ultracheck
رأي

الرئيس والدستور والقصبة

29 مارس 2025
الرئاسة تونس أمين الأندلسي الأناضول.jpg
لا صوت يُسمع داخل "الوظيفة" التنفيذية إلا صوت رئيس الجمهورية، فلا يزاحمه أي صوت آخر ولو كان رئيس الحكومة نفسه (صورة أرشيفية/ أمين الأندلسي/ الأناضول)
كريم المرزوقي
كريم المرزوقيباحث من تونس

مقال رأي 

تأكيد متكرّر لرئيس الدولة قيس سعيّد حول ضرورة القطع مع دستور 2014 والاحتكام لدستوره الذي كتبه بنفسه لنفسه عام 2022، وبالخصوص فيما يتعلّق بدوره في ممارسة "الوظيفة التشريعية" ولزوم مسايرة الحكومة لخياراته. 

حديثٌ لا يغيب بين الفينة والأخرى عند مقابلته رؤساء الحكومات الذين بلغ عددهم حتى الآن أربعة منذ 25 جويلية/يوليو 2021 بعد إنهاء مهام كمال المدوري وتعيين سارة الزعفراني بدلًا عنه. وهو حديث يظهر أشبه بتذكير وأحيانًا كتحذير. والمعضلة هو الارتباك الناشئ بين الصلاحيات الدستورية والتسميات المستعملة والممارسة المفروضة.

ينصّ الدستور على أنّ رئيس الجمهورية يمارس الوظيفة التنفيذية بمساعدة حكومة دورها تنفيذ السياسة العامّة للدولة طبق التوجهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية. وهذه الحكومة يسيّرها رئيس ينسّق أعمالها. وهو له أن ينوب عند الاقتضاء رئيس الجمهورية في رئاسة مجلس الوزراء. والحكومة هي مسؤولة أمام رئيس الدولة. 

بالاطلاع على هذه الأحكام في باب "الوظيفة" التنفيذية ومع ما ورد في باب "الوظيفة" البرلمانية، من الواضح تركيز نظام رئاسي محض بل ينزلق للرئاسوي بالنظر للإخلال في مبدأ توازن السلط، ولكن أيضًا للممارسة السلطوية بوجه عامّ.

من البيّن أنّ الرئيس سعيّد يريد أن يقود المركب لوحده فرئيس الحكومة المطلوب هو مجرّد وكيل في قصر القصبة، مهمّته تنفيذ الخيارات الرئاسية فقط

بكلّ ذلك إن استعمال تسمية رئيس الحكومة لم يكن مناسبًا، فهذه التسمية ترتبط بالأنظمة البرلمانية أو شبه البرلمانية التي يمتاز فيها رئيس الحكومة المنتخب برلمانيًا بصلاحيات واسعة. في حين أنه في الأنظمة الرئاسية يتم استعمال تسمية الوزير الأوّل على غرار النظام الفرنسي، أو قد يغيب هذا المنصب برمّته على غرار الولايات المتحدة والبرازيل وتركيا. كان المفروض على سعيّد على الأقل إعادة استعمال تسمية الوزير الأول المعمول زمنيْ بورقيبة وبن علي. فمواصلة استعمال تسمية رئيس الحكومة المنبثقة من دستور 2014 مثيرة للإرباك والغلط.

المعضلة الأخرى هي الخلل في تطبيق أحكام الدستور الذي يقتضي أن رئيس الجمهورية يعين رئيس الحكومة، كما يعيّن بقية أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، وأن رئيس الجمهورية ينهي مهام الحكومة أو عضو منها. فبقراءة هذه الأحكام المفترض زمنيًا تعيين رئيس الحكومة وثم تباعًا يتولّى اقتراح قائمة الوزراء على رئيس الجمهورية ليعيّنهم بدوره تباعًا. والمفترض أيضًا أن إنهاء مهام رئيس حكومة يؤدي لإنهاء مهام الحكومة نفسها باعتبار أن الفصل 102 يتحدث أولًا عن إنهاء مهام الحكومة وثانيًا عن إنهاء مهام أعضائها تلقائيًا أو باقتراح من رئيس الحكومة، على نحو أن إقالة رئيس الحكومة هو بالضرورة إقالة للحكومة برمّتها التي تم تعيين أعضائها باقتراح من المُقال نفسه باعتبار أنّ الدستور لم يتحدث عن صورة ثالثة مستقلة بخصوص إقالة رئيس الحكومة. 

ولكن ممارسة الرئيس دأبت على تغيير رئيس الحكومة الواحد تلو الآخر دون إنهاء مهام الحكومة بل يواصل المعيّن الجديد العمل مع الوزراء المفترض، نصًا على الأقل، أنهم مقترَحُون من المُقال وذلك على غرار المسجّل في آخر مناسبة بعد إقالة المدوري.

وملاحظة أخرى أن الدستور تناول مجلس الوزراء باعتبار أن رئيس الحكومة له أن ينوب رئيس الجمهورية عند الاقتضاء في رئاسته، وهو ما يعني ضمنيًا أن الأصل هو تولّي ذلك من رئيس الدولة، ولكن تطبيقيًا الصورة معكوسة، إذ لا يتولّى سعيّد رئاسة مجلس الوزراء إلا مناسباتيًا. 

وأي رئيس حكومة معيّن، في الأثناء، تكاد تنعدم أي فرصة له في التواصل المباشر كإجراء حوار صحفي أو عقد ندوة صحفية، وتتبيّن التبعية الاتصالية لرئاسة الحكومة هو في اكتفائها دائمًا بإعادة نشر ما تنشره رئاسة الجمهورية كلما تم استقبال رئيس الحكومة. 

لا يوجد إلا رئيس واحد والبقيةُ جميعهم مرؤوسون، فهو وحده الذي يتكلّم متى شاء وكيفما شاء دون أن يُسأل، أما من يوجد في القصبة فهو صامت يُكتفى بنشر صوره بين الفينة والأخرى فقط

ولا أعتقد أصلًا أن التونسيين يستذكرون صوت رئيسة الحكومة السابقة نجلاء بودن التي تولّت منصبها لزهاء عامين، ولا من لحقها أحمد الحشاني وثم كمال المدوري ولا الآن الزعفراني، ولو كان على الأقل عند تسلّم المهام، أي ولو كانت كلمة بروتوكولية ليعرف التونسيون على الأقل صوت من يسيّر حكومتهم. فلا صوت يُسمع داخل "الوظيفة" التنفيذية إلا صوت رئيس الجمهورية، فلا يزاحمه أي صوت آخر ولو كان رئيس الحكومة نفسه. لكن هل يا ترى يوجد أيضًا منع رئاسي صريح لإجراء أي رئيس الحكومة لحوار مع وسائل الإعلام المحلية تكريسًا لحق المواطن في المعلومة والمساءلة عبر الصحافة؟ هذه معضلة أخرى.

من البيّن أنّ الرئيس سعيّد يريد أن يقود المركب لوحده فرئيس الحكومة المطلوب هو مجرّد وكيل في قصر القصبة. مهمّته هي تنفيذ الخيارات الرئاسية فقط. وكان الأسلم ليس فقط اعتماد تسمية الوزير الأول بل ربّما العودة للفترة البورقيبية الأولى، التي يعرفها سعيّد جيدًا، حينما كان رئيس الدولة هو قائد الفريق الذي يحكم ويسود لوحده ومن خلفه كتاب للدولة. أعتقد هذا النموذج هو الأكثر تطابقًا مع ما يريده الرئيس اليوم. فلا يوجد إلا رئيس واحد، والبقيةُ جميعهم مرؤوسون. فهو وحده الذي يتكلّم متى شاء وكيفما شاء دون أن يُسأل في أي حوار صحفي، أما من يوجد في القصبة فهو صامت يُكتفى بنشر صوره بين الفينة والأخرى فقط. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

العفو الدولية تونس جاسر عيد الترا تونس

الوحدة في مواجهة الاستبداد.. الممكن وغير الممكن تونسيًا

"صورة تشبيه الرئيس قيس سعيّد بالرئيس السابق زين العابدين بن علي التي استأثرت بالنقاش إثر آخر مسيرات المعارضة بدا من المهمّ رفعها.."


ملعب رادس حسن مراد Getty DeFodi

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ

"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."


احتجاجات ANDREAS SOLARO أ.ف.ب.jpg

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا

"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."


وحدة المدني والأهلي في انتفاضة مدينة قابس البيئية

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!

"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

أضرار جسيمة تلحق بالقطاع الفلاحي بنابل جرّاء التقلبات الجوية وانزلاقات تعزل عشرات الفلاحين
مجتمع

اتحاد الفلاحة بنابل لـ"الترا تونس": أضرار جسيمة لحقت بالقطاع الفلاحي جرّاء الأمطار

تسبّبت الأمطار والفيضانات الأخيرة بولاية نابل في أضرار واسعة طالت القطاع الفلاحي والبنية التحتية، ما أدّى إلى عزل عشرات الفلاحين عن مستغلاتهم الفلاحية، خاصة بمعتمديات الهوارية وتازركة وقربة ومنزل تميم، وفق تصريح رئيس الاتحاد المحلي للفلاحة والصيد البحري بنابل، سليم الزواري لـ"الترا تونس"

 إضراب عام حضوري بالمؤسّسات التربوية
مجتمع

إضراب حضوري بجميع المؤسسات التربوية بقفصة

دخل جميع أسلاك التربية بولاية قفصة يوم الخميس 22 جانفي 2026، في إضراب حضوري وذلك تنفيذًا لقرار المجلس الجهوي المشترك لكافة أسلاك التربية المنعقد بدار الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة بتاريخ 17 جانفي 2026


غرق بحار جربة
مجتمع

نقابة البحّارة بطبلبة لـ"الترا تونس": العثور على جثة أحد البحّارة المفقودين

أفاد رئيس نقابة البحّارة بطبلبة، عدنان النقبي، يوم 22 جانفي 2026، في تصريح لـ"الترا تونس" بالعثور على جثة أحد البحّارة الذين كانوا في عداد المفقودين، في عملية مشتركة بين الجيش التونسي والبحارة والحرس البحري، على مستوى جزيرة قورية

وزارة التجهيز تعلن استرجاع حركة الجولان بعدة طرقات مع تواصل الغلق الجزئي بأخرى
مجتمع

بعد السيول الأخيرة.. استئناف تدريجي للدروس ولحركة الجولان

غلق مؤقت للطريق المحلية الرابطة بين مدينة تازركة مرورًا بمدينة الصمعة في ولاية نابل، واستئناف تدريجي للجولان على خطوط الشبكة الحديدية في تونس الكبرى

الأكثر قراءة

1
مجتمع

انهيار 5 مبانٍ آيلة للسقوط في باب سويقة وإخلاء أخرى بتونس المدينة


2
مجتمع

محامٍ لـ"الترا تونس": تحديد موعد الحسم في القضية ضدّ المجمع الكيميائي بقابس


3
مجتمع

الخميس.. تواصل تعليق الدروس في بنزرت وبعض المعتمديات في نابل


4
مجتمع

قائمة محينة للطرقات المقطوعة في عدد من الولايات إثر الأمطار الغزيرة


5
منوعات

معهد الرصد الجوي: طقس تونس سيشهد تحسّنًا ملحوظًا قبل تسجيل تقلبات جديدة