الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء
28 يوليو 2026
مقال رأي
لمّا اشتد لهيب الحرائق بغابات الشمال التونسي، جرّاء تصاعد موجات الحرارة وتجاوز الدرجات المعدلات السنوية المعتادة خاصة في الأسبوعين الأخيرين من شهر جويلية/يوليو الجاري، وهي مدة وصفها الخبراء بأنها قياسية لهذا العام بالنظر لطولها مقارنة بالمواسم الصيفية الفارطة.. راجت صور ومقاطع فيديو ملتقطة من أعلى مدرجات مسرح دقة الأثري خلال حفل الفنان لطفي بوشناق ليلة 21 جويلية 2026 تصوّر جمهور مهرجان دقة الدولي وهو يرقص ويتمايل وفي الأفق البعيد تظهر بوضوح ألسنة اللهب الحمراء وهي تلتهم غابات جبال باجة وتتقدم ضمن كوكبة عاتية من الدخان الأبيض المتصاعد.
المشهد بدا محزنًا ومخيفًا في الوقت نفسه، لكنه أثار نقاشًا افتراضيًا كبيرًا على شبكات التواصل الاجتماعي في تونس اتُهمت فيه المهرجانات الترفيهية الصيفية بالتقصير الرمزي تجاه الكارثة البيئية التي تتعرض لها البلاد الآن.. فقد دعا شق واسع من الذين انخرطوا في النقاش إلى تأجيل مواعيد سهرات المهرجانات واقتراح إلغائها تضامنًا مع الغابة وسكان الجبال، وطالبوا وزارة الشؤون الثقافية بالتوقف عن التظاهرات الصيفية، ومع توافد طائرات الإطفاء الإيطالية والفرنسية لمعاضدة جهود جيش الطيران التونسي في إطفاء الحرائق، تحرّك النقاش من جديد في اتجاه المطالبة بتحويل اعتمادات المهرجانات الصيفية التونسية وخاصة منها الدولية إلى اقتناء المزيد من طائرات الإطفاء في ظل مناخ متطرّف بات يهدد النسيج الغابي التونسي كل صائفة.
ما لا يدركه المهرولون نحو فكرة الاستغناء عن الثقافة أنه يمكن لها أن تستمر وقت الأزمات وتتحول إلى عنصر مخفف لأن المسؤولية الأخلاقية للفنان وللتظاهرة الثقافية عمومًا، تقتضي منه الدعم والنصح والتوجيه وتحويل الأزمة والمصيبة إلى ملحمة خالدة
ودافع آخرون عن المهرجانات لا كفعل ثقافي ترفيهي عرضي فقط، بل كدورة اقتصادية موسمية صغيرة ينتظرها الفنانون والموسيقيون وكل تلك المهن المجاورة التي تهم اللوجستيك والنقل والإقامة وغيرها في كل صيف لأن عائدات المهرجانات هي التي تجعلهم يستمرون في هذه المهن ويؤمنون عيشهم لأشهر قادمة.
هذا النقاش ذكّرنا بالحملة الإعلامية التي شنت على السياسي التونسي محمد مزالي بداية ستينيات القرن العشرين لما كان وزيرًا للرياضة ونجح في إقناع الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بإنشاء المدينة الأولمبية بالمنزه بمناسبة احتضان تونس لألعاب البحر الأبيض المتوسط.. فقد اتُهم مزالي من خلال تلك الحملة التي قادها خصومه في السياسة بالتبذير مروجين أن الشعب التونسي محتاج لتكلفة الملعب والقبة والمسبح والإقامات وقدرها أربع مليارات من الدنانير التونسية لدعم جهود دولة الاستقلال في القضاء على الفقر الذي خلفه الاستعمار الفرنسي.. لكن بورقيبة حسم الأمر بحكمة ونظر إلى المستقبل بتبصر.. فرحلوا كلهم وبقيت المدينة الأولمبية بالمنزه شامخة إلى اليوم مكسبًا رياضيًا للأجيال القادمة.
اقرأ/ي أيضًا: حرائق الغابات في تونس.. حين تلتهم النيران شقاء العمر
كما يذكرنا ذلك في الهجوم الذي قاده خصوم الأديب طه حسين من المحافظين لما تولى حقيبة التربية والتعليم في مصر في الخمسينيات وشرع في تشييد المدارس والدفاع عن التعليم العمومي المجاني والسعي إلى جعله نظاميًا وعصريًا على شاكلة التعليم الأوروبي وكان دائم القول وهو يدافع عن مشروعه: "إنّ التعليم كالماء والهواء.." وقد اشتهرت هذه المقولة حتى بات خصومه ينعتونه تهكمًا في المجالس والصحف "بوزير الماء والهواء".. لقد رحلوا جميعًا وبقي المشروع التحديثي للتعليم في مصر الذي أسسه ودافع عنه طه حسين طيلة حياته لتنتفع منه مصر وأبناؤها إلى اليوم.
لقد علمنا التاريخ أن الإنشاء والبناء والتشييد الاستراتيجي الذي تقوم به الدولة في أي مجال كان يبقى للأجيال ولا يمكن أن يغني بعضه عن بعض والثقافة باعتبارها مقومًا من مقومات المجتمع فإن الدولة مطالبة بتنظيمها والاهتمام بها دعمها.
والثقافة كمكوّن شامل للفنون والآداب والفكر.. ينظر إليها وقت الأزمات أنها فوق اللزوم لا جدوى منها ويمكن الاستغناء عنها تمامًا والمسارعة في اقتراح تحويل اعتماداتها المالية والبشرية إلى دعم مناطق الأزمة كالحرائق والفيضانات.. لكن ما لا يدركه المهرولون نحو فكرة الاستغناء أن الثقافة يمكن لها أن تستمر وقت الأزمات وتتحول إلى عنصر مخفف لأن المسؤولية الأخلاقية للفنان والمبدع وللتظاهرة الفنية والثقافية وللنسيج المدني الناشط في الحقل الثقافي تقتضي منه الدعم والنصح والتوجيه وتحويل الأزمة والمصيبة إلى ملحمة خالدة.
أيضًا شاهدنا في عديد الدول التي عاشت أزمات بيئية كالزلازل والفيضانات والحرائق كيف تذهب عائدات المهرجانات والتظاهرات الفنية والإبداعية إلى الجهات المتضررة وكيف يآزر الفنان والمثقف أبناء الشعب من المتضررين بالدعم المادي والمعنوي.. لأن الفنان في النهاية هو ضمير المجتمع وحافظ لتاريخ الأزمات.
اقرأ/ي أيضًا: منظمة: حرائق الغابات في تونس تكشف فشل سياسات الوقاية
في تونس، وأثناء الأزمات شاهدنا فنانين يتنازلون عن حقوقهم المادية لجهات تضررت جراء الفيضانات ببوسالم ونابل وبنزرت وأثناء جائحة كوفيد وفي العمليات الإرهابية.
وبالتالي فإن ما حدث على فيسبوك يعتبر مجانيًا ويؤكد أن ذاكرة المجتمع التونسي قصيرة.
لا نريد للحرائق التي أتت على الغابات في تونس والتهمتها أن تأتي ولو رمزيًا على الفعل الفني والإبداعي "فالثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء.."
إنّ النقاش الذي اندلع عبر شبكات التواصل الاجتماعي انطلاقًا من فيديوهات وصور حفل لطفي بوشناق في إطار مهرجان دقة الدولي (تبرسق) يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية بكل جدية وتوجس: لماذا الفعل الثقافي مستهدف بالتهميش والإقصاء وقت الأزمة؟ لماذا يغير التونسي ترتيب الثقافة وقت الأزمة ويجعلها بل ويجعلها خارج أولوياته؟ لماذا لا تعتبر الثقافة في تونس معيشًا ضروريًا وقت الأزمة وخارجها؟ هل يعتقد التونسي في الفعل الثقافي ويعتبره منقذًا من العنف الذي يمكن أن يطال المجتمع؟ إلى أي مدى يعي التونسي بالدور اللامرئي الثاقب للثقافة في نحت العقل المجتمعي وتشكيل الذائقة العامة وحماية المجتمع؟
الإجابة عن هذا الوابل من الأسئلة يتطلب منا بعض الهدوء وبعض الاستقرار وبعض التأمل حتى يتسنى للنخب وللجامعة الإجابة عنها بأدوات العلم وتقديم جملة من المخرجات إن نفذناها يمكن للتونسي أن يغيّر نظرته بخصوص الثقافة والمثقفين.
لا نريد للحرائق التي أتت على الغابات في تونس والتهمتها أن تأتي ولو رمزيًا على الفعل الفني والإبداعي "فالثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء..".
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟
قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"

جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة
اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية
الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..




