الخطاب السياسي في تونس زمن الكورونا: تخبط ونزاع صلاحيات

الخطاب السياسي في تونس زمن الكورونا: تخبط ونزاع صلاحيات

خلّف هذا التخبط السياسي إشكالًا تواصليًا بين السلطة والشعب

 

"لا غنى عن الخطاب السياسي في عملية صنع القرار في الديمقراطية"، بهذه العبارة لخّص القاضي الأمريكي أنطوني كينيدي أهمية الخطاب السياسي في الدولة وخصوصًا في الأنظمة الديمقراطية، فالخطاب يقوم على عملية إقناع الجهة الموجه إليها الخطاب وتلقي قبولها. ولنجاح مهمته، لا بد أن يعمد إلى توظيف الوسائل اللغوية والمنطقية الصحيحة، إلى جانب جمل تعبيرية تتناسب وطريقة التواصل المجموعة أو الأفراد المعنيين بالخطاب.

ويكتسي الخطاب أهمية بالغة، وربما نوعًا من الخطورة، فهو، بحسب الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، يمثل وسيلة الوصول إلى السلطة، وإنتاج خطاب متماسك وقوي وقادر على الإقناع هو ما يسهل الوصول إليها. والخطاب، بحسب فوكو دائمًا، هو السلطة نفسها.

في الوقت الذي يحتاج فيه التونسيون إلى "قائد" واحد طفا على السطح "نزاع صلاحيات" بين أعلى هرم في السلطة التنفيذية ورأس السلطة التشريعية

اقرأ/ي أيضًا: الدولة والثورة والوباء

وإذا كان الخطاب السياسي أحد أعمدة النظام الديمقراطي، فأهمية هذا الخطاب تتعاظم في ظلّ الأزمات التي قد تعيشها الدول، وبشكل خاص خلال الحروب وربما أزمة انتشار جائحة تجتاح العالم وتطال جلّ سكان كوكب الأرض، على غرار فيروس كورونا المستجد الذي انطلق من مدينة ووهان الصينية وانتشر بشكل مفاجئ وسريع لم يعهده العالم سابقًا.

تونس لم تكن بمنأى عن وصول فيروس كورونا إليها، وهي، وإن استطاعت في البداية الحفاظ على عدد منخفض من الإصابات، وتمكنت خلال الأسابيع الأولى من السيطرة عليه (نسبيًا)، إذ اقتصرت جلّ الإصابات المسجّلة على حالات مستوردة وإصابات محلية أصيبت بالعدوى جراءها، إلا أن الأمور أخذت منحى تصاعديًا مع عدم التزام جلّ المعنيين الحجر الصحي الذاتي، لتصل تونس إلى المرحلة الوبائية الثالثة أين أصبحت العدوى أفقية.

هذه التطورات الوبائية رافقتها إجراءات حكومية تصاعدت حدتها تدريجيًا مع توسع دائرة انتشار الفيروس في تونس. وبعيدًا عن تقييم مدى فاعلية هذه الإجراءات في الحدّ من انتشار هذا الوباء والتزام المواطنين به، يثير أداء المسؤولين في الدولة في تعاطيهم مع هذه الأزمة كثيرًا من التساؤلات خصوصًا على مستوى السياسة الاتصالية.

ففي الوقت الذي يحتاج فيه التونسيون إلى "قائد" واحد يشرح لهم الأزمة والإجراءات المتخذة لمواجهتها، طفا على السطح "نزاع صلاحيات" بين أعلى هرم في السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية) ورأس السلطة التشريعية (رئاسة البرلمان).

وقد خلّف هذا التخبط السياسي إشكالًا تواصليًا بين السلطة والشعب، الذي وجد نفسه ينتظر من جهة خطاب رئيس الجمهورية ومن ثم خطاب رئيس الحكومة فخطاب رئيس مجلس نواب الشعب، مما خلق نوعًا من "الفوضى الاتصالية" وإرباكًا لدى الرأي العام.

ويمكن القول إن الرأي العام وجد نفسه، خلال أزمة "كورونا"، أمام هذه الخطابات:

  • خطاب وزارة الصحة:

منذ ظهور وباء كورونا، دأبت وزارة الصحة على عقد ندوات صحفية دورية تقدّم خلالها آخر المستجدات حول الفيروس والإحصائيات المتعلقة بانتشاره. وقد تعوّد التونسيون على ندوات الوزارة وبلاغاتها (في مرحلة ثانية) للاطلاع على آخر أرقام انتشار الفيروس.

ويتفق جلّ المتابعين على الأداء الجيّد لوزيرة الصحة السابقة سنية بالشيخ، فضلًا عن الوزير الحالي عبد اللطيف المكي الذي يثني الكثيرون على مجهوداته، وقد أبدى هذا الأخير قدرة على تبسيط المعلومة وتقديمها بشكل يمكن فهمه بسهولة، بعيدًا عن الألفاظ الطبية المعقدة.

ارتكب عبد اللطيف المكي خطأ اتصاليًا جسيمًا عندما جمع نفسه بالمدراء الجهويين للصحة وأدوا قسمًا للقضاء على الفيروس

في المقابل، يبدو حضور عبد اللطيف المكي في وسائل الإعلام مكثفًا وأحيانًا أكثر مما يستحق الأمر، مما جعله عرضة لعدة انتقادات اعتبرت أنه عوض صب مجهوداته في العمل للحدّ من فيروس كورونا يكرّس معظم وقته للظهور الإعلامي.

كما ارتكب المكي خطأ اتصاليًا جسيمًا عندما جمع نفسه بالمدراء الجهويين للصحة وأدوا قسمًا للقضاء على الفيروس، الأمر الذي بدا مسرحية سيئة الإخراج والتصوير، وأوحى بصورة ديكتاتورية أو دعاية قد ينفذها نظام مستبد في ستينيات أو سبعينيات القرن الماضي.

من جهتها، تقوم المديرة العامة للمرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة، نصاف بن علية، بجهود لا يمكن التغاضي عنها، وقد باتت تحظى بشعبية لدى الشعب التونسي تجلّت خصوصًا مع إشاعة إصابتها بفيروس كورونا. وقد أثرت بن علية في الكثيرين، خاصة بعد الندوة الصحفية الأخيرة التي شاركت فيها، إذ بدأت متأثرة كثيرة وهي تدعو التونسيين إلى ضرورة الالتزام بالحجر الصحي.

اقرأ/ي أيضًا: الخيارات التونسية في مواجهة الكورونا..

  • خطاب رئيس الحكومة:

مع تواصل انتشار فيروس كورنا واتخاذ إجراءات تصاعدية لمواجهته، كان من الضروري أن يخاطب الشعب "قائد" قادر على الطمأنة وتوضيح الإجراءات لضمان تطبيقها من قبل المواطنين، من هنا أطلّ رئيس الحكومة في خطاب أول بدا فيه واثقًا من نفسه وقادرًا على الإقناع.

أما في الخطاب الثاني، والذي أعلن فيه عن تفاصيل الحجر الصحي العام، فقد أثار تأخر كلمة الفخفاخ سيلًا من الإشاعات التي خلقت موجة من الهلع والفزع في صفوف المواطنين، ليطلّ رئيس الحكومة بعد تأخير دام أكثر من ساعتين دون أي تبرير أو توضيح لدواعي هذا التأخير.

أثار تأخر كلمة الفخفاخ سيلًا من الإشاعات التي خلقت موجة من الهلع والفزع في صفوف المواطنين

هذا الخلل الاتصالي يعود أساسًا إلى غياب خطة ناطق رسمي باسم رئاسة الحكومة، وهو ما من شأنه أن يسبّب بلبلة كبيرة في أحيان كثيرة خاصة في ظل هذه الأزمة التي تعيشها تونس وتكاثر الإشاعات التي تأتي دائمًا بسبب فراغ اتصالي.

قدرة إلياس الفخفاخ على الخطاب وقدرته على مخاطبة الشعب بلغة يفهمها تجعله مؤهلًا ليكون "قائد" المرحلة في أزمة الكورونا، رغم بعض الهنات التي تتعلق أساسًا بطريقة التصوير التقليدية (داخل مكتب مغلق والكلمة المسجلة وطريقة الإلقاء الرتيبة)، وذلك لا ينفي بأي حال من الأحوال غياب التنسيق مع رئيس الجمهورية والوزارات أو حتى البرلمان، ولكن الشعب يحتاج إلى شخص واحد يخاطبه ويبعث في نفسه نوعًا من الطمأنينة.

إلا أن الحسابات السياسية لها خيارات أخرى قد تكون لها تداعيات سلبية لاحقًا.

  • خطاب رئيس الجمهورية:

لم يلبث رئيس الجمهورية طويلًا قبل أن يدخل على خط أزمة كورونا ويحاول مخاطبة الشعب، إلا أن تدخلاته لم تكن صائبة إلى الآن، بل زادت من حدة الأخطاء الاتصالية التي رافقت رئيس الدولة منذ مباشرته لمهامه. فعلى سبيل المثال، خطاب رئيس الجمهورية الذي أعلن فيه عن الحجر الصحي الشامل، لم يفهمه عدد كبير من المواطنين، بل حتى من الصحفيين.

 اعتمد رئيس الدولة على اللغة العربية التي لم تخل من أخطاء واقتربت كثيرًا من الركاكة

فقد اعتمد رئيس الدولة على اللغة العربية التي لم تخل من أخطاء واقتربت كثيرًا من الركاكة، وكان أسلوبه "روبوتيًا" دون أن يقدّم أي معطيات واضحة، فلم يفهم الشعب طبيعة الإجراءات وآليات تطبيقها، لتوكل مهمة توضيحها لرئيس الحكومة في كلمة لاحقة.

علاوة على ذلك، لم تخل الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية خلال الأيام الأخيرة من بلاغات حول اتصالات يقوم بها رئيس الجمهورية مع رؤساء وزعماء عدة دول وحتى لوصول مساعدات إلى تونس. ولئن كان هذا هو دور رئيس الجمهورية وهو يقوم بواجبه هنا، فاللافت في المسألة هو أن هذه البلاغات حرصت على أن تظهر أن الفضل في هذه المساعدات يعود أساسًا إلى رئيس الجمهورية وتدخله، ما يدلّ بشكل واضح وجلي على محاولة كسب نقاط سياسية خلال الأزمة التي تعصف بالبلاد.

  • خطاب رئيس البرلمان:

لا يخفى على أحد أن العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس نواب الشعب ليست في أفضل حالاتها، وقد توترت هذه العلاقة بشكل جلي خلال مشاورات تشكيل الحكومة وما رافقها من كواليس يطول الحديث عنها. ورئيس البرلمان، الذي شرع منذ توليه مهامه، يسحب بساط بعض المهام من رئاسة الجمهورية من خلال استغلال مكتبه في باردو، مقرّ مجلس نواب الشعب، للقاءات مع سفراء الدول الأجنبية، لم يكن ليفوّت على نفسه فرصة الظهور خلال أزمة كورونا وتسجيل نقاط سياسية لفائدته وفائدة حزبه.

 سارع رئيس البرلمان إلى عقد اجتماع مكتب البرلمان ووجه دعوة لرئيس الحكومة الذي تخلّف عن الحضور

وقد سارع رئيس البرلمان إلى عقد اجتماع مكتب البرلمان ووجه دعوة لرئيس الحكومة الذي تخلّف عن الحضور، مما أثار حفيظة رئيس مجلس نواب الشعب. وقد خلص الاجتماع إلى تقديم جملة من التوصيات والمقترحات للسلطة التنفيذية.

عادة، تمثل الأزمات فرصة لكي تثبت الدول، شعوبًا وحكومات ورؤساء، وحدتها وتضامنها، وتمثل بذلك بنيانًا صلبًا يواجه بقبضة إنسان واحد ما يتهدده من مخاطر تطال وجوده، إلا أن الحسابات السياسية في تونس لها رأي مخالف، إذ دفعت التجاذبات والرغبة في كسب النقاط السياسية الفاعلين إلى التنافس فيما بينهم، دون أن تكون لديهم القدرة على تقديم الخطاب الذي يحتاجه الشعب.

خطاب الأزمة القادر على طمأنة الجماهير وتحذيرها وتوعيتها، وحتى جمعها حول هدف واحد لحماية البلاد التونسية في مواجهة عدو خفي لن تطال تداعياته صحة مواطنيها فحسب، بل ستشمل جوانب عديدة أبرزها على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يمثّل وباء كورونا "طقس عبور"؟

هل أنجزت حركة النهضة مهمّتها التاريخيّة؟