ultracheck
میدیا

الخُطيفة.. مسلسل يُصالح المتفرج التونسي مع الدراما الرمضانية

5 مارس 2026
مسلسل الخطيفة تونس رمضان 2026
"مسلسل "الخُطيفة" تحوم قصته حول قيمتين أخلاقيتين أساسيتين وهما قيمة الحب وقيمة الأمومة.." (المعلقة الرسمية للمسلسل)
رمزي العياري
رمزي العياري صحفي من تونس

"العشرية الانتقالية " التي عاشتها تونس منذ الثورة إلى اليوم لم يكن تأثيرها على الحياة السياسية فحسب كما يبدو ذلك للعيان، بل أثّرت على حياة التونسيين في كل جوانبها وأبعادها بما في ذلك قطاعات الثقافة والميديا والفنون والآداب والفكر والإبداع. فاصطبغت الأعمال الفنية بهذه المرحلة بكل ما حملت أيامها من متغيرات وإيقاع نفسي لشخصية التونسي الفرد والمجموعة، وحصلت قطائع إبستيمية تشبه الشروخ الفاصلة بين الضفاف في أغلب المجالات الإبداعية.

من ذلك مثلًا "المسلسلات التلفزيونية الموسمية" التي تأتي مع روائح شهر رمضان المعظم والتي يعتبرها البعض في تونس جزءًا من هوية رمضان وشكلًا من أشكال إقامته الخفيفة بيننا، فالمسلسلات التلفزية الرمضانية التي عُرضت في العشرية الأخيرة وصفت بأنها ترجمان وانعكاس للواقع التونسي المعتمل، الهادر، المتغيّر، المتعفن، الحالم.

هي أعمال مفاجئة ومباغتة في مواضيعها وزواياها حتى أنه ثمة إجماع شعبي في تونس بأنها أعمال  مفرطة التعرية لا تشبه في طروحاتها الجمالية ما تربى عليه ذوق التونسي منذ سبعينيات القرن الماضي إلى نهاية التسعينيات على غرار أعمال "الخطاب على الباب" و "الدوار" و"الحصاد" و"العاصفة" و"الليالى البيض" و"حسابات وعقابات" و"منامة عروسية" و"قمرة سيدي محروس".

 لكن وفي أواسط العشرية الأولى من الألفية الجديدة عرف هذا الإنتاج الإبداعي الرمضاني لحظة فاصلة بين زمنين إبداعيين وذلك مع دخول زمن مسلسلات سامي الفهري صاحب قناة "التونسية" في البداية و"الحوار التونسي" الآن، وهي أعمال درامية أخرجها الفهري نفسه وعُدّت صادمة بالنسبة للمشاهدين في رمضان  على غرار "مكتوب" و"أولاد مفيدة"، واعتبر ذلك تحولًا جذريًا في تاريخ إنتاج المسلسلات الدرامية التونسية وقطع مع نوع مسلسلات النوستالجيا والدراما الاجتماعية الهادئة التي يقدمها التلفزيون العمومي التونسي. 

مسلسل "الخُطيفة" تحوم قصته حول قيمتين أخلاقيتين أساسيتين وهما قيمة الحب وقيمة الأمومة.. وقد قادت فريق إخراجه سوسن الجمني التي عرفها المتلقي في أعمال "فوندو" و"الفلوجة" و"الفتنة". وهي أعمال اعتُبرت مثيرة وصادمة واستفزازية للمتفرج التونسي

واندلع نقاش لم يهدأ إلى الآن بين من يرى أن المسلسلات التي تَربّت عليها الذائقة التونسية في رمضان هي مسلسلات ذات طرح كلاسيكي مجانب للواقع الحقيقي الذي يعيشه التونسيون. وبالتالي لا بد من الذهاب بعيدًا وقبول مسلسلات جديدة تتناول المشاغل الحقيقية للمجتمع.

خلال شهر رمضان الحالي، تعددت الأعمال الدرامية التلفزيونية على قنوات القطاعين العام والخاص واختلف التونسيون كعادتهم حول المواضيع المطروقة والمخرجين والجهات المنتجة وتخيّر الممثلين وأمكنة التصوير ومدى تمكن الممثلين من تقمص الشخصيات في المسلسلات وإتقانهم للهجات.

ومن الأعمال الدرامية التلفزيونية التي سنتطرق إليها من خلال هذه الورقة مسلسل "الخطيفة" الذي بث في النصف الأول من الشهر الكريم على قناة الحوار التونسي وقادت فريق الإخراج سوسن الجمني والتي عرفها المتلقي في أعمال "فوندو" و"الفلوجة" و"الفتنة". وهي أعمال اعتُبرت مثيرة وصادمة واستفزازية للبنية المشاعرية للمتفرج التونسي لأنها أضاءت بأسلوب مقعّر حول قضايا من المسكوت عنها في اللاوعي الفردي والجمعي مثل قضايا العنف المدرسي والزواج العرفي.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل فلوجة.. من الإثارة إلى الوعظ ومن التشويق إلى تخييب التوقّع

"الخطيفة" في المخيال الشعبي التونسي هو طائر مهاجر "مقدس" لأنهم يعتقدون بأنه رافق النبي محمد أثناء هجرته إلى المدينة، وظهوره يبشر بقدوم الربيع وكثافة أسرابه في السماء علامة على قدوم المطر. ويفسح له التونسيون مساحات في أسطح بيوتهم حتى يبني أعشاشه الطينية ويكرمونه بدهن ظهره بزيت الزيتون ليزداد ريشه لمعانًا، وهو طائر يعود إلى أعشاشه الأولى ولو بعد سنوات من الغياب.

هذه العلامات السيميائية وخاصة علامة العود والظهور الفجئي هي المقصودة في تخير عنوان مسلسل الخطيفة الذي ألفته سندس عبد الرحمان على مستوى السيناريو والحوار، فثمة إشارة خفية في العنوان تشي بغياب ما وظهور ما. والعنوان بات بمثابة الخيط الرفيع الذي يستدل به المتلقي طيلة متابعته للحلقات.

منذ الحلقة الأولى يوضع كل شيء على طاولة المتفرج "قصة ضياع الصبي يوسف في سوق القرية في غفلة من أمه وهو يطارد حمامة بامتلاء الدهشة"، يبدو هذا الحدث عاديًا، بل هو من كلاسيكيات القصص التي عادة ما يُبنى حولها السرد الدرامي سواء التلفزي أو السينمائي. لكن البناء في الخطيفة كان مغايرًا وحملنا إلى تفاصيل عاطفية وجمالية ما كنا لنتمثلها لو لم نشاهد هذا العمل الإبداعي.

استطاعت المخرجة سوسن الجمني أن تكتب قصة مرئية جاذبة باحترافية كُتّاب الرواية، وأداتها المثلى في ذلك هي التشويق.. كما كان "الكاستينغ" أو تخير الممثلين في مسلسل الخطيفة مدروسًا، فهو يجمع بين الوجوه المتمرسة والآخذة في الصعود

استطاعت المخرجة سوسن الجمني أن تكتب قصة مرئية جاذبة باحترافية كُتّاب الرواية، وأداتها المثلى في ذلك هي التشويق وهو الذي خاطت به كل عمليات التقطيع والتركيب، تلك المرحلة الهامة التي تحدث بعد التصوير فهي تدرك ما تريد عين المتلقي.

"الكاستينغ" أو تخير الممثلين في مسلسل الخطيفة كان مدروسًا، فهو يجمع بين الوجوه المتمرسة والخبيرة مثل كمال التواتي وريم الرياحي والممثلة العائدة "لمياء العمري" والصادق حلواس ومنجية الطبوبي ولطيفة القفصي ومحمد الداهش، والوجوه الآخذة في الصعود مثل محمد مراد والعائد أيضًا غانم الزرلي وأميمية بن حفصية والمغني "النوردو" وعزة سليمان وفارس عبد الدايم وآية بالآغة.

أما تقمصهم للأدوار فيمكن تفسيره وتقسيم درجاته وقراءته بالعودة إلى مسائل ثلاث وهي: الموهبة الأصلية للممثل وثقافته وطول خبرته وطبيعة الشخصية المتقمصة، وفي هذا السياق يبقى أداء الممثلة "لمياء العمري" ماتعًا ومميزًا في هذا العمل الدرامي الرمضاني وهي تؤدي شخصية الأم "خديجة"، فقد أغدقت على الدور من روحها ووفرت له عاطفة بلا ضفاف.

تحوم قصة مسلسل الخُطيفة الكلاسيكية المشوقة حول قيمتين أخلاقيتين أساسيتين وهما قيمة الحب التي تبدو طاغية في الأحداث المؤثثة للحلقات، فمشاهد الحب والارتباط والانجذاب وفيرة بشكل لافت حيث أحصينا أربع قصص حب في هذا العمل. أما القيمة الثانية فهي الأمومة الطاغية والجارفة وما حف بها من تفاصيل تهم الإنجاب والعقم وتربية الأبناء.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسلات رمضان 2026 في تونس.. تنافس شديد في سباق الدراما

فإعلاء الأم والمحافظة على مكانتها في العائلة يعيد للمجتمع بريقه ووهجه بعد المآزق الأخلاقية التي عاشها جراء تخيّر العائلة النواة، بدل العائلة الممتدة التي تكون فيها للأم مكانة محورية. وكلا القيمتين ضروريتان للإنسان ومن دونهما تصبح الحياة جحيمية ومليئة بكل أشكال العنف.

كما يشير مسلسل الخطيفة إلى قضية مهمة تنخر المجتمع التونسي وهي ظاهرة "الطلاق"، وما ينجر عنها من مساوئ تضرب بنية العائلة باعتبارها مؤسسة مجتمعية، كما يهدم فعل الطلاق البنية النفسية للأشخاص المطلقين ويحيل المسلسل إلى مدى انعكاس ذلك على الأبناء اللذين يواصلون حياتهم مشوهين ومعطوبين ومنكسرين.

حركة الكاميرا في الخطيفة ذات إيقاع هادئ، فهي تتنقل بين الوجوه والمشاهد بسلاسة وتنفعل مع الممثلين إذا انفعلوا وتحزن لحزنهم. كاميرا ذكية أحسنت تصوير المشاهد الليلية وخاصة المشاهد الطبيعية مما أضفى بعدًا جماليًا وشاعريًا استحسنه المتفرج.

مسلسل "الخطيفة" لسوسن الجمني عاد بالمتفرج إلى مناخات المسلسلات التونسية العائلية.. كما يمكن القول إنه تجسير للهوة التي حصلت في المسار التاريخي للدراما التونسية والتي تسببت فيها إنتاجات القطاع الخاص وخاصة أعمال قناة الحوار التونسي

أما الموسقى التصويرية التي كتبها مهدي المولهي فهي نص شعري على حدة لغوصها في ثنايا البنيات النفسية للشخصيات ولسير أحداث المسلسل فهي تلين وقت السلم وانتشار الحب في المكان، وتخشوشن وقت الشدة والانفعال.

وقد أحسن المولهي توظيف صوت لبنى النعمان في مفاصل العمل وأغاني "النوردو" التي تأتي في أوانها في لحظة اندحار الأحاسيس وتوقها للطيران بحثًا عن منطقة آمنة.

مسلسل "الخطيفة" لسوسن الجمني عاد بالمتفرج إلى مناخات المسلسلات التونسية العائلية، فهو نوع من المصالحة بين الدراما التونسية والمتلقي الواسع في رمضان، كما يمكن القول إنه تجسير للهوة التي حصلت في المسار التاريخي للدراما التونسية والتي تسببت فيها إنتاجات القطاع الخاص وخاصة أعمال قناة الحوار التونسي.   

الكلمات المفتاحية

GettyImages-1059228072_1.jpg

"الدخلاء" أو كيف فقد الصحفيون التونسيون السلطة على الصحافة؟

تعيش مهنة الصحافة في تونس حالة من الأزمة شبيهة بما تعيشه مؤسّسات أخرى توصف بالوسيطة أو بالأجسام الوسيطة (les corps intermédiaires) على غرار الأحزاب والقضاء وحتى الجمعيات. ولعلّ المؤشر الأعظم على هذه الأزمة هو دون أدنى شك تراجع ثقة المواطنين فيها. ول


GettyImages-773126135_0.jpg

الإشهار الرمضاني في تونس.. حيز زمني لبث صور نمطية

سوق الإشهار في تونس وإن حاول القائمون عليه تعزيز المحتوى وتطويره بقي رهينة الزوجة الماهرة في الطبخ، الرجل المتحكم، واللهجة المحلية التي قد لا تراعي بالنسبة للبعض خصوصية التلفزيون.


GettyImages-1157313690_0.jpg

غوص في عالم الإشهار الرمضاني في القنوات والإذاعات التونسية

نحاول الغوص في عوالم الإشهار وخاصة الإشهار الرمضاني، وهو الذي يحتكر القسم الأكبر من مجموع الإشهار الذي يبث طيلة السنة في التلفزيون والراديو التونسي على اختلاف المؤسسات. أي قانون ينظم الإشهار وأي هيكل يقوم بذلك؟ كيف يتم التنظيم والمراقبة؟


GettyImages-85595140_1.jpg

الترامبية، الماكرونية.. والسعيّدية: الوصفة الدعائية لرؤساء الجيل الرابع

منذ سنوات، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، أو ميديا الديجيتال، حقل بحث خصب للباحثين في العلوم السّياسيّة ومسبار قيس للمتابعين والمهتمّين. بل أكثر من ذلك، صارت هذه الفضاءات كلؤلؤة المشعوذين يستبصرون عبرها المآلات والتحوّلات في الأفق.

عبد الله السعيد حسن مراد Getty  DeFodi
مجتمع

عبد الله السعيد يمثل الثلاثاء للمرة الثانية أمام القضاء وسط دعوات لإطلاق سراحه

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: تضامن تام ولامشروط مع عبد الله السعيد وعائلته، وما يتعرض له يأتي في سياق تضييق ممنهج على العمل المدني وتجريم التضامن الإنساني، وندعو إلى الإفراج الفوري عنه

البارالمبي التونسي وجدي البوكحيلي يحرز ذهبية سباق ماراطون بوسطن الدولي
منوعات

البارالمبي التونسي وجدي البوكحيلي يحرز ذهبية سباق ماراطون بوسطن الدولي

الجامعة التونسية لرياضة المعوقين: سجّل وجدي البوكحيلي توقيتًا مميزًا زمنه 2:23.39، متفوقًا على أبرز ملاحقيه ومنافسيه المباشرين، البطل الإسباني والمغربي محمد أمين الشنتوف


المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية
سیاسة

منع أمين مال منظمة حقوقية تونسية من السفر.. ما القصة؟

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: منع أمين مال المنتدى من مغادرة البلاد عبر مطار تونس قرطاج، فيما كان متوجهًا للمشاركة في نشاط يتعلق بتقديم حكم محكمة الشعوب في قضايا الهجرة

خبز النخالة في تونس.. تقشف مخفي أم قرار صحي؟
فيديو

خبز النخالة في تونس.. تقشف مخفي أم قرار صحي؟

خبز النخالة يثير نقاشًا في تونس بعد قرار اعتماده وتوزيعه في الأسواق.. هل الأمر يتعلق بخبز صحي لا غير أو هناك أمر مخفي خلف ترويجه؟

الأكثر قراءة

1
مجتمع

الطريق إلى الطين.. رحلة الحرفيات مع الوجع والجمال


2
سیاسة

جدل واسع في تونس بعد مداخلة دليلة بن مبارك في البرلمان الأوروبي


3
میدیا

نقابة الصحفيين تحذّر: تصاعد خطير لخطابات الكراهية في تونس


4
مجتمع

مجمع القطاع العام باتحاد الشغل يطالب بالزيادة في الأجور لسنة 2026


5
سیاسة

نشطاء ينددون بإجراءات قضائية لحلّ عدد من الجمعيات في تونس