الثقافة والحرب على الكورونا في تونس

الثقافة والحرب على الكورونا في تونس

استقرّت عبارة "الحرب على الكورونا" في الخطاب السياسي والإعلامي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

الحرب أكثر العبارات استعمالًا في وصف ردّة الفعل الإنسانيّة على انتشار فيروس كورونا زاحفًا من الصين باتجاه العالم. أكثر من رئيس يخرج على شعبه ليؤكّد أنّ بلده في حالة حرب فضلًا عن تحريك الجيوش في أكبر الديمقراطيّات لا لحماية الحدود أو المصالح التقليديّة في الخارج وإنّما للنزول إلى شوارع عواصم الجيوش نفسها لفرض منع الجولان والحجر الصحّي، إلى جانب توجيه الميزانيات السنويّة ودعمها بتمويلات جديدة في هذه الحرب الشاملة. لذلك استقرّت عبارة "الحرب على الكورونا" في الخطاب السياسي والإعلامي.

 ولئن اتفق العالم في حربه على الكورونا في طرق العلاج الطبّي ووسائل الوقاية، فإنّ هذه الحرب المعلنة من طرف واحد على كلّ العالم تتّجه إلى شعوب وقبائل وأمم وثقافات مختلفة لم تُحسن تتعارف فيما بينها فلم تحترم االذات البشريّة المُكرّمة ولم تتوفّق إلى التعرّف إلى الطبيعة فلم تحترم نظامها وانسجامها المسخّر.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة والملكيّة والحرب على الكورونا.. أسئلة تونسية

سلاح الثقافة  

للجنرال الألماني كلاوتزفيتز صاحب كتاب "الوجيز في فنّ الحرب" فكرة شائعة مدارها على أنّ الحرب مواصلة للسياسة بوسائل مختلفة غير أنّ له إشارة أخرى ألطف تذهب إلى أنّ القائد العسكري الأوسع ثقافة مرشّح للانتصار على خصمه الأقلّ ثقافة إذا تكافأت القوّتان. وهو يعني هنا القوّة العسكريّة الآليّة والماديّة الظاهرة.

غير أنّ مفهوم القوّة في الحرب وفي كلّ مستويات الحياة أوسع من الحدود الماديّة، ومن معانيها غير الماديّة كلّ ما تعلّق بالأبعاد الرمزيّة من ثقافة وقيم وعلاقة وجدانيّة بالمكان والتجربة المشتركة. ومن أهمّ معاني القوّة الرمزيّة الصبر. ويدخل التخطيط والثقة بالنفس وحسن استعمال الموارد والقدرة على خداع العدو وتجريده ممّا يتفوق به من سلاح في معاني الصبر، فـ"كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ".

الحرب أكثر العبارات استعمالًا في وصف ردّة الفعل الإنسانيّة على انتشار فيروس كورونا زاحفًا من الصين باتجاه العالم

في هذا السياق ننظر إلى سلوك وزارة الثقافة في تونس وردّة فعلها "الثقافيّة" في الحرب المعلنة على الوباء من قبل رئيس الحكومة في كلماته المتعاقبة، وطبيعة المعركة ودور الثقافة فيها يستوجبان أن تكون وزارة الثقافة في مقدّمة كتائب الحرب على الكورونا، غير أنّ ظهور الوزيرة شيراز العتيري كان "متأخّرًا جدًا ومسيئًا جدًا". وارتبط بقضيّة خلافيّة حول الترخيص باستئناف التصوير فيما تمّت برمجته من أعمال دراميّة لشهر رمضان. وكان ما كتبته في الموضوع على صفحتها الخاصّة في أحد مواقع التواصل الاجتماعي "على درجة من التعالي والوقاحة إذ سمحت لنفسها بنعت الشعب بقلّة التربية واعتبرته موضوعًا ملحًا للتثقيف" وفق ما يذهب البعض في تقديره.

وكانت ردّة الفعل في فضاءات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام قويّة بلغت درجة مطالبتها بالاستقالة ومطالبة رئيس الحكومة بالتراجع عن الترخيص الممنوح. والتشديد على أنّ الموضوع لا علاقة له بالثقافة ومفهومها ومضامينها مثلما ادّعت الوزيرة، وإنّما الموضوع سياسيّ بامتياز. وأنّ الوزيرة ليست إلاّ واجهة مألوفة لـ"الثقافة" في تونس وللوبياتها المتنفّذة قبل الثورة وبعدها، فضلًا عن أنّ المسؤول عن أمر الترخيص هو رئيس الحكومة نفسه، ووزارة الثقافة ليست إلاّ المَعْبر إلى تمكين مصالح كبرى في مجال الإنتاج الدرامي والثقافي من التواصل من النفاذ.

كان يمكن لهذا أن يستمرّ في الأوضاع العاديّة غير أنّ الترخيص موضوع الخلاف يتعلّق بأمرين يخصّان الحكومة من جهة ما أعلنته من الاتجاه إلى تدشين إصلاحات أهمّها مقاومة الفساد وضرب مواقعه. ويمثّل الترخيص أوّل الخطوات وأبعدها عن الإصلاح فهو يعيد امتيازات ماليّة ضخمة غير مستحقّة لأعمال دراميّة يمكن نعتها بالهزيلة. ومن جهة ما رسمته من خطّة في الحرب على الكورونا.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة والثورة والوباء

ويمثّل الترخيص باستئناف تصوير الأعمال الدراميّة لشهر رمضان إرباكًا لخطّة الحجر الصحّي واستثناء لا مبرّر له. وقد أكّد بعض أهل الاختصاص من سينمائيين ومنتجين في الميدان الدرامي عارضوا الترخيص لأسباب "صحيّة طبيّة" أنّ عدد المشاركين في عمليّة التصوير لا يسمح بالتباعد الاجتماعي المطلوب ويخالف الحدّ الأدنى المطلوب من الإجراءات الوقائية. ومن ناحية أخرى، يمثل الترخيص استثاء يشجّع قطاعات أخرى تبدو إنتاجيّة واقتصاديّة ومعيشيّة تبدو أحوج إلى الاستثناء من الحجر الصحّي.

رغم ما حققته خطّة وزارة الصحّة من استباق ساعد على محاصرة جزئيّة للوباء فإنّ ما ارتُكب من أخطاء في توزيع الإعانات الماليّة، وما كان من ضمور في الوعي عند فئات بأهميّة الحجر الصحّي والالتزام الصارم به أثّر على خطّة الحجر. وينضاف ما يُبتدع من استثناءات منها هذا الترخيص ليهدّد بتضييع ما تحقّق ويساهم في كسر مسار إنقاذ الأرواح.

 فكثير من أصحاب المصالح من لوبيات الثقافة يبدون غير معنيين بأرواح الناس أمام مصالحهم. ولكن يتمّ إخراج الموضوع من قبل ممثّليهم في الإعلام بأنّ الأمر يتعلّق بنخبة وُلدت من المهد حداثيّة تنويريّة تنتصر للعقل وللقيم الإنسانيّة في مجابهة أغلبيّة سلفيّة الثقافة هي موضوع مستدام لعمليّة التحديث والتنوير والإنقاذ الثقافي.

معارك هوويّة مفتعلة تكسر خطّة الحرب     

ما يدور من خلاف اليوم في المشهد السياسي والثقافي خاصّة يمثّل السطح، ولكنه السطح الذي يمكن أن يدلّ إلى عمقه. ففي تونس، وعلى مدار سنوات الثورة العشر، لم يغب عنوانَا التجاذب: العنوان الاجتماعي والعنوان الثقافي. ويدلّ العنوانان على حقيقة الانقسام المضاعف الذي تعيشه البلاد. واعتبرناه في أكثر من مناسبة حقيقة الحقائق التي لا يمكن فهم المشهد بكلّ تضاريسه دون الوقوف عليها. وأنّ هذا الانقسام نتيجة لتجربة الدولة وخاصّة دولة الاستقلال منذ 1956. وأنّ طبيعة هذه الدولة المركزيّة منعتها من أن تغطّي كلّ المجال الثقافيّ وكلّ المجال الاجتماعيّ.

ولهذا السبب بقيت دولة الاستقلال في عمقها جهويّة رغم رغبتها/ادعائها الصفة الوطنيّة، وهي تدرك جيّدًا أنّها بنت "مجتمعها المدني" في حاضرتها وتركت المجتمع الأهلي للعراء. وتدرك أيضًا أنّها أشبه بدولة لمُجتمَعيْن: تشدّها إلى الأوّل عنفوان الثقافة الحديثة ويربطها بالثاني خيط الحالة المدنيّة وأوراقها ووثائقها. ولا يخفى عنها أنّ تناقضها الجوهري مع المجتمع الأهلي،وأنّ ضعفه قد يثير يسمح لها بالتوتّر مع "المجتمع المدني" مثلما كان عليه الحال في أحداث الخميس الأسود في 26 جانفي 1978. في حين يدفعها انتباهُه وتحرّكُه باتجاه حقوقه الوطنيّة إلى وضع يدها في يد "مجتمعها المدني" لصدّ الخطر "الخارجي". وأكثر ما تجلّى هذا "القانون" في ثورة "باي الشعب" علي بن غذاهم 1864، وهي الثورة التي جمعت لأوّل مرّة في تاريخ تونس البداوة والريف والمدن (الساحل خاصّة) في مواجهة دولة البايات في العاصمة ومحيطها. وكانت أولى الثورات الوطنيّة في حوض المتوسّط وضفّته الجنوبيّة فسبقت بذلك عديد الثورات في ضفّته الشماليّة بأروربا.

 بقيت دولة الاستقلال في عمقها جهويّة رغم رغبتها/ادعائها الصفة الوطنيّة، وهي تدرك جيّدًا أنّها بنت "مجتمعها المدني" في حاضرتها وتركت المجتمع الأهلي للعراء

كما تجلّى هذا "القانون" في ثورة الحريّة والكرامة. ورغم أنّ زخمها كان أقلّ من ثورة 1864 إلاّ أنّ ثقافة العصر السياسيّة الحديثة والثورة التواصليّة مكّنتا من بلوغ مدى أوسع تجاوز بها حيّزها المحلّي والوطني العربي ليجعلها تطمع في أن تكون ثورة الألفيّة الثالثة و"شيوعيّة الجموع" في العالم بعبارة "ألان باديو".

اقرأ/ي أيضًا: الثورة الثقافيّة مُنجَزٌ أم مشروع للإنجاز؟

ويمكن تبيّن حقيقة العلاقة بين المدني والأهلي في ظلّ الدولة في المستويين الاجتماعي والثقافي. وهي علاقة موروثة عن فترة مقاومة المستعمر منذ دخوله إلى تونس سنة 1881. وتنوّعت المقاومة بين أهليّة في الداخل ومدنيّة في العاصمة وبعض الحواضر الكبرى. وما يعنينا منها هو أنّ العلاقة بين المقاومة الأهليّة والحركة الوطنيّة كانت علاقة تناسب عكسي: صعود الحركة الوطنيّة مرتبط بضعف المقاومة القبليّة.

فنحن بإزاء ضربين من المقاومة: مقاومة من داخل ثقافة المستعمر تمثّلها الحركة الوطنيّة، ولا نعني ولاءها لها، وإنّما التنبيه إلى الأرضيّة السياسيّة الثقافية المشتركة (الحب، البرلمان، الجمعيّة...). فهي في كلمة مقاومة من داخل ثقافة الدولة ومقاومة من خارج ثقافة الدولة، ترفض المستعمر ـ لا فقط بسبب نهبه وظلمه ومعتقده المختلف وإنّما أساسًاـ لأنّه يريد تدمير الانتظام الأهلي الجماعي الأفقي (الكل حاكم والكل محكوم) ليُحِلّ محلّه انتظامًا عموديًا (حاكم/محكوم)، وهي في كلمة مقاومة من خارج ثقافة الدولة.

فرنسا كانت تدرك هذه الحقيقة الاجتماعيّة والثقافيّة، وكانت منتبهة انتباهًا شديدًا إلى محاولة فذّة ارتبطت بنشأة العمل النقابي في تونس تهدف إلى توحيد المدني والأهلي في النقابي. وكان هذا جوهر مشروع الشهيد فرحات حشّاد ومن سبقه من مؤسسي العمل النقابي. وكان اغتياله في 5 ديسمبر/كانون الأول 1952 اغتيالًا للمشروع، ومقدّمة لكي تميل الكفّة داخل الحركة الوطنيّة للفصيل القريب من فرنسا (الحبيب بورقيبة)، هذا معطى مهمّ لفهم كلّ ما حدث مع دولة الاستقلال، ومنه الثقافة تصوّرًا ووظيفةً.     

يمكن أن نسلّم بأنّ نخبة الدولة الوطنيّة في بداية الاستقلال جعلت من الثقافة الحديثة "غنيمة استعمار" مثلما جعل المثقّف الجزائري من اللغة الفرنسيّة "غنيمة حرب". وأمكن الاستئناس بها في لحظات البناء الأولى. لكنّ هذه الغنيمة صارت بعد الثمانيّنيات خيارًا ثقافيًا لا يعترف بعمليّة التحديث القسريّة ونتائجها السلبيّة وتماديها في التقسيم الثقافي. فصارت الثقافة "أصلًا تجاريًا" لفرنسا وصناعة الثقافة ونخبتها، بدرجة من الدرجات، جزءًا من مجال فرنسا الحيوي في بلادنا. وبعد الثورة استماتت هذه النخبة في الدفاع عن "نمط مجتمعي" متخيّل ومُقسِّم يمنع بناء المشترك الوطني الثقافي وتوحيد البلاد.

يمكن أن نسلّم بأنّ نخبة الدولة الوطنيّة في بداية الاستقلال جعلت من الثقافة الحديثة "غنيمة استعمار" مثلما جعل المثقّف الجزائري من اللغة الفرنسيّة "غنيمة حرب"

ونلاحظ اليوم نتائجه وردود أفعال من يمثّله حتّى في مواجهة الموت الزاحف والوباء المستشرس. بل والاعتراض على ثقافة الشعب الوطنيّة وتقاليده الروحيّة وقيمه الأخلاقيّة من أن تكون من أسلحة الحرب الناجعة على الوباء ودعم توازن الناس وصبرهم على الحجر وإلزاماته والوباء وآثاره العميقة.  

في هذا السياق تأتي مسؤولية رئيس الحكومة المباشرة، وقد كان لقاؤه الصحفي الأخير على الوطنيّة الأولى وكلمته في مجلس نواب الشعب في موضوع التفويض من أنجح التدخّلات وأبعثها للطمأنينة والثقة في الدولة وتحمّلها مسؤوليتها. ولكنّ سكوته عن "عبث" وزيرة الثقافة وجعلها واجهة لاختيار غير موفّق بالترخيص سيّء الذكر لا ينسجم مع التفويض الشعبي الذي حمَله إلى رأس السلطة التنفيذيّة. ولا يتوافق مع الخطّة التي رسمتها حكومته في الحرب على الكورونا، ولا يدعم انسجام فريقه الحكومي المطلوب في هذه المعركة الوجوديّة.

الحرب على الوباء ستكون قاعدة فرز حقيقيّة، مثلما كان بناء الديمقراطيّة وتأسيس الحريّة قاعدة الانتقال الديمقراطي. وإنّ حسم كثير من المعارك وفكّ كثير من الاشتباكات لن يكون بعد الانتهاء من الكورونا وإنّما هو جزء من معركة إنقاذ الأرواح الدائرة موصول مع لحظة انطلاقها. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاقتصاد التونسي وجائحة الكورونا: الأزمة الفرصة (2/1)

الاقتصاد التونسي وجائحة الكورونا: الأزمة الفرصة (2/2)