الرئيس وحديث ثورة مملّ ولا ينضب
22 فبراير 2026
مقال رأي
لا يخلو المعجم الخطابي للرئيس قيس سعيّد من الحديث عن لزوم إحداث ثورة في كل مجال آخرها تأكيده عند استقباله رئيسة الحكومة أن "تونس اليوم ليست في حاجة لتُواصل معركة التحرير الوطني إلى ثورة تشريعية فحسب بل إلى ثورة إدارية مشفوعة بأخرى ثقافيّة". هذه دعوة مكرّرة لثورة ثلاثية الأبعاد بعد 25 جويلية/يوليو 2021، بوصفه أصلًا تاريخ "تصحيح الثورة بل تصحيح مسار التاريخ" على نحو ما كتبه الرئيس في توطئة الدستور الذي كتبه بنفسه.
ولكن من المهمّ العودة للبداية. يوم أداء الرئيس اليمين الدستورية يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019 أمام البرلمان، الذي حلّه لاحقًا خارج الدستور، اعتبر أن الشعب التونسي بانتخابه "أذهل العالم" وأنه "قام بثورة حقيقية في إطار الشرعية" واصفًا إياها بأنها "ثورة ثقافية غير مسبوقة". وقتها بدا التوصيف مثيرًا للانتباه. فـ"الثورة الثقافية" تحيلنا دائمًا لمفهوم مركزي في الكراسات الشيوعية الماوية وهي ثورة البروليتاريا الثقافية التي قادها ماو تسي تونغ في الصين، وبما بما تحمله من دلالات القطع الجذري مع البنى القائمة وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أيديولوجية شاملة.
تواتر الحديث عن الحاجة إلى "ثورة" في كل مجال يكشف ظاهريًا عن ادّعاء تصوّرات جذرية يسعى الرئيس إلى التأكيد أنّه يحملها باعتبارها الحلّ الشامل لمختلف الأزمات
من هذا المنظور، بدا احتفاء الرئيس بانتخابه بوصفه "ثورة ثقافية" مؤشرًا مبكرًا على نزعة إلى تضخيم الحدث السياسي أي حدث انتخابه وإضفاء طابع تاريخي استثنائي عليه. وهي نزعة ستتضح ملامحها لاحقًا مع تواتر مفردات "التصحيح" و"التأسيس" ولكن بالخصوص "الثورة" في خطاب الرئيس، إلى حدّ يكاد يصوّر لنا أننا أمام مشروع تحوّل حضاري شامل يقوده فرد هو التعبير الأصدق عن إرادة "الشعب العظيم".
اقرأ/ي أيضًا: 17 ديسمبر 2025.. 15 سنة على الثورة التونسية
أمّا الإحالة المتكرّرة إلى "معركة التحرير الوطني" فتندرج بدورها ضمن هذا المسار، إذ تنقل في معناها التنافس السياسي إلى مستوى المواجهة الوجودية مع عدوّ متخيّل أي "الخونة" و"العملاء" و"المتآمرين" وهو ما يعكسه أيضًا تكرار المعجم الحربي والاستنفار الدائم في خطاب الرئيس.
غير أنّ تواتر الحديث عن الحاجة إلى "ثورة" في كل مجال يكشف ظاهريًا عن ادّعاء تصوّرات جذرية يسعى الرئيس إلى التأكيد أنّه يحملها باعتبارها الحلّ الشامل لمختلف الأزمات. فمفهوم الثورة، في المخيال السياسي، ظلّ مرتبطًا بفكرة القطيعة الجذرية مع الماضي أي "العشرية السوداء" وبأدوات "ثورية" أي استثنائية بوجه عامّ.
ومن هذا الجانب، يمكن فهم تواصل فرض أدوات استثنائية في إدارة "المعركة" ومن ذلك عدم إرساء المجلس الأعلى للقضاء وإبقاء السلطة السياسية تدير بوجه مكشوف القضاء بعنوان موجبات "تطهير القضاء" ومن ثم "تطهير البلاد". الصورة مماثلة أيضًا في عدم إرساء المحكمة الدستورية باعتباره عنصرًا "غير ضروري" في المرحلة الراهنة قد تشوّش على الرئيس.
اقرأ/ي أيضًا: في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا
ويبيّن توسيع الحاجة للثورة ليشمل التشريع والإدارة والثقافة والاقتصاد عن تصوّر جذري كما ذكرنا، ولكن المعضلة أنه تصوّر غير واضح فلا تعكسه أدبيات مكتوبة ولا فكر يصدّره تنظيم كحزب ولا حتى ممارسة متناغمة. فالرئيس يتحدث عن ثورة تشريعية وهو الذي استفرد بسلطة التشريع لوحده منذ 25 جويلية/يوليو 2021 إلى حين إرساء البرلمان الجديد بداية 2023. ومراسيمه التي صدّرها تحت الأضواء خلال هذه الفترة هي مرسوم الصلح الجزائي والشركات الأهلية والمرسوم 54، فالأول انتهى لفشل إرساء آلية استرجاع الأموال، والثاني فشل في بناء نظام شركات بالشكل المأمول على نحو دفع لتنقيحه بداية هذا العام التشريعي في محاولة لإنقاذه، والثالث تحوّل لمطيّة عبر الفصل 24 لاستهداف ممنهج لحرية التعبير. ثمّ وإن كان حديث عن ثورة تشريعية اليوم، فالسؤال عن الثورة مطلوبة من الرئيس بوصفه جهة مبادرة للتشريع أم للبرلمان بوصفه جهة مصادقة عن التشريع؟
استدعاء الثورية والحاجة إلى توسيعها لتشمل كل المجالات، لا يعكس برنامجًا سياسيًا وعمليًا بقدر ما يتمثّل عنوانًا في خطاب تعبوي يعد الناس بأن التحوّل الموعود لم يكتمل بعد
أما الثورة الإدارية فهو مفهوم ملتبس وهو يفترض أنه مرحلة متقدمة نوعيًا عن مفهوم الإصلاح الإداري الذي دائمًا ما ترفعه الحكومات بعد الثورة. ثورة تقتضي تغييرات جوهرية في آليات عمل الإدارة وفي تنظيمها وهو ما لا نجده أي مؤشرات له. فالرئيس للتذكير يقود البلاد بحكومة يتصدّرها مديرون داخل الإدارة التونسية تم توزيرهم، ورؤساء الحكومات هم أبناء الإدارة وليس معروف عنهم أي ماض سياسي. فهو إذن يريد ثورة إدارية في وزارات لا يقودها وزراء يحملون تصورات تجديدية أو ثورية من خارج الإدارة أو ينزّلون تصوّرات سياسية. في حين أنّ الرئيس ينتقد أولئك "المتآمرين" داخل الإدارة الذين يعطّلون إنجاز المشاريع ويتهمهم خفية بخدمة أجندات مشبوهة. فاتهام "التآمر" المعلن والخفي يشمل الجميع. لكن لو نتجاوز كل ذلك، فلا يجب أن ننسى أيضًا أن الرئيس يقود البلاد منفردًا منذ نحو خمس سنوات وغيّر خلالها عديد رؤساء الحكومات بمعدل رئيس حكومة كل عام تقريبًا. فهل هذا التغيير الدائم هو عنوان فشل حكومات الرئيس أم فشل الرئيس نفسه؟
بالنهاية، إنّ الثورة الإدارية تقتضي رؤية سياسية واضحة، ونخبًا تنفيذية حاملة لمشروع التغيير واستقرارًا مؤسساتيًا يسمح بتنزيل الثورة، وهي جميعها غير متوفرة بما يفرغ المصطلح من مضمونه ويجعله أقرب إلى شعار تعبوي. المسألة ذاتها بخصوص "الثورة الثقافية". يكفي هنا أن نذكّر أن الرئيس عيّن موسيقية وزيرة للثقافة، وعدا مسيرتها الحافلة في ميدانها بوصفها محترفة مخضرمة، فلا يُعرف عنها أي مشروع ثقافي شامل. الرئيس نفسه لا نعرف له أي مشروع ثقافي البتّة.
بالمحصّلة، إنّ حديث الرئيس المكرّر عن الثورات في كل المجالات بات حديثًا دون معنى جدّي، أي أنه فاقد لمعناه بسبب خواء مضمونه، بل تحوّل حقيقة لمثال للإفراط البلاغي في خطابات الرئيس. فاستدعاء الثورية أي الجذرية لا يعكس برنامجًا سياسيًا وعمليًا بقدر ما يتمثّل عنوانًا في خطاب تعبوي يعد الناس بأن التحوّل الموعود لم يكتمل بعد. بالنهاية، كثرة الحديث عن الثورة في التشريع والاقتصاد والإدارة وإلخ في خطابات الرئيس بين الفينة والأخرى تجعلنا نستذكر الصورة الساخرة من تكرار لفظ الثورة في مسرحية "الزعيم". "وإنها لثورة حتى النصر"!
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
الدولة والمعطّلون عن العمل في تونس.. "ظلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضةً"
انزاح مطلب المعطلين عن العمل، بعد فض اعتصامهم بالقوّة الصلبة، مطلع شهر سبتمبر 2026، من تأمين حق العمل الكريم إلى مطلب ضمان الدولة حرياتهم العامة والفردية وهي حريات تقتضي ضمان الحق في التظاهر والاحتجاج والاعتصام السلمي.
مسيرة 17 أكتوبر.. الرهان على العمق الاجتماعي في تونس
تمثّل مسيرة السابع عشر من أكتوبر 2026 محطةً مهمة في مسار تحشيد القوى المعارضة، حزبيةً كانت أم مدنيةً. تقودها تنسيقية منظمات يتصدّرها اتحاد الشغل، وقد أعلنت ثمانية أحزاب ديمقراطية اجتماعية دعمها لها
10 ملاحظات حول تنقيح المرسوم 54.. وميض خافت لا يبدّد الظلام
"إن تنقيح المرسوم على محدوديته.. هو إقرار من السلطة السياسية صاحبة المرسوم أي رئيس الجمهورية بخطيئة إصداره بالصيغة الأصلية عام 2022، وما سبّبته من محاكمات وعقوبات سجنية شملت عديد التونسيين"
طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف مع ضباب محلي
معهد الرصد الجوي: ضباب محلي بأقصى الشمال في الصباح ثم سحب عابرة إلى طقس مغيم جزئيًا على كامل البلاد.
طقس تونس.. سحب عابرة على كامل البلاد واستقرار في درجات الحرارة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى ستتراوح عامة بين 24 و29 درجة
تونس تحيي الذكرى 63 لعيد الجلاء وسط تحضيرات لمسيرة شعبية مرتقبة
يأتي إحياء الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء في تونس هذا العام، وسط مناخ سياسي واقتصادي دقيق، يتزامن مع تصاعد المطالب السياسية والحقوقية بالحسم في ملف الموقوفين السياسيين والمحاكمات الجارية.
"الذباب الأسود" في منزل بوزلفة.. هل يهدد البيئة وحقول البرتقال؟
المنظمات المحلية والبيئية بمنزل بوزلفة، رفعت صوتها اعتراضًا على إقامة مشروع تربية الذباب الأسود وسط التجمعات السكانية، لما قد يشكله من مخاطر على صحة السكان، فضلًا عن الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالحقول الزراعية المحيطة به، بحسب ما أكده البعض منهم في تصريحات لـ"الترا تونس".