التعليم في تونس.. منصات إلكترونية غيّرت وجهة التلميذ من القسم إلى الشاشة
30 مارس 2026
المتأمل لواقع التربية والتعليم في تونس يقف لا محالة على جملة من المتغيرات منها الظاهر ومنها الخفي المتسرب المتسارع، لكن المتغير العام البارز للعيان هو أن العملية التربوية في تونس غادرت كلاسيكيتها حثيثًا وتخلّت بلين وهدوء على تلك الرمزية العليا التي كانت تتسم بها في أذهان الناس وهي التي نحت كيانات الأجيال التي قادت عنفوان البلاد للعقود الأولى من فترة الاستقلال عن المستعمر الفرنسي نحتًا مجديًا مبهرًا.
لقد تخلت المدرسة التونسية عن كونها فضاءً مقدسًا لصناعة الإنسان المتوازن والحامل لقيم مجتمعه وهوية بلده والحالم بأمجاده الفردية والجماعية التي يريدها الوطن، وتحولت في العقود الأخيرة إلى مصنع لصناعة الإنسان المعولم والمقولب الفاقد لبهارات المحلية والخصوصية الحضارية. لم يعد التغيير مدروسًا وسياديًا ويتماشى مع متطلبات المجتمع كما في الإصلاحات التربوية الشهيرة المنسوبة لوزراء دولة الاستقلال (محمود المسعدي، ومحمد مزالي، ومحمد الشرفي، ومنصر الرويسي) بل فرضته المتغيرات العالمية التي تريد إنسانًا منسجمًا مع سياسات صناديق الاقراض المالي الممولة من قبل البلدان الرأسمالية التي تريد الهيمنة على العالم وطمس هويات وثقافات الشعوب عن طريق وضع اليد على المدرسة باعتبارها المؤسسة المجتمعية المسؤولة عن القيم وكل الرصيد الرمزي للمجتمع بالمحافظة عليه وتمريره للأجيال كموروث معنوي وكذاكرة رمزية.
بدأ التعليم الإلكتروني في اكتساح المجتمع التونسي وتحول إلى ظاهرة بارزة بواسطة انشار الإنترنت والاشتباك اليومي مع شبكات التواصل الاجتماعي، فتحولت هذه المنصات الإلكترونية التعليمية إلى قبلة عديد التونسيين من مختلف الفئات
ومن المتغيرات الجديدة التي طرأت على الحياة المدرسية التونسية في الآونة الأخيرة وفرضت نفسها في المشهد التربوي هي الظهور اللافت للمنصات الإلكترونية التي تقدم خدمات تعليمية متنوعة مثل الدروس الإلكترونية والأقسام الافتراضية والتفاعل عن بعد مع المدرسين والدعم المدرسي الفردي والجماعي واستشارات معرفية وصفحات خاصة بالمواد التعليمية.
لقد بدأ التعليم الإلكتروني في اكتساح المجتمع التونسي وتحول إلى ظاهرة بارزة بواسطة انشار الإنترنت والاشتباك اليومي مع منصات شبكات التواصل الاجتماعي.
هذه المنصات الإلكترونية المخصصة التي تستثمر في التعليم في تونس بالمعنى الربحي والتجاري والمنتشرة على شبكة الإنترنت وتحولت إلى قبلة ماسة للناس من مختلف الطبقات الاجتماعية والتي تغيب حولها الإحصائيات والمؤشرات والأرقام. لتطرح أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل التعليم في تونس وواقع المدرسة وشكل الدرس والمحتوى البيداغوجي وأساليب التفاعل والأهم من كل ذلك هو: أفق القسم الأساسي في العملية التعليمية وهو "التربية" ونحت "الإنسان" بالتوازي مع اكتسابه للمعارف والعلوم، لقد باتت "التربية" في خطر محدق بانعدام تلك التوازنات.
بخصوص هذا الموضوع الحيوي الطارئ على مجتمع التربية في تونس وعلى عموم التونسيين، تواصل "الترا تونس" مع عدد من الخبراء والمختصين في المجال ونقل آراءهم في التقرير التالي.
باحث في الشأن التربوي: المنصات التعليمية الإلكترونية هي شكل آخر من أشكال الدروس الخصوصية
أكد كريم الطرابلسي وهو أستاذ باحث في الشأن التربوي ومعد ومقدم برامج إذاعية تربوية في تصريحه لـ"الترا تونس" أن "المنصات التربوية الآن بصدد اكتساح الحياة التربوية التونسية، وهي آخذة في الانتشار والتمدد والتحول الحيني وبشكل لافت ومثير، وثمة ترويج كبير لها فهي تبدو مغرية لتعدد وتنوع الخدمات المقترحة"، وأضاف أن "كل ذلك هو لغايات ربحية بحتة في ظل الانفلات الحاصل في ظاهرة الدروس الخصوصية في تونس التي تحولت إلى أزمة تربوية ومجتمعية أخلاقية بالمعنى الفلسفي للكلمة"، موضحًا أن "المنصات هي شكل آخر للدروس الخصوصية وهي بصدد سحب البساط والهيمنة الكلية على ذاك الهامش الذي يريد أن يتحول إلى مركز، وهذه المنصات فيها توظيف كبير للمستجدات في مجال تطبيقات الإعلامية وتكنولوجيات التصوير وعلوم الاتصال والترويج".
وأشار الدكتور الباحث كريم الطرابلسي إلى أن "أصحاب المنصات والرأس المال الذي يقف وراءهم ويحركهم، استغلوا عدة نقاط ضعف مجتمعية لدى العائلة والتلميذ ومنها مشاكل التنقل إلى أماكن الدروس الخصوصية وضغط الزمن الاجتماعي على الولي الذي يجد نفسه مشتتًا بين توقيت عمله من جهة وتوقيت الدروس الخصوصية من جهة ثانية، فتبدو الدراسة الخصوصية عن بعد أمرًا مرنًا ما دامت الإنترنت متوفرة بالكثافة المطلوبة".
الباحث في الشأن التربوي كريم الطرابلسي لـ"الترا تونس": المنصات الإلكترونية التعليمية هي شكل آخر للدروس الخصوصية وهي بصدد سحب البساط والهيمنة الكلية، إلا أنها لا تعوض المدرسة ولا تعوض الدرس الحضوري
وبيّن الطرابلسي في حديثه مع "الترا تونس" أنه يتابع هذه المنصات منذ بداياتها في سنة 2020 وهو يقسمها إلى صنفين: قسم أول تحول إلى ما يشبه الشركات وهو متعدد الخدمات (دروس حضورية وأخرى افتراضية، جماعية وفردية، العمل على مدار الساعة بتقديم استشارات للتلاميذ) ويعتمد هذا القسم أيضًا على المرونة في دفع مستحقات الاشتراكات وأصبحت له مكاتب جهوية بأهم المدن التونسية من حيث الكثافة الديمغرافية وله قدرة فائقة على استقطاب الكفاءات من المدرسين وإغرائهم من أجل تقديم الدروس وتقديم الاستشارات والإجابة على أسئلة المتعلمين والتحاور معهم على نحو يختلف تواصليًا مع ما تقدمه المدرسة في شكلها الأصلي.
أما القسم الثاني فهو عبارة على مجموعات فيسبوكية ينظمها مدرسون وتهم موادًا دون غيرها ومستوى تعليميًا دون غيره، ولكل مجموعة أسلوبها وتنظيمها الخاص بها، وهذه المجموعات تستهدف كل الأقسام من المستوى الابتدائي إلى الثانوي.
ويذهب الطرابلسي إلى أن هذه الظاهرة وإن حاولت التفوق بالإمكانيات التكنولوجية فإنها لا تعوض المدرسة ولا تعوض الدرس الحضوري. لأن عنصر تفوق وقوة المدرسة التونسية هو التنقل وقطع الطريق نحو المدرسة والاختلاط والتواصل بين الفاعلين التربويين داخل فضاء المدرسة، وفق تقديره، مضيفًا أن المنصات في شكلها الحالي هي مساعد للدور الأصلي للمدرسة لا غير.
وبين الباحث كريم الطرابلسي أن أهم مشكل في هذه المنصات هو عدم التعرف على هويات المدرسين فأحيانًا يدرس التلميذ مادة الرياضيات من قبل غير المختصين لا لشيء إلا لأن عملية الترويج للمدرس المزعوم كانت مدروسة وتجارية صرفة، من قبل إدارة المنصة.
وختم الدكتور كريم الطرابلسي حديثه لـ"الترا تونس" بالقول إن وزارة التربية ليس لديها رقابة على هذه المنصات أو الصفحات ولا تتدخل فيها أصلًا وهو ما يعتبر تمشيًا خاطئًا لأن الفوضى تعمّ عندما يغيب القانون الرقابي المؤطر لمثل هذه الظواهر. وأكد أن وزارة التربية لها منصات خاصة بها يشرف عليها المركز الوطني لتكنولوجيات التربية، ومن ضمنها ما له علاقة بالدروس الافتراضية ويمكن للتلميذ الولوج إليها والانتفاع مجانيًا بالخدمات المقدمة، وفق قوله.
متفقد عام للتربية: المنصات الإلكترونية لا يمكنها تعويض دور المدرسة والمدرس
من جانبه أوضح الأستاذ رياض ماضي منذ البداية وهو متفقد عام للتعليم الأساسي بوزارة التربية التونسية وصاحب إسهامات فكرية في مجالات التربية والتعليم في ندوات الاختصاص وبوسائل الإعلام التونسية أن المنصات الإلكترونية المنتشرة في الواقع الافتراضي والتي تختص في مجالات تقديم معارف وعلوم لها علاقة بمنظومات التعليم في تونس هي ليست بالظاهرة الواعية بقدر ما هي طفرة تجارية تعبّر عمّا يدور في خلد الشخصية التونسية، بل هي انعكاس لها وتشبه في شكلها البيع الإلكتروني في شتى المجالات.
المتفقد العام للتعليم الأساسي رياض ماضي لـ"الترا تونس": المنصات الإلكترونية المنتشرة في الواقع الافتراضي والتي تختص في مجالات تقديم معارف وعلوم لها علاقة بمنظومات التعليم في تونس هي ليست بالظاهرة الواعية بقدر ما هي طفرة تجارية
وأضاف في حديثه مع "الترا تونس" أن هذه الطفرة التي لاقت هوى لدى العديد من التونسيين تبقى عنصرًا مساعدًا لا غير، ولا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تعوض دور المدرسة والمدرس، فعندما يجلس التلميذ في القسم متفاعلًا مع معلمه ومع زملائه يتسنى بيسر الإجابة على سؤال مهم وهو "لماذا أخطأت في الإجابة أو الفهم؟" وهو ما يسمى في العلوم البيداغوجية "بالميتاعرفانية" وهذه الطريقة العلمية التي يملكها المدرس التونسي ويعتمد عليها الدرس لا تستطيع المنصات تقديمها لأن همها هو الربح المادي بأقل وقت وأقل مجهود فهي تقدم إجابات جاهزة وخلاصات دون تفاعل.
وأشار المتفقد العام للتربية إلى أن "هذه المنصات الإلكترونية التعليمية لا تنهض على أسس أخلاقية وقيمية ويمكن أن نلاحظ ذلك في الإشهار الذي تتوخاه أغلبها والذي يقوم على الطعن في البرامج البيداغوجية الرسمية لوزارة التربية وفي الكتاب المدرسي الرسمي مقابل الكتاب الموازي والدروس عن بعد، والغريب أن هناك مدرسين بالمدرسة التونسية منخرطون في ذلك من أجل المال وهو منطق تجاري صرف يمس من سمعة المدرسة العمومية التونسية"، وفق قوله.
وختم الأستاذ المتفقد رياض ماضي حديثه مع "الترا تونس" بالقول إن "هذه المنصات الإلكترونية لا بد من مواجهتها بالقوانين وبالعمل على الترويج للمنصات الرسمية لوزارة التربية التي بعثت في إطار شراكة رسمية مع شركة "مايكروسوفت" وأشهرها منصة "أوفيس 365" وهي مجانية وتمنح المدرس والتلميذ على حد السواء 100 جيقا من الإنترنت من أجل استغلال محتويات المنصة التي تتضمن دروسًا وروابط وإحالات ونصائح في ارتباط بالبرامج الرسمية ويشرف عليها ويقدمها خيرة المدرسين والخبراء والأساتذة والمتفقدين بوزارة التربية".
كما اعتبر أنه لابد من دعوة الولي وهو شريك المدرسة في تكوين التلميذ إلى الاطلاع على المنصات الرسمية المجانية وأن لا يكتفي بالولوج إليها من أجل الحصول على بطاقة النتائج المدرسية بعد كل ثلاثي دراسي.
مختص في فلسفة التربية: كلما يغيب الحوار المجتمعي حول المدرسة يحصل الانفلات
بدوره يرى أستاذ علوم التربية والباحث بقسم الفلسفة بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس في مجال فلسفة التربية عماد العباسي أن ما يحدث في واقع التربية في تونس له ارتباط عضوي بكل المتغيرات الحاصلة في المجتمع، مضيفًا أن سطوة المجتمع السيبرني مسّت كل شيء تقريبًا بما في ذلك المدرسة، كبرى مؤسسات المجتمع.
وأوضح الأستاذ العباسي أن المدرسة التونسية لم تُسائل نفسها فلسفيًا منذ سنة 2002 أي منذ صدور القانون التوجيهي الذي يعتبر "دستور التربية" في تونس، لأن طرح الأسئلة الحارقة حول المدرسة ينتج أمصال حيوية مضادة لكل الأمراض التي يمكن لها أن تصيب المجتمع في قادم الأيام، ومع غياب الحوار المجتمعي حول المدرسة يحصل الانفلات، وفق قوله.
واعتبر في حديثه مع "الترا تونس" أن "المنصات الالكترونية التي تريد أن تعوض المدرسة والمدرس تعدّ تجليًا جديدًا لانفلات هو بصدد السريان الآن، بل يبدو تتمة رشيقة وعصرية لظاهرة الدروس الخصوصية التي أضرت اقتصاديًا بالعائلة التونسية وهزت صورة المدرّس هزًّا مدويًا بالمعنى العاطفي للكلمة في هذه العقود الأخيرة".
أستاذ علوم التربية عماد العباسي لـ"الترا تونس": المنصات الالكترونية تعدّ تجليًا جديدًا لانفلات هو بصدد السريان الآن، وتبدو تتمة عصرية لظاهرة الدروس الخصوصية التي أضرت اقتصاديًا بالعائلة التونسية وهزت صورة المدرّس هزًّا مدويًا
وبين الأستاذ العباسي أن "رأس المال لا دين له وقد يتقنع بالأفكار وما جاورها. وهو واقع حال هذه المنصات والمستثمرين الكثر في أرضها، وأهم فكرة يعتمدون عليها هي "التعلم الذاتي" التي تنسف فكرة "التعلم الجماعي" في المدرسة".
وختم الباحث في فلسفة التربية أن "المجلس الأعلى للتربية المنتظر بعثه في تونس يمكن أن يكون جهة تفكير لا تنام إزاء واقع التربية والتعليم في تونس، ويمكن له أن يكون في حالة انعقاد دائم مع الاعتماد على نخبة المجتمع من كل المجالات، وذلك من أجل تفكير متقد مهمته المدرسة التونسية وبالتالي إنقاذ المجتمع التونسي من كل المخاطر المتربصة به".
إن منظومة التربية والتعليم في تونس في حالة تغيير وانتقال من حال إلى حال دون بوصلة واضحة، تتقاذفها أمواج تغيير كبرى برعاية العولمة، وبالتالي لا بد من إعلان حالة طوارئ تربوية من أجل تدبر وتفكير فلسفي عميق يعزز دور المدرسة العمومية الكفيلة دون غيرها بصناعة الإنسان التونسي.
الكلمات المفتاحية

تزامنًا مع كل عودة جامعية.. السكن هاجس يلاحق الطلبة التونسيين
طالب يؤكد أن المبيتات الجامعية الحكومية تعاني بدورها من الاكتظاظ، وأن الطلبة جميعًا يعانون من أزمة السكن، خصوصًا مع الارتفاع الكبير والمخيف الذي تشهده أسعار الكراء في المدن المكتظة بينما تقف المبيتات الجامعية عاجزة عن استيعاب كل الطلبة، وفقه

العودة المدرسية 2026 – 2027 في تونس.. كيف يرافق الأولياء أبناءهم دون ضغط؟
تستعد العائلات التونسية لاستقبال العودة المدرسية 2026 – 2027، بعد عطلة صيفية طويلة غيّرت نسق الحياة اليومية داخل الأسر، من مواعيد النوم والأكل إلى ساعات استعمال الشاشات والخروج والسهر

العودة المدرسية 2026 – 2027 في تونس في أرقام
وزارة التربية أعلنت إنجاز انتدابات في مختلف الأصناف تقريبًا، بما في ذلك سلك الأساتذة، في وقت حذّرت فيه النقابات من تواصل تدهور المنظومة التربوية والنقص الفادح في الموارد البشرية

بعد أن جرفتهما السيول.. العثور على جثمانيْ أب وابنه بالمتلوي
شارك الأهالي في عملية البحث والتمشيط المتواصلة منذ يومين، بمعية فرق الحرس الوطني والحماية المدنية وأعوان الغابات وجميع المتطوعين

طقس تونس.. حرارة قصوى تصل إلى 35 درجة
أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026 سيتميز بسحب عابرة على..

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار متفرقة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تتراوح بين 26 و31 درجة بالشمال وجهة الساحل

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات





