ultracheck
مجتمع

الزطلة في تونس.. "مخدّر مُستهان به" يهدد الصحّة العقلية والخصوبة

16 يوليو 2025
مختصّون: "الزطلة" تهدّد الخصوبة والإعلام ساهم في التطبيع مع الإدمان
طبيب نفسي ومختص في علاج الإدمان لـ"الترا تونس": الزطلة ليست مجرد نبتة تُدخَّن للراحة، هي مادة تُغيّر الدماغ على المدى الطويل (تصميم الترا تونس)
إيمان السكوحي
إيمان السكوحيصحفية من تونس

"كنت أشتمّ رائحة غريبة في غرفته، أصبح أكثر انزواءً وكره حتى الاجتماعات العائلية، وحتى أنّه أصبح يطلب مبالغ مالية كبيرة مقارنة بالعادة"، هكذا تحدّثت محرزية عن التغيّر المفاجئ الذي طرأ على سلوك ابنها، والذي كان يخفي وراءه ما وصفته لـ"الترا تونس" بـ"المصيبة" التي حلّت بعائلتها.

من حيّ التضامن، إحدى أكثر المناطق اكتظاظًا وتهميشًا في العاصمة تونس، تروي الأمّ تفاصيل الصدمة التي غيّرت مجرى حياتها وأربكت تماسك أسرتها. فابنها، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة، يستهلك مادة القنب الهندي، المعروفة شعبيًا بـ"الزطلة".

هي أمّ لطفلين، كانت تحاول أن تحافظ على توازن البيت وسط ظروف معيشية خانقة. تقول إنها لم تكن تتخيّل يومًا أن ابنها قد ينجرف نحو المخدرات، لكنها رصدت تغيّرات سلوكية مقلقة: انفعالات، غياب عن المدرسة، وسرقات صغيرة متكرّرة داخل البيت. وفي لحظة ما، لم يعد بإمكانها تجاهل الإشارات.

وتتذكّر محدّثتنا اللحظة التي اكتشفت فيها الأمر قائلةً: "كنّا في زيارة عائلية وتركناه وحده بالمنزل، ولم يكن يتوقّع أن تكون عودتنا سريعة. وعندما دخلت غرفته، وجدته يدخّن سيجارة غريبة الشكل، وكان ارتباكه كبيرًا".

أم لطفلين لـ"الترا تونس": كنّا في زيارة عائلية وتركناه وحده بالمنزل، ولم يكن يتوقّع أن تكون عودتنا سريعة. وعندما دخلت غرفته، وجدته يدخّن سيجارة غريبة الشكل، وكان ارتباكه كبيرًا

في غمرة الصدمة، أسرّت لزوجها بما اكتشفته، لكن ردّ فعله كان قاسيًا، وحمّلها كلّ المسؤوليّة عمّا حصل، معتبرًا أنها ربّته مدلّلًا ومتسيّبًا، وكأنّ التربية مسؤوليّة أحادية لا دخل له فيها.

لم يتردّد الزوج، وفق روايتها، في استعمال العنف الجسدي مع ابنه، الذي لم يتحمّل الأمر فهرب إلى منزل جدّته. وتقول الأم إنها لم تنم لأيام طويلة، وكانت تتنقّل بين بيتها وبيت والدتها للاطمئنان عليه. وقد تطلّب الأمر منها مجهودًا كبيرًا لإعادته إلى البيت ومحاولة استرجاع التوازن داخل الأسرة.

صورة غيتي
اضطرّت الأم إلى تغيير مقرّ سكنها، أملًا في أن تجد مكانًا أكثر أمانًا لأبنائها (يوليس روزير/Getty)

اضطرّت محرزية إلى تغيير مقرّ سكنها والخروج من الحيّ الشعبي، أملًا في أن تجد مكانًا أكثر أمانًا لأبنائها. وتعتبر نفسها ناجية من كارثة، لكن كثيرات غيرها لا يجدن من يسمع أو من يساند. ورغم أن الفتى وعدها بألّا يُكرّر الأمر، إلا أنها تؤكّد لـ"الترا تونس" أن الخوف من الانزلاق مجددًا لا يفارق تفكيرها.

الشباب والمخدرات في تونس: بين واقع مفزع ومعالجة غائبة

"لا نحتاج إلى أرقام لتُقنعنا بخطورة الظاهرة، الواقع يكشف وحده حجم الكارثة"، هكذا افتتح سامي نصر، أخصائي علم الاجتماع، حديثه لـ"الترا تونس" عن استفحال تعاطي المخدرات بين المراهقين والشباب في تونس.

"في السنوات القليلة الماضية، تضاعفت نسبة استهلاك المخدرات بشكل صادم. أربع سنوات فقط كانت كافية لمضاعفة الأرقام ثماني مرات" وفق ما كشفه نصر الذي يرى أن الأرقام اليوم تمثل مؤشّرات حارقة تكشف عمق الأزمة، وفق تعبيره.

لكن الأسوأ من ارتفاع النسب، هو ما أسماه "تطبيع السلوك الإدماني" داخل الثقافة اليومية وشرح الأخصائي: "المجتمع صار يتعامل مع المخدرات، خاصة الزطلة، كأمر عادي. بل إن وسائل الإعلام نفسها تسهم في خلق نوع من التطبيع مع هذه السلوكيات، عبر تقديمها بشكل مثير أو هزلي، وكأن الأمر لا يستدعي القلق".

أخصائي علم الاجتماع لـ"الترا تونس": المجتمع صار يتعامل مع المخدرات، خاصة الزطلة، كأمر عادي. بل إن وسائل الإعلام نفسها تسهم في خلق نوع من التطبيع مع هذه السلوكيات، عبر تقديمها بشكل مثير أو هزلي

يرى نصر أن ما يحدث هو نوع من "صناعة الوعي الجماعي المزيّف"، حيث تساهم الإشاعات الرقمية ووسائل الإعلام في ترسيخ أرقام مضخّمة في الذاكرة الجماعية، مما يؤدي إلى حالة من الإحباط العام، وربما حتى "الاستسلام الأخلاقي".

يلوم سامي نصر تعاطي الإعلام مع الظاهرة، قائلًا: "تحوّلت التغطية الإعلامية إلى سباق من أجل الـ buzz، أكثر من كونها أداة للتحسيس أو البحث عن حلول".

في ظل هذا الواقع، يشدّد نصر على أن الحلول لا يمكن أن تكون جزئية أو فئوية، فالقضاء، والمؤسسة الأمنية، والمدرسة، والمجتمع المدني، وحتى الإعلام، يجب أن يعملوا جميعًا في تناغم، وبنفس الخطة، وبنفس الهدف، وفق تعبيره.

في ختام حديثه، يوجّه سامي نصر نداءً للأولياء: "راقبوا سلوك أطفالكم. تغيّر في الكلام، في عادات النوم، في التفاعل، قد يكون مؤشرًا أوليًا على بداية الانزلاق"، مؤكدًا أن الذهاب إلى المختصين النفسيين أو إلى مراكز معالجة الإدمان ليس وصمة، بل خطوة شجاعة لإنقاذ المستقبل.

الزطلة: المخدّر "المُستهان به" يهدد الصحّة العقلية والخصوبة

"الزطلة ليست مجرد نبتة تُدخَّن للراحة، هي مادة تُغيّر الدماغ على المدى الطويل"، بهذه العبارة الحاسمة، يفتتح الدكتور أنس لعويني، الطبيب النفسي والمختص في علاج الإدمان، حديثه عن التأثيرات المقلقة لمادة القنب الهندي، خاصة على فئة المراهقين.

يشير الدكتور لعويني إلى أن الزطلة تحتوي على مادة فعالة تُعرف باسم THC (Tetrahydrocannabinol)، وهي المسؤولة عن التأثيرات النفسية والجسدية لدى المتعاطي. على المدى القصير، قد يشعر الشخص بنوع من النشوة، بالاسترخاء، وحتى بتغيّر إدراكي في الإحساس بالزمن أو الأصوات. لكنها لحظات مؤقتة، يخفي وراءها العقل آثارًا أكثر تعقيدًا، وفق قوله.

من بين أولى مناطق الدماغ التي تستهدفها الـTHC، نجد منطقة "الهيبوكامب"، وهي المسؤولة عن الذاكرة والتعلّم، حيث يؤكد الدكتور لعويني أن "الزطلة تُضعف الذاكرة قصيرة وطويلة المدى، وتؤثر على القدرة على التركيز، والتحليل، والتفكير المنطقي"، وهي قدرات حيوية بالنسبة للطلبة أو العاملين في مهن ذهنية. مضيفًا: "عكس ما يعتقده البعض، القنب لا يساعد على التركيز أو الإبداع… الدراسات العلمية تُظهر عكس ذلك تمامًا".

الطبيب أنس لعويني لـ"الترا تونس": الزطلة تُضعف الذاكرة قصيرة وطويلة المدى، وتؤثر على القدرة على التركيز، والتحليل، والتفكير المنطقي

كما يشرح الدكتور أنس أن الاستعمال المزمن للزطلة يُضاعف خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد جيني. ومن بين الأمراض التي قد تظهر: الاكتئاب، اضطرابات القلق، ونوبات الذهان.

وما يجعل الأمر أخطر، حسب قوله، هو أن "الاستهلاك المتكرر يُغيّر فعليًا في بنية الدماغ، ويجعل الشخص أكثر قابلية للعواطف السلبية وأقل قدرة على التفكير الواضح".

"يتحوّل التكرار إلى إدمان، ويبدأ الجسم في المطالبة بالمادة. حينها، يُصبح الإقلاع عنها صعبًا. يتحدث الدكتور عن أعراض الانسحاب التي تظهر بمجرد التوقف، مثل الأرق، التهيّج، تقلّب المزاج، الصداع، وحتى الآلام الجسدية"، وفقه، كما يوضح أن آثار الزطلة لا تتوقف عند الصحّة النفسية فقط، بل تمتدّ إلى القدرة الذهنية ومعدّل الذكاء قائلًا: "الدراسات تشير إلى انخفاض في مؤشرات الذكاء بعد سنوات من الاستهلاك، مما يؤثر على العلاقات، التحصيل الدراسي، والحياة المهنية".

صورة غيتي
تؤثر الزطلة على انتظام الدورة الشهرية والإباضة وحتى على الحمل (Getty)

أما على المستوى الجسدي، فهناك تأثير مباشر على الخصوبة لدى الرجال والنساء. لدى الذكور، تنخفض جودة وعدد الحيوانات المنوية، كما ينقص هرمون التستوستيرون، ما ينعكس سلبًا على الأداء الجنسي. أما لدى الإناث، فتؤثر الزطلة على انتظام الدورة الشهرية والإباضة، بل وحتى على الحمل، خصوصًا إذا تمّ التعاطي أثناء فترات الحمل، وفق تصريحه لـ"الترا تونس".

كما يُحذّر: "الأغلبية الساحقة من مدمني المواد الأخطر، مثل الكوكايين أو الهيروين، بدأوا مسارهم مع الزطلة"، ورغم كل هذا، فإن التعافي ممكن. الخطوة الأولى، وفق الدكتور لعويني، هي التقييم النفسي والطبي لتحديد مستوى الإدمان وتأثيراته النفسية، يليها قرار شخصي واعٍ بالإقلاع، ثم دعم عائلي واجتماعي حقيقي.

طبيب نفسي ومختص في علاج الإدمان لـ"الترا تونس": الأغلبية الساحقة من مدمني المواد الأخطر، مثل الكوكايين أو الهيروين، بدأوا مسارهم مع الزطلة

ويشدّد الدكتور على أهمية العلاج السلوكي المعرفي، الذي يُساعد على تفكيك الأفكار المُحفّزة على التعاطي، وإعادة بناء السلوكيات الدفاعية. كما يُنصح بالانضمام إلى مجموعات دعم، توفّر بيئة مشجعة وتُذكّر المريض بأنه ليس وحده.

ورغم قلة هذه المجموعات في تونس، إلا أن نتائجها مثبتة علميًا في الخارج، ويأمل الدكتور في أن تزداد مبادرات كهذه محليًا.

وأخيرًا، يُشدّد الدكتور أنس لعويني على نقطة محورية: "أخطر ما في الإدمان هو التجربة الأولى. البعض يعتقد أنها مجرّد تجربة فضولية، لكنها قد تكون بوّابة عمر كامل من المعاناة"، مذكّرًا بأن الإدمان مرض مزمن، يتطلّب متابعة دائمة حتى بعد التخلّص من التعاطي، لأن الانتكاسات تبقى واردة دائمًا.

ورغم المقاربات المختلفة من أجل التقليص من حجم استهلاك المخدّرات في صفوف الشباب، إلّا أنّ المسألة على أرض الواقع أصبحت أكثر تعقيدًا. فالعارف بخفايا الأحياء الشعبية، وحتّى داخل الأوساط المرفّهة، يستطيع ملاحظة استفحال هذه الظاهرة التي أصبحت ملاذ الباحثين عن "الزمن المعلّق"، هروبًا من واقع لم يعد يلبّي أبسط احتياجاتهم المادية والمعنوية.

الكلمات المفتاحية

من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء

من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء

تترقّب جمعية حماية واحات جمنة، مصير قضيتيْن تنظر فيهما الجهات القضائية نهاية هذا العام وبداية العام المقبل: الأولى استعجالية تتعلّق بإخلاء "الضيعة" التي تُعدّ مصدر رزق لمئات الأسر، والثانية تتعلّق بتقييم محاصيل نخيل الواحة منذ عام 2011.


وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس

وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس

أثارت وفاة الممرضة التونسية أزهار بن حميدة، التي فارقت الحياة متأثرة بالحروق التي تعرضت لها أثناء تأديتها لحصة الاستمرار الليلية بالمستشفى المحلي في الرديف، وفق ما صرح به الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، في وقت سابق لـ"الترا تونس"، موجة غضب واسعة في تونس. وأدت الحادثة إلى سلسلة من ردود الفعل من نقابات القطاع الصحي، المنظمات الحقوقية، والناشطين…


مرضى الهيموفيليا وخطر فقدان الأدوية.. العيش على حافة النزف الدائم

مرضى الهيموفيليا في تونس وخطر فقدان الأدوية.. العيش على حافة النزف الدائم

رئيسة جميعة مرضى الهيموفيليا لـ"الترا تونس": يعيش مرضى الهيموفيليا على حافة النزيف الدائم، خصوصًا في حال فقدان الأدوية اللازمة، فعامل التخثّر يجب أن يُوجد في جسدهم لذا لا بدّ أن يتوفر الدواء بطريقة لا يجب أن تنقطع، وبطريقة عادلة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. ولكن هذا غير موجود حاليًا


7 حوادث أثارت الانقسام والجدل في الشارع التونسي عام 2025

8 حوادث أثارت الانقسام والجدل عام 2025 في تونس

تقليص التوقيت القانوني لمادة التفكير الإسلامي والسجن لموقوف رفض متابعة النشاط الرئاسي في نشرة الأخبار والمخطط التنموي الخماسي 2026–2030 الخاص بمدينة المحمدية.. من بين هذه الحوادث التي أثارت الجدل على السوشال ميديا سنة 2025 في تونس

الدستوري الحر يعلن تمسّكه بوثيقة "التزام وطني" وتنظيم مسيرة يوم 18 جانفي 2026
سیاسة

الدستوري الحر يعلن تمسّكه بوثيقة "التزام وطني" وتنظيمه لمسيرة يوم 18 جانفي 2026

الحزب الدستوري الحر: نهيب بكافة القوى الحيّة في المجتمع لمساندة مسار توحيد جهود ورص صفوف الفاعلين السياسيين والمدنيين المؤمنين بالجمهوريّة والحكم المدني الديمقراطي بهدف إخراج البلاد من الأزمة الخانقة متعدّدة الأبعاد التي تتخبّط فيها

مساحات تجارية كبرى.jpg
مجتمع

اتحاد الشغل: زيادة في أجور أعوان المساحات التجارية الكبرى بعنوان سنة 2025

تم الاتفاق على تسوية هذه التسبقة على الأجر لاحقاً عند صدور الأمر المتعلق بالزيادة في الأجور طبقًا لأحكام الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026، وذلك وفقًا لصيغ محددة


وزارة الصحة
مجتمع

رابطة حقوق الإنسان: نقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة في انتهاك صارخ للحق في الصحة

رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان: تونس تعيش اليوم انهيارًا متسارعًا ومقلقًا للمنظومة الصحية العمومية، في ظل عجز الدولة الواضح عن الإيفاء بالتزاماتها الدستورية والقانونية في ضمان الحق في الصحة و العلاج

عجز تجاري صادرات واردات فتحي بلعيد أفب Getty
اقتصاد

العجز التجاري لتونس يناهز 22 مليار دينار موفّى ديسمبر 2025

المعهد الوطني للإحصاء: بلغت الصادرات التونسية مع الاتحاد الأوروبي خلال سنة 2025 (69,9% من جملة الصادرات) ما قيمته 44527,8 مليون دينار مقابل 42862,3 مليون دينار خلال سنة 2024.

الأكثر قراءة

1
مجتمع

هيئة الصيادلة لـ"الترا تونس": تعطّل التزود بعدة أدوية لا بديل لها في تونس


2
مجتمع

انهيار جزء من سور مدرسة زعفرانة بالقيروان إثر انزلاق شاحنة


3
مجتمع

رابطة حقوق الإنسان: تسريح عمال بشركة لصناعة مكونات الطيران يضرب الحق النقابي


4
رأي

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ


5
سیاسة

السالمي: الإضراب العام انتهى عمليًا وآجال البت في استقالة الطبوبي تنقضي قريبًا