الحملة الانتخابية التشريعية ضحية الانتخابات الرئاسية.. شهادات عن حملة باهتة

الحملة الانتخابية التشريعية ضحية الانتخابات الرئاسية.. شهادات عن حملة باهتة

وُلدت الحملة الانتخابية التشريعية في حالة غيبوبة على وقع اهتمام المواطنين بالاستحقاق الرئاسي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

ساعات قليلة تفصلنا عن فترة الصمت الانتخابي بعد حملة للانتخابات التشريعية كانت قد انطلقت عند غروب الدور الأول من الانتخابات الرئاسية عشية 15 سبتمبر/أيلول 2019، فقبل يوم واحد من الاقتراع لانتخاب رئيس للجمهورية، انطلقت القائمات الحزبية والائتلافية والمستقلة في تعليق صور المترشحين وبرامجهم الانتخابية في حملة وُلدت في حالة غيبوبة خاصة على وقع نتائج الانتخابات الرئاسية التي ألقت بظلالها على المشهد الانتخابي برمّته.

الشارع التونسي لم يفق بعد من "الزلزال الرئاسي" الذي صعّد المرشح المستقلّ قيس سعيّد ومرشح "قلب تونس" نبيل القروي إلى الدور الثاني ليجد نفسه أمام استحقاق انتخابي آخر لا يقل أهمية ألا وهي الانتخابات التشريعية المنتظر أن تتأثر نتائجها أيضًا بنتائج الرئاسية خاصة وفق الثنائية المستجدّة: "السيستام" وأضداده.

انطلقت الحملة الانتخابية التشريعية مساء يوم الاقتراع في الدور الأول للرئاسية لذلك وُلدت الحملة في حالة غيبوبة خاصة على وقع نتائج الرئاسيات

في دائرة سوسة كان الحال كما الدوائر الانتخابية الأخرى، هبّ المترشّحون في قائمات بلغ عددها 49 إلى القيام بحملتهم الانتخابية متنافسين على 10 مقاعد في البرلمان. وقد تعددت القائمات وتقاطعت برامجها في عديد المجالات، ويراهن رؤساء هذه القائمات على التسويق لشخوصهم واستغلال المحيط العائلي والعلاقات الشخصية.

اقرأ/ي أيضًا: بذات الوعود ونفس الوجوه.. الأحزاب تصارع من أجل حظوظها في التشريعيات

وقد خضع تكوين القائمات وتعيين رؤسائها وتحديد ترتيب أعضائها إلى مقاييس متباينة تحفظ نتيجة واحدة هي وصول رئيس القائمة ومن يليه إلى البرلمان. إذ صدّرت بعض الأحزاب على غرار حركة النهضة والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر قياداتها في رئاسة القائمة في سوسة، في حين صدّرت أحزاب أخرى رجال أعمال بدرجة أولى على غرار حافظ الزواري في قائمة حزب البديل، وحسين الجنيح في قائمة "تحيا تونس" وعادة ما يتولى رجل الأعمال التكفل بمصاريف الحملة ويُختزل الفوز في ذاته. فيما لا تسعى القائمات المستقلة أساسًا إلا لتصعيد رؤسائها فقط.

وفي ظل ضبابية المشهد السياسي التونسي والتجاذبات الحادة التي أحدثتها نتائج الرئاسية، لم يستطع المترشحون للتشريعية دفع الرأي العام لطرح ملف الانتخابات النيابية على سطح الأحداث، في الوقت الذي تنشط الحملة على الميدان عبر توزيع المطويات وطواف مجموعات من الشباب يرتدون تبابين وقبعات تحمل أرقام القائمة. ويبدو أن المواطن بدوره تجاهل ملف التشريعيات نظرًا لفقدان ثقته في الطبقة السياسية، عدا عن تشتت ذهنه وعدم قدرته على الفرز في ظل تعدد القائمات.

وفي هذا الجانب، التقى "ألترا تونس" مواطنين وإعلاميين وناشطين في المجتمع المدني للحديث عن الحملة الانتخابية للتشريعيات في سوسة:


الإعلامي مهدي خليفة وصف الحملة الانتخابية التشريعية بـ"الباهتة" مشيرًا إلى عدم تنظيم اجتماعات شعبية واقتصار المترشحين على الزيارات الميدانية والتواصل المباشر مع الناخبين في الأحياء والمقاهي والفضاءات العامة لتوزيع المطويات.

وأشار، في هذا الجانب، إلى عجز بعض القائمات المترشحة عن تعليق بياناتها بالأماكن المخصصة لها، إذ ظلت بعض الأماكن فارغة رغم مرور أكثر من أسبوعين من انطلاق الحملة.

أما عن البرامج الانتخابية، قال محدثنا أنها "متشابهة"، مبينًا أنها تناولت مختلف القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والثقافة والتشغيل والبيئة والرياضة. واعتبر أن أغلب النقاط هي مجرد وعود يصعب تطبيقها لأسباب متعددة خاصة في ظل مجلس نيابي من المنتظر أن يكون فسيفساء غير متجانسة، وفق تعبيره.

مهدي خليفة (إعلامي): الحملة الانتخابية التشريعية باهتة والبرامج الانتخابية للمترشحين متشابهة وتضم وعودًا يصعب تطبيقها

الناشطة في المجتمع المدني جيهان بن محمود أشارت، من جهتها، إلى كثرة القائمات حسب ملاحظتها للحملة التشريعية، معتبرة أن سهولة تكوين قائمة مستقلة جعل من خوض التجربة عبارة عن لعبة مما خلف عدم جدية البرامج وفق قولها.

ولاحظت محدثتنا ما وصفته بـ"هشاشة الحس الديمقراطي في التنافس الانتخابي" وذلك على ضوء ملاحظتها عدم قبول البعض للآخر والثلب والسب بين المتنافسين في الشارع، وفق قولها.

وأضافت، في جانب آخر، أن المناظرات التلفزية "كشفت للمواطن محدودية رؤساء القائمات معرفيًا ولو من خلال النماذج المشاركة مما ينفّر المواطن من مواصلة المتابعة" على حد تعبيرها.

من جهته، رأى الإعلامي رامي المحضي، في حديثه لـ"ألترا تونس" أن الحملة الانتخابية للتشريعية "بدت باهتة وصامتة جدًا مقارنة بانتخابات 2014" مؤكدًا أن نتائج الدور الاول للانتخابات للرئاسية أثرت بشكل كبير على الحملة الانتخابية لأغلب القائمات خاصة الحزبية منها، التي كانت ترنو للمرور إلى الدور الثاني من الرئاسية على غرار حركة النهضة وحركة "تحيا تونس".

جيهان بن محمود (ناشطة مدنية): المناظرات التلفزية كشفت للمواطن محدودية رؤساء القائمات معرفيًا ولو من خلال النماذج المشاركة

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات التشريعية: تراجع عدد القائمات الحزبية فأي حظوظ للمستقلة؟

كما اعتبر أن "أغلب العناوين المطروحة في الحملة الانتخابية هي عناوين كلاسيكسية وركيكة أحيانًا" مضيفًا أن "الجميع يقدم وعودًا تنموية فضفاضة صاحبها علم الناس بعدم جديتها".

في الأثناء، قال محدثنا إنه لاحظ أن عددًا من القائمات خاصة المستقلة منها أصبحت تنتهج منهج المرشح الرئاسي المستقل قيس سعيّد الذي صنع المفاجأة ببساطة طرحه السياسي، وذلك عبر تقديم خطاب يبتعد عن تقديم الوعود بإنجاز المشاريع الكبرى ويقتصر فقط على التعبير على الالتزام بالسعي لتنفيذ المشاريع التنموية.

رياض حريق ناشط في المجتمع المدني اعتبر، من جانبه، أن الحملة الانتخابية الرئاسية طغت على الحملة التشريعية، مؤكدًا أن أغلبية المواطنين لا تثق في الأحزاب وتعتبر أن القائمات المستقلة هي الحل قائلًا "عندما تقدم نفسك للناس كقائمة مستقلة، تجد ترحابًا كبيرًا وذلك على عكس القائمات الحزبية، على اعتبار أن الناس لا تعرف الأحزاب بل تعرف الأشخاص".

كما اعتبر منير المستيري بدوره أن عملية الترشح للانتخابات عمومًا سواء كانت الرئاسية أو التشريعية قد استسهلها الجميع وحطوا من قيمتها ورمزيتها لتصبح فقط وسيلة لتسجيل الحضور انطلاقًا من مبدأ الحق في الترشح، وفق قوله. وأضاف أن الحملة الانتخابية التشريعية كانت، وفق تقديره، ضحية الانتخابات الرئاسية.

رياض حريق (ناشط مدني): الحملة الانتخابية الرئاسية طغت على الحملة التشريعية والناس ترحب بالقائمات المستقلة أكثر من الحزبية

وفي حديثه لـ"ألترا تونس"، اعتبر الناشط بشير حسني أن الحملة الانتخابية التشريعية لا تعكس أهمية الحدث، مشيرًا إلى ملاحظته غياب النسق التصاعدي عدا نشاط بعض المترشحين الذي وصفه بالمحتشم. وأضاف أن المعلقات الحائطية ليست بحجم الموعد المنتظر، مقدرًا أن المترشحين عوضوها بالصفحات والمجموعات الفايسبوكية.

وأشار، في ذات الإطار، إلى أن التظاهرات الانتخابية غائبة تقريبًا في انتخابات 2019 على خلاف انتخابات 2011 و2014، ملاحظًا تكاثر القائمات المستقلة التي لا تتوفر على الإمكانيات المادية واللوجستية كالأحزاب وهو ما ساهم، وفق تقديره، في حالة الفتور المنعكسة على الشارع بغياب حديث المواطنين عن الانتخابات وبرامج المترشحين وهو ما افقد المشهد السياسي نكهته المعهودة، حسب قوله.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مع إعادة النبش في العلاقات مع فرنسا.. عودة مصطلح "الصبايحية" إلى الواجهة

إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية وإعادتها.. هل هذا السيناريو مطروح؟