بن عبد السلام أن "النزل التي لا تتيح استهلاك مادة الكحول، تساهم في توفير فضاء مناسب لشريحة واسعة من العائلات الجزائرية ولكن ذلك رهين توفير الخدمات الجيدة من صحة ونظافة ومأكولات وتوفير مستلزمات الراحة للحريف".
من جهته أرجع (محفوظ) وهو ممثل وكالة أسفار تونسية ينشط بالسوق الجزائرية تراجع إقبال السياح الجزائريين على الوجهة التونسية خلال هذه الفترة إلى عدّة أسباب أولها غلاء الأسعار في بلادنا خاصة بعد جائحة كوفيد 19.
وبيّن محفوظ في حديثه مع "الترا تونس" أنّ طول إجراءات الدخول والخروج عبر المعابر الحدودية والتي تستغرق مدتها 7 ساعات من الانتظار تكبّد الجزائريين مزيدًا من التعب والمشقة الأمر الذي أصبح يرفضه العديد منهم، وفق قوله.
ممثل وكالة أسفار تونسية لـ"الترا تونس": تراجع إقبال السياح الجزائريين على الوجهة التونسية خلال هذه الفترة يعود إلى عدّة أسباب أولها غلاء الأسعار فضلاً عن طول إجراءات المرور عبر المعابر الحدودية
وتطرق ممثل وكالة الأسفار إلى الإجراء الجديد الذي اتخذته وزارة المالية الجزائرية خلال الأيام الأخيرة بالترفيع في قيمة منحة السفر من 95 إلى 750 يورو بالنسبة للبالغين وإلى 300 يورو بالنسبة للفئة العمرية التي تتراوح بين 12 سنة وأقل من 19 سنة شريطة أن لا تقل مدة الإقامة بالخارج عن سبعة أيام كاملة.
وكان حدّد دخول هذا القرار حيز التنفيذ بداية من الأحد 20 جويلية/يوليو 2025 بهدف تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء للعملة وتسهيل تغطية جزء كبير من مصاريف السفر للمواطنين الجزائريين.
وأشار محدثنا إلى أنّ هذا الإجراء من شأنه أن يعزز السياحة والتوجه إلى مختلف المدن السياحية التونسية بما في ذلك مدينة سوسة، متوقعًا توافد أعداد كبيرة من الجزائريين على تونس بداية من 2 أوت/أغسطس 2025، كما أقر بوجود تراجع في الأرقام خلال هذه الأيام.

وأوضح محفوظ أنه "كان من المفترض أن تتجاوز طاقة الاستيعاب للجزائريين بالنزل التونسية في مثل هذه الأيام الـ80 بالمائة لكنها اليوم أقل من ذلك بكثير".
ولفت محدث "الترا تونس" أيضًا إلى تراجع الخدمات ببعض النزل فضلاً عن ارتفاع أسعار الإقامة ما يجبر الجزائريين وفقه على تفضيل السياحة الداخلية، ونادى ممثل الوكالة إلى ضرورة مراجعة الأسعار والترفيع في جودة الخدمات، معتبرا أن "خيار الإقامة الكاملة والشاملة بالنزل قد أضرّ بالسياحة التونسية".
مدير أحد النزل لـ"الترا تونس": كان من المفترض أن تتجاوز طاقة الاستيعاب للجزائريين بالنزل التونسية في مثل هذه الأيام الـ80 بالمائة لكنها اليوم أقل من ذلك بكثير
أما توفيق بن سعيد وهو مدير أحد النزل التي توفر ألعابا مائية متنوعة، فقد أقر في حديثه مع "الترا تونس" بأن هذا الموسم شهد ارتفاعًا في عدد الوافدين بنسبة 15 بالمائة مقارنة بالموسم الفارط، معتبرًا أنه" رقم معتبر"، وعبر عن آماله ببلوغ نسبة زيادة بـ25 بالمائة مع نهاية الموسم باعتبار استقطاب النزل سياحًا من جنسيات مختلفة وتوفير فضاءات للألعاب المائية للأطفال والكبار .
واعتبر أن الوصول إلى الأهداف المنشودة يبقى رهين تضافر الجهود بين كافة الأطراف الحكومية والهياكل المتدخلة في القطاع.
وأكد بن سعيد أن "للميديا دور هام في الترويج للسياحة والتسويق للوجهة التونسية باعتبار التنافس الشديد مع بعض البلدان مثل المغرب ومصر وتركيا"، معتبرًا أن "انتشار الأخبار التي وصفها بالمحبطة على مواقع التواصل الاجتماعي يؤثر سلبًا على السياحة التونسية".

وضمن جولة لمراسل "الترا تونس" في مختلف نزل الساحل التونسي، فقد تراوحت نسب الامتلاء بين 70 بالمائة و90 بالمائة، في ظل التزام السياح بالإقامة داخل النزل خاصة بالنسبة للنزل من فئة 5 نجوم، باعتبار وأنها توفر عدة خدمات على حساب اندماج السائح مع المحيط الخارجي مما يفقد الدورة التجارية نجاعتها ويشلها اقتصاديًا وذلك بناء على تشكيات عدد من الباعة في المدينة العتيقة، وما يصفونه بـ "محدودية عدد الزيار الوافدين مقارنة بالأرقام المعلنة من طرف الجهات الرسمية".
من جهة أخرى تحدث "الترا تونس" مع سائح تونسي مقيم في ألمانيا، وأفاد بأنه "يتمتع خلال عطلته الصيفية بأجواء رائقة في أحد النزل من فئة ثلاثة نجوم، ورغم ضعف التصنيف فإنه وجد فضاء مناسبًا لأطفاله"، داعيًا في الوقت نفسه إلى "اعتماد أسعار تفاضلية للتونسيين حتى يتمكنوا من قضاء عطلة دون ضغوطات مالية".
ولا تفوتنا في هذا السياق، الإشارة إلى أن غياب الأرقام الرسمية المصرح بها عن عدد السياح وجنسياتهم ومقر إقامتهم وعدد الليالي المقضاة على مستوى جهوي من قبل وزارة السياحة ممثلة في الديوان الوطني للسياحة، وحجب البيانات أو عدم تقديمها بالشكل الكافي، أثر سلبًا على شفافية المعلومة وسمح بترويج الإشاعة وساهم بشكل سلبي في توجيه الرأي العام، وقد تسبب هذا الحجب في ضبابية المعلومة سواء عند الهياكل المعنية أو المواطن، فضلاً عن غياب مسؤول جهوي على رأس المندوبية الجهوية للسياحة بسوسة منذ أكثر من سنة باعتبار أنه لم يقع تعيين مسؤول بصفة رسمية بعد إقالة المندوب السابق.
وفي سياق الجدل السياحي أثارت عدة جهات اقتصادية ومالية في تونس، مسألة "تأثر السياحة الداخلية من قانون الشيكات الجديد الذي منع الآلاف من التونسيين من الانخراط في الدورة الاقتصادية السياحية داخليًا باعتبار أنهم كانوا يلجؤون إلى إيداع شيكات مؤجلة وطرق خلاص بالتقسيط لقضاء موسم صيفي لكن القانون الجديد يجرم التصرف المالي بهذه الطريقة".
كما أن المناخ والبيئة كانا عاملان مساهمان في إثارة الجدل بشأن مدى نجاح هذا الموسم السياحي، فقد راجت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو لسكب مياه التطهير في مجاري الأودية التي تصب في البحر في منطقة سيدي عبد الحميد مما استدعى تدخلاً من مصالح ولاية سوسة وإثارة دعوى لدى النيابة العمومية لتحديد المسؤوليات، إلا أن مهرجان "أوسو" الذي ينتظم في غضون هذه الأيام بمدينة سوسة يستقطب بدوره عشرات الآلاف من التونسيين وكشف بالتزامن مع فقراته الاحتفالية عن توافد الآلاف من الجزائريين مما يسعف هذا الموسم الذي يمتد إلى أواخر شهر سبتمبر/أيلول 2025.

الكلمات المفتاحية

لماذا تثير العقوبات المطبقة على مخالفات الفوترة الإلكترونية الجدل في تونس؟
الإدارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية، كانت قد أكدت، أنه تطبيقًا لأحكام الفصل 71 من قانون المالية لسنة 2025، ينطلق بداية من غرة جويلية/يوليو 2025، تطبيق العقوبات الخاصة بنظام الفوترة الإلكترونية، وذلك في إطار دعم الامتثال للواجبات المتعلقة بنظام الفوترة الإلكترونية.

اقتصاد تونس 2025.. النمو الأضعف عربيًا ومؤشرات تستوجب المراجعة
المنظمة الوطنية لرواد الأعمال: سنة 2025 كشفت عن جملة من المؤشرات الاقتصادية اللافتة التي تستوجب المراجعة قبل دخول سنة 2026، وسنة 2026 يجب أن تكون سنة تصحيح اقتصادي حقيقي، قوامه رفع نسق النمو، خفض البطالة، الحفاظ على استقرار الأسعار

اقتصاد الريع في تونس.. مسار متواصل بعد 15 سنة من الثورة
المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي لـ"الترا تونس": اقتصاد الريع يخلق شرخًا اقتصاديًا وتفاوتًا بين من هم قريبون من السلطة ويتمتعون بالامتيازات وبين من هم من عامة الشعب وليس لهم حق الانتفاع بهذه الامتيازات

قصر الجم يحتضن الأيام الرومانية يومي 28 و29 مارس 2026
تُقام الدورة التاسعة من تظاهرة "تيسدروس، الأيام الرومانية بالجم" يومي 28 و29 مارس/آذار 2026 بالمسرح الروماني بمدينة الجم من ولاية المهدية

تونس بطلة دورة شمال إفريقيا لكرة القدم لأقل من 16 سنة إثر فوزها على الجزائر
حملت ثلاثية المنتخب التونسي الذي توّج ببطولة شمال إفريقيا لأقل من 16 سنة، توقيع محمد علي القهماري في الدقيقة 4 ومحمد حامد رسلان في الدقيقة 9 ومحمد عثمان بن حسين في الدقيقة 56

حزب العمال: ندين التعطيل السياسي والقضائي لمسار كشف حقيقة اغتيال شكري بلعيد
حزب العمال: الأحكام الابتدائية والاستئنافية شملت المتّهمين بالتنفيذ دون إماطة اللثام عمّن أمر وخطّط وحرّض وتستّر على اغتيال شكري بلعيد.. والحقيقة الكاملة حول هذه الجريمة بمختلف حلقاتها لم تظهر حتى الآن

"قرار تاريخي".. هيئة المحامين تُقر ترسيم 7 من القضاة المعفيين
كشف رئيس هيئة المحامين بتونس، سفيان بالحاج محمد، في تصريح لـ"الترا تونس"، عن "قبول ترسيم سبعة من القضاة المعفيين بجدول المحاماة المباشرة، فيما تم رفض ثلاث طلبات أخرى لعدم توافر الشروط المطلوبة وفق النظام الداخلي للهيئة". وأوضح بالحاج محمد أن "الطلبات المقبولة تتعلق بقضاة تم إعفاؤهم منذ سنة 2023، إضافة إلى قاضٍ واحد تم إعفاؤه منذ سنة 2011"، مؤكدًا أن "القرار يأتي…

