ultracheck
رأي

الخيط الرفيع لأيام قرطاج المسرحية

27 نوفمبر 2025
الخيط الرفيع لأيام قرطاج المسرحية
تبقى أيام قرطاج المسرحية مشيًا حثيثًا وتدبرًا فكريًا وفلسفيًا وجماليًا خطيرًا على الخيط الرفيع الذي رسمته لنفسها منذ بداية تأسيسها (صورة توضيحية من صفحة أيام قرطاج المسرحية في دورتها 26)
رمزي العياري
رمزي العياريصحفي من تونس

مقال رأي

 

عندما قاد المسرحي الراحل "المنصف السويسي" فكرة تأسيس تظاهرة "أيام قرطاج المسرحية" سنة 1983 لم يكن الأمر في سياق المماراة لتظاهرة أيام قرطاج السينمائية التي انطلقت سنة 1966، بل كان ترجمة لاعتمالات وهواجس ورؤى عديدة وانكسارات رمزية وأحلام عاتية عرفتها الحياة المسرحية من الداخل وأيضًا في علاقتها بالمجتمع. لقد كان فعل التأسيس ذاك إسنادًا لرغبة المثقف التونسي في تغيير الواقع ونحت المصير عبر تقديم بدائل جمالية ضرورية للحياة ورسم أجوبة متجددة للأسئلة الحارقة. لقد كانت "أيام قرطاج المسرحية" في سياق الرغبة الطافحة للفنان التونسي في الانخراط في بناء تصورات جديدة "للعيش المشترك" بالمعنى الفلسفي للكلمة، فالمسرحيون -باعتبارهم نخبة مناضلة في سبيل القيم الكونية والهوية الحضارية التونسية- كان لزامًا عليهم الانخراط في هذا المشروع الفكري الكبير والتأسيس لمدينة فكرية وفنية بمعمار جديد يطيب فيه التدبّر بحرية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل السلطة السياسية القائمة في تلك اللحظة التاريخية مع بداية ثمانينيات القرن الماضي تسير في نفس الخطوط التي يريدها المثقف التونسي الطامح إلى التغيير الجذري وبناء قيم جديدة؟

قد تنتهي أيام قرطاج المسرحية ذات تاريخ بتحوّلها من تظاهرة ثقافية قارية أو عالمية إلى حركة إنسانية كونية تدافع على المشترك الإنساني ومستلهمة قوتها من فعل المسرح

لم تكن السلطة في ذلك الوقت منشغلة تمام الانشغال عمّا يحدث في أفنيتها وفيما تخوض فيه النخب، بل كانت عينها مفتوحة على كل الضجيج وكل الهدوء وكل ما يقال ولا يقال.. فما كان منها إلا أن قامت بعملية إغراء شاملة لكل "الثورات الفنية" ولأصحاب التصورات البديلة من مختلف الإيديولوجيات التي رفعتها النخب في كل القطاعات الإبداعية.. فـ"تبنت" كل المقترحات ضمن السرديات الكبرى التي عاشتها تونس منذ 1956 والسنوات التي تلتها ومنها "سردية بناء دولة الاستقلال" و"سردية تونسة الثقافة" بل وتونسة كل شيء.

وعملية الإغراء تلك تُرجمت في تبني الدولة التونسية ممثلة في وزارة الثقافة للتظاهرات الكبرى التي تهم السينما والموسيقى والنشر والتراث.. وبما في ذلك تظاهرة "أيام قرطاج المسرحية" وهذا التبني المتمثل في التمويل لأنشطة التظاهرات من المال العمومي وجعله تحت إدارة الدولة هو ما اعتبره البعض عائقًا أمام الحرية المطلقة للتظاهرة كما طالب البعض الآخر باستقلاليتها عن الدولة والذهاب إلى مأسسة هذه التظاهرات حتى تحافظ على هامش حريتها وروحها الديمقراطية وجوهر الفن والإبداع داخلها.. لكنّ ذلك لم يحدث، وبقيت التظاهرات الكبرى تحت إدارة وزارة الثقافة، ومع ذلك ذهب المسرحيون التونسيون إلى أرض تظاهرة "أيام قرطاج المسرحية" يعملون فيها بمعاول الفن والخيال والخلق ويبذرون فيها الأفكار والأحلام ويشتبكون مع الواقع بأدوات أرقى الفنون وأنبلها "المسرح" ويستقدمون مسارح شبيهة من كل ثقافات العالم.. متجاوزين كل اللحظات السياسية السائدة في البلد وخارجه والانشغال بالجمال والتفلسف والتفكير والتاريخ باعتبارها أفعال سامية وباقية "بعد أن يفنى كل شيء".

اقرأ/ي أيضًا: أيام قرطاج المسرحية 2025.. يحيى الفخراني والفاضل الجعايبي في الافتتاح

وتتالت الدورات وراكمت تظاهرة أيام قرطاج المسرحية مدونتها وتاريخها ورصيدها الجمالي والفكري، فأصبحت منارًا مضيئًا راسخًا في جغرافيا المسرح العالمي لأنها تبنّت -كشقيقتها أيام قرطاج السينمائية- الدفاع عن مسرح الجنوب (طبعًا جنوب الكرة الأرضية وما تحمل هذه الكلمة من دلالات نضالية وفكرية) وهذا الوفاء لمبدئها الأساسي جعلها تتجاوز كل العوائق السياسية والأيديولوجية والبيروقراطية.. وتتجذر كنخلة سامقة في أرض الثقافة التونسية والعربية والإفريقية.

لقد أرست أيام قرطاج المسرحية طيلة تاريخها، لمسارات ودروب فنية وجمالية مسكونة بالتساؤل ومتشوفة للتغيير، نبضها في ذلك التثاقف المبني في جوهره على مبادئ "الاختلاف" والقبول بالآخر بلا عنصرية أو تمييز من أي نوع.. وهو ما جعلها في طريق عالمة وواثقة قد ينتهي ذات تاريخ بتحوّلها من تظاهرة ثقافية قارية أو عالمية إلى حركة إنسانية كونية تدافع على المشترك الإنساني ومستلهمة قوتها من فعل المسرح، ذاك الملجأ القديم الذي احتمى به الإنسان من حرقة السؤال الوجودي.  

 

صورة من عرض الافتتاح من مسرحية الملك لير ليحيى الفخراني (صفحة أيام قرطاج المسرحية في دورتها 26)

 

"أيام قرطاج المسرحية" التي تعتبرها الدولة التونسية واجهة ثقافية أساسية ضمن باقي الواجهات الثقافية التونسية الكبرى، يُبذل لها المال العمومي وتلتزم وزارة الشؤون الثقافية بتنفيذ دوراتها في موعدها وصيانة ذاكرتها من خلال التصوير والكتابة البحثية والنشر.. وفي نفس الوقت، يراها المثقف التونسي استمرارًا لما أتاه الأجداد المؤسسون وشاهدًا جماليًا خالدًا على ما حدث في المجتمع من اعتمالات وتحركات وأحداث رمزية وراصدًا دقيقًا لحركة التاريخ.. إنه الخيط الرفيع الذي تقيم فوقه هذه التظاهرة الثقافية منذ تأسيسها إلى اليوم وربما هو قدرها حتى تستمرّ.

يحمل شعار الدورة 26 لـ"أيام قرطاج المسرحية" في طياته، دعوة موسعة للنخب المثقفة في تونس والعالم ودعوة ضمنية إلى العموم قصد الالتفات مجددًا إلى قبلة المسرح وجعلها محجًا وملاذًا رمزيًا وروحيًا من قسوة ما يحدث للبشرية

تنعقد هذه الأيام في تونس الدورة 26 لمهرجان "أيام قرطاج المسرحية" (لسنة 2025) وترفع راية شعارها: "المسرح وعي وتغيير.. المسرح نبض الشارع" وبهذا الشعار البسيط الذي يبدو كزهرة برية في مواجهة رياح الشمال العاتية تعود الأيام إلى منابتها الأولى، إلى لحظة التأسيس، إلى حلقات النقاش الأولى.. كأنه عود على بدء في مشهد سيزيفي لا يُمَلّ.. فالمجتمع في حاجة دائمة إلى "فن المسرح" أو "نبض المسرح" حتى يخلّصه من أدران الحياة ويضعه في مصاف نبيل شفيف.

اقرأ/ي أيضًا: المسرح التونسي وإبستيميات ما بعد التأسيس

وإذا ما عمقنا التأمل في عبارات الشعار المرفوع لهذه السنة، نجد أنه يحمل في طياته دعوة موسعة للنخب المثقفة في تونس كما في العالم ودعوة ضمنية إلى العموم قصد الالتفات مجددًا إلى قبلة المسرح وجعلها محجًا وملاذًا رمزيًا وروحيًا من قسوة ما يحدث للبشرية من خيانات وقسوة الإبادات هنا وهناك (غزة فلسطين نموذجًا).

"أيام قرطاج المسرحية" في دورتها الـ26 تفسح المجال مجددًا أمام مسارح تونس والوطن العربي والقارة الإفريقية والثقافات البعيدة.. ثمانون مسرحية في البرمجة وهو رقم ثقيل يحمل كثافة في التجريب والتعبير والجمال والحضور النوعي للفاعلين في حقل المسرح من ممثلين ومخرجين وتقنيين وكتّاب.

تبقى أيام قرطاج المسرحية مشيًا حثيثًا وتدبرًا فكريًا وفلسفيًا وجماليًا خطيرًا على الخيط الرفيع الذي رسمته لنفسها منذ البداية سنة التأسيس في 1983 ورافقها إلى اليوم. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

العفو الدولية تونس جاسر عيد الترا تونس

الوحدة في مواجهة الاستبداد.. الممكن وغير الممكن تونسيًا

"صورة تشبيه الرئيس قيس سعيّد بالرئيس السابق زين العابدين بن علي التي استأثرت بالنقاش إثر آخر مسيرات المعارضة بدا من المهمّ رفعها.."


ملعب رادس حسن مراد Getty DeFodi

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ

"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."


احتجاجات ANDREAS SOLARO أ.ف.ب.jpg

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا

"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."


وحدة المدني والأهلي في انتفاضة مدينة قابس البيئية

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!

"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

istockphoto أمطار طقس.jpg
منوعات

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار في عدد من المناطق

معهد الرصد الجوي: أمطار متفرقة بالشمال الغربي ثم تشمل تدريجيًا أثناء الليل بقية مناطق الشمال ومحليًا الوسط والجنوب وتكون مؤقتًا رعدية

كرة اليد تونس istockphoto
منوعات

تأجيل جميع مقابلات كرة اليد المبرمجة نهاية الأسبوع في تونس

أعلن المكتب الجامعي للجامعة التونسية لكرة اليد، يوم الأربعاء 21 جانفي/يناير 2026 عن تأجيل جميع المقابلات التي كانت مبرمجة نهاية هذا الأسبوع، بمختلف الأصناف والاختصاصات، وذلك نظرًا لتواصل التقلبات الجوية وما نتج عنها من أضرار، فضلًا عن تعذّر استغلال عدد من القاعات الرياضية. وأكدت الجامعة أنه سيتم لاحقًا تحديد المواعيد الجديدة لإجراء هذه المقابلات


جبهة الخلاص عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر
سیاسة

جبهة الخلاص: عدم استباق التقلبات المناخية وغياب الاستعداد لها يعدّ تقصيرًا غير مبرّر

جبهة الخلاص الوطني: "التقلّبات المناخية ولئن كانت قوّة قاهرة لا يمكن دفعها، فإنّ تطوّر وسائل الرّصد وتبادل المعلومات يجعلان عدم الاستباق وغياب الاستعداد النّاجز والملائم تقصيرًا غير قابل للتّبرير".

القضاء القانون فتحي بلعيد أ فب Getty
مجتمع

تعليق الجلسات القضائية في عدة محاكم تونسية بسبب سوء الأحوال الجوية

قرر عدد من الفروع الجهوية للمحامين في تونس تعليق جميع الجلسات بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على مستوى عدة ولايات، وذلك يوم الأربعاء 21 جانفي 2026، نظرًا لسوء الأحوال الجوية التي تشهدها البلاد، وفقهم

الأكثر قراءة

1
مجتمع

انهيار 5 مبانٍ آيلة للسقوط في باب سويقة وإخلاء أخرى بتونس المدينة


2
مجتمع

الخميس.. تواصل تعليق الدروس في بنزرت وبعض المعتمديات في نابل


3
مجتمع

قائمة محينة للطرقات المقطوعة في عدد من الولايات إثر الأمطار الغزيرة


4
منوعات

معهد الرصد الجوي: طقس تونس سيشهد تحسّنًا ملحوظًا قبل تسجيل تقلبات جديدة


5
ثقافة وفنون

من بينهم أحلام ووائل جسّار.. فنانون يتضامنون مع تونس إثر سيول عنيفة