التداوي بالأساور النحاسية في تونس.. موضة أم علاج؟
19 مايو 2026
في الآونة الأخيرة، تشهد منصات التواصل الاجتماعي في تونس موجة لافتة من الإعلانات التي تروّج لمنتجات نحاسية، من الأساور النحاسية والخواتم إلى لاصقات وأقراص تُسوَّق على أنها حلول طبيعية لتخفيف الآلام وتحسين الدورة الدموية وحتى تقليل التوتر. هذا الانتشار السريع يعكس عودة قوية للاهتمام بالطب الشعبي، خاصة في ظل بحث شريحة من التونسيين عن بدائل أقل كلفة وأكثر "طبيعية" مقارنة بالعلاجات الطبية التقليدية.
وبين صور جذابة وشهادات مستخدمين تُقدَّم كأدلة على الفعالية، يجد البعض أنفسهم مدفوعين لتجربة هذه المنتجات، مدعومين بإرث تاريخي طويل يرى في النحاس عنصرًا علاجيًا استخدمته حضارات قديمة منذ آلاف السنين.
لكن في المقابل، يحذر الأطباء من الانسياق وراء هذه الموجة دون وعي علمي كافٍ، مؤكدين أن الجسم يحصل عادة على حاجته اليومية من النحاس عبر النظام الغذائي المتوازن، وأنّ الإفراط في التعرض له، خاصة عبر مكملات أو استخدامات غير مدروسة، قد يؤدي إلى مضاعفات صحية تصل إلى حد التسمم. كما يشدد مختصون على أنّ الادعاءات المرتبطة بقدرة الأساور النحاسية على علاج أمراض مثل التهاب المفاصل أو امتصاص الألم عبر الجلد، لا تزال تفتقر إلى أدلة علمية قاطعة تدعمها.
يبقى استعمال النحاس للتداوي اليوم في منطقة رمادية، يتقاطع فيها الإيمان الشعبي مع الشك العلمي، بين مؤيد يرى في هذه الممارسات امتدادًا لحكمة الطب القديم وتجارب الأجداد، ومعارض يطالب بإخضاعها لمعايير البحث العلمي الصارم
وبين مؤيد يرى في هذه الممارسات امتدادًا لحكمة الطب القديم وتجارب الأجداد، ومعارض يطالب بإخضاعها لمعايير البحث العلمي الصارم، يبقى النحاس اليوم في منطقة رمادية، يتقاطع فيها الإيمان الشعبي مع الشك العلمي. وبين هذا وذاك، يتواصل الجدل حول جدوى هذه المنتجات، في انتظار دراسات أكثر دقة وشفافية تحسم مسألة ظلّت عالقة منذ قرون بين الأسطورة والعلم.
استعمالات النحاس عبر التاريخ
منذ فجر الحضارات، لم يكن النحاس مجرد معدن يُستخدم في الزينة أو الأدوات، بل شكّل عنصرًا مركزيًا في الممارسات الطبية والصحية التي سبقت الطب الحديث بقرون طويلة.
فقد وثّقت أقدم النصوص الطبية، مثل "بردية إدوين سميث" في مصر القديمة (حوالي 2600–2200 قبل الميلاد)، استخدام النحاس لتعقيم الجروح ومياه الشرب، وهو ما يعكس وعيًا مبكرًا بخصائصه المضادة للميكروبات. وتشير مصادر تاريخية إلى أن المصريين لم يكتفوا بذلك، بل استخدموا النحاس أيضًا لعلاج الصداع وبعض الأمراض الجلدية، في حين أوصى أبقراط، الذي يُعرف بأب الطب، باستخدام مركبات نحاسية لعلاج القروح والالتهابات. في السياق ذاته، تؤكد دراسات أنّ النحاس كان من أوائل المعادن التي استُخدمت على نطاق واسع، ليس فقط في الصناعة بل في الممارسات الصحية أيضًا، حيث ارتبط منذ البداية بفكرة "التنقية" و"الحماية" من الأمراض.
أما في حضارات أمريكا الوسطى، فقد استخدم الأزتك النحاس بطرق لافتة، إذ كانوا يعتمدون على الغرغرة بمحاليل نحاسية لعلاج التهابات الحلق، إلى جانب استخدامه في طقوس علاجية أخرى، وهو ما تؤكده أبحاث منشورة على Copper H2O. وفي الهند القديمة والشرق الأقصى، كان للنحاس حضور بارز في الطب التقليدي، حيث استُخدم لعلاج أمراض الرئة والعين والجلد، وغالبًا ما كان يُمزج مع الماء أو يُستخدم في أوانٍ خاصة يُعتقد أنها تعزز خصائصه العلاجية. ولم تكن الإمبراطورية الرومانية بعيدة عن هذا التوجه، إذ تشير كتابات طبية رومانية إلى استخدام النحاس في تطهير الجروح، وعلاج تقرحات الفم، وحتى في بعض الأمراض التناسلية، ما يعكس انتشارًا واسعًا لهذا المعدن في الممارسات العلاجية عبر القارات.
اقرأ/ي أيضًا: نظام الطيبات يثير الجدل في تونس.. مخاوف وتحذيرات
هذا الامتداد التاريخي لا ينفصل عن المكانة الاقتصادية والتكنولوجية للنحاس، فقد كان حجر الأساس فيما يُعرف بـ"العصر النحاسي"، وشكّل مادة رئيسية في صناعة الأدوات والأسلحة والعملات، كما توضحه منصة ThoughtCo، التي تشير إلى أن تطور استخراج النحاس في بلاد ما بين النهرين حوالي 3000 قبل الميلاد ساهم في توسيع استخداماته بشكل كبير، بما في ذلك الأدوات الطبية البدائية. ومع هذا الحضور القوي، ظل الاعتقاد بقدرات النحاس العلاجية متجذرًا في الوعي الجمعي، لينتقل عبر العصور من الضمادات والمحاليل إلى الأساور والخواتم التي لا تزال تُستخدم اليوم في الطب الشعبي، رغم غياب دليل علمي قاطع يثبت فعاليتها.
د.الحاج رمضان حول الأساور النحاسية: الطب لا يمكن أن يُبنى على "معلومات فيسبوكية" أو تجارب فردية
في تعليقه على الجدل المتصاعد حول الأساور النحاسية، يؤكد الرئيس الشرفي للجمعية التونسية لمرضى المفاصل والعظام، رشاد الحاج رمضان، أن هذه الظاهرة "ليست جديدة بقدر ما هي متجددة"، مشيرًا إلى أنها كانت موجودة منذ عقود، لكنها اليوم اكتسبت زخمًا أكبر بفضل وسائل التواصل الاجتماعي التي سرّعت انتشارها ووسّعت دائرة الترويج لها. ويضيف، في تصريحه لـ"الترا تونس" أنّ ما يثير القلق ليس فقط انتشار هذه المنتجات، بل "استغلال ثقة المواطن في كل ما يُقدَّم على أنه طبيعي أو بديل للعلاج"، وهو ما قد يدفع البعض إلى اتخاذ قرارات صحية غير مبنية على أسس علمية.
الرئيس الشرفي للجمعية التونسية لمرضى المفاصل والعظام: عدة دراسات أُجريت على هذه الأساور، خاصة في ما يتعلق بآلام المفاصل، وأثبتت أنها لا تتجاوز تأثير البلاسيبو أي التحسن الناتج عن العامل النفسي لا أكثر
ويشدد الحاج رمضان على أنّ الطب لا يمكن أن يُبنى على "معلومات فيسبوكية" أو تجارب فردية، بل على دراسات دقيقة تمرّ بمراحل طويلة ومعقدة قبل الاعتراف بأي علاج.
ويوضح محدّثنا في هذا السياق أن آلاف الجزيئات تُختبر في المخابر، ولا يصل منها إلى مرحلة الدواء إلا عدد ضئيل جدًا بعد سنوات من البحث والتجارب السريرية، ما يجعل الادعاءات السريعة حول فعالية النحاس "بعيدة عن منطق الطب القائم على الأدلة".
وفي ما يتعلق بفعالية الأساور النحاسية، يقرّ الحاج رمضان بأن بعض المرضى قد يشعرون بتحسن، لكنه يفسر ذلك بما يُعرف في الطب بـ"تأثير البلاسيبو"، أي التحسن الناتج عن العامل النفسي لا أكثر. ويضيف أن "عدة دراسات أُجريت على هذه الأساور، خاصة في ما يتعلق بآلام المفاصل، وأثبتت أنها لا تتجاوز هذا التأثير"، مشيرًا إلى أن بعض الأمراض قد تتحسن تلقائيًا مع مرور الوقت، فيربطها المريض خطأً باستخدام السوار.
كما يوضّح أن الجسم يحتاج بالفعل إلى النحاس، لكنه يحصل عليه من الغذاء اليومي بكميات كافية، مثل المكسرات والحبوب، مؤكدًا أن امتصاصه عبر الجلد من خلال الأساور "ضعيف جدًا ولا يرقى إلى مستوى التأثير العلاجي".
الدكتور رشاد الحاج رمضان: الجسم يحتاج بالفعل إلى النحاس، لكنه يحصل عليه من الغذاء اليومي بكميات كافية، مثل المكسرات والحبوب، لكن امتصاصه عبر الجلد من خلال الأساور ضعيف جدًا ولا يرقى إلى مستوى التأثير العلاجي
ويضيف بنبرة حاسمة أنّ "النحاس يمكن أن يكون جميلًا كإكسسوار، لكن لا يجب تقديمه كدواء"، معتبرًا أن الترويج له كعلاج لالتهاب المفاصل أو الأمراض الروماتيزمية يدخل في إطار التضليل.
وفي قراءة أوسع للظاهرة، لا يخفي الحاج رمضان وجود "بعد تجاري قوي" وراء انتشار هذه المنتجات، موضحًا أن هامش الربح المرتفع يجعلها أكثر جاذبية للتسويق مقارنة بالأدوية التي تخضع لرقابة صارمة وتسعير محدد.
ويختم بالتأكيد على ضرورة التمييز بين ما هو طبي وما هو تجاري، داعيًا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء موجات الترويج، والاعتماد على استشارة المختصين، لأنّ "الطب يجب أن يبقى قائمًا على الأدلة لا على المصالح" وفقه.
الكلمات المفتاحية
حديقة البلفيدير.. تاريخ تليد يصارع أزمة بيئية رغم إعادة التهيئة
صيحة فزع يطلقها المجتمع المدني حول ديمومة حديقة البلفيدير، وعودة على حكايا الماضي وأساطيره والتحديات والخطوات المستقبلية
في تونس.. حيوانات أليفة تحولت إلى أفراد من العائلة
الارتباط والتعلق بالحيوانات الأليفة إلى حد اعتبارها فردًا من العائلة، ظاهرة نفسية اجتماعية نجدها في كل المجتمعات وعبر كل الحضارات.. شهادات من تونس، عن حيوانات تحولت إلى أفراد من العائلة
شواطئ تونس.. مخاوف من التلوث البحري مع انطلاق موسم الاصطياف
على طول عدد من الخطوط الساحلية المنكوبة، يروي البحر مأساته عبر ما يقذفه في عدّة شواطئ، جثث سلاحف بحرية قذفت بها الأمواج لتستقر هامدة فوق الرمال الملوثة بعد أن قتلتها سموم المياه، وبجوارها تتناثر أجساد طيور بحرية غارقة في رغوة كيميائية لزجة
طقس تونس.. انخفاض طفيف في الحرارة وأمطار تشمل عدة المناطق
معهد الرصد الجوي: البحر فيكون مضطربًا فشديد الاضطراب بمنطقة سرات، وقليل الاضطراب ببقية السواحل التونسية
تعرّف على حكم مباراة تونس واليابان في كأس العالم 2026
تكتسي هذه المواجهة بين تونس واليابان أهمية تاريخية كبرى لكونها المقابلة رقم 1000 في تاريخ كأس العالم منذ انطلاق المسابقة.
تأجيل قضية المجمع الكيميائي التونسي ضد نشطاء بيئيين بقابس
حملة "أوقفوا التلوث": ندعو الجهات المسؤولة إلى تحمّل مسؤوليتها عن عقود من التلوث، وذلك أمام متساكني الجهة الذين دفعوا ولازالوا يدفعون ثمن خيارات تنموية جائرة حولت الجهة إلى منطقة منكوبة بيئيًا وصحيًا
راتب هيرفي رونار لتدريب المنتخب التونسي يثير الجدل.. ما القصة؟
الاتفاق مع هيرفي رونار، ينص على فتح المفاوضات بعد نهاية المشاركة في كأس العالم من أجل تعاون طويل المدى بناء على أهداف رياضية محددة