ultracheck
مجتمع

"التاي الأحمر".. عندما يصبح الشاي جزءًا من الهوية التونسية

17 مارس 2025
الشاي الأحمر تونس.jpg
الشاي الأحمر انتشر بشكل واسع وأصبح مشروبًا يُطبخ صباحاً
أسماء البكوش
أسماء البكوشصحفية من تونس

الشاي الأحمر أو "التاي" كما يسميه التونسيون بلهجتهم العامية ليس مجرد مشروب عادي يتم استيراده من الدول الآسيوية، بل هو رمز للضيافة والكرم وهو الحاضر في المواعيد العائلية ومسامرات الأهل والأصدقاء.

"هاني جاي نشربوا كاس تاي بحذاكم" جملة تقال في تونس لإتمام بيع أو شراء أو للتقدم لخطبة أو لربط صلة كادت تنقطع بين الأهل والأحباب والأصدقاء.

هذا المشروب الأحمر الذي يتناوله التونسيون ساخنًا عادة دخل تونس كمادة استهلاكية في مطلع العشرية الثانية من القرن العشرين.

"انتشر شربه عند عامة الفئات الشعبية، عن طريق المهاجرين الليبيين أو "أهل طرابلس" كما كانوا يسمونهم في تونس، وكان ذلك بداية من سنة 1911 أي إبان الغزو الإيطالي لليبيا ووفود فلول الهجرات الجماعية التي توزعت على مختلف الجهات التونسية"، يقول عبد الواحد المكني أستاذ التاريخ المعاصر والأنثروبولوجيا التاريخية بالجامعة التونسية ورئيس جامعة صفاقس.

ويضيف الدكتور عبد الواحد المكني في تصريح لـ"الترا تونس" يقوله إن الشاي الأحمر ارتبط عند التونسيين بالأعمال الشاقة كالفلاحة والبناء والنساجات وغيرها، إذ أنه يعمل كمادة منشطة تساعد العاملين في هذه الأنشطة على التغلب على النوم لمواصلة أشغالهم. 

وقد ارتبط الشاي الأحمر الثقيل بتلك الفئة من الناس وانتشر في الريف والبادية وفي الجنوب التونسي بينما تناول البايات "الشاي الإنجليزي" الخفيف.

ويضيف الدكتور عبد الواحد المكني في حديثه مع "الترا تونس" أنه تناول بالدرس هذا المشروب في مقال بعنوان "من الظواهر الاستهلاكية الجديدة في المجتمعات المغاربية في الفترة الاستعمارية: "الشاي والتكروري" بالبلاد التونسية" وقد نشر في مجلة إنسانيات بالجزائر وهو يسعى لإصداره في كتاب.

 

هذا المشروب الأحمر دخل تونس في مطلع العشرية الثانية من القرن العشرين

 

ويتابع بقوله إن "انتشار الشاي في تونس ظهر أولاً عند الطرابلسيين أو الليبيين الوافدين، أكثر مما هو عند التونسيين، كما انتشر بشكل أوسع في جنوب البلاد قبل شمالها، وفي الجهات الداخلية قبل المناطق الساحلية، وعرف رواجًا عند الفئات غير المتعلمة وعامة الشعب والفقراء والمهمشين أولاً، وذلك أكثر مما عرفه لدى الفئات المتعلمة والأعيان والأثرياء والمرفهين، كما أقبل عليه الرجال أكثر من النساء ولقي شعبية عند الشيوخ والكهول أكثر من الشبان والأطفال، وبدأ بالانتشار أولاً في الأوساط الريفية وعرف فيها إقبالاً أوسع من المدن".

كما لفت إلى أن "الشاي الأحمر انتشر بشكل واسع وأصبح مشروبًا يُطبخ صباحاً ويُستعمل لتهدئة الرضع"، إلى أن ظهر "الكسكروت بالتاي" وهو وضع الشاي في قطعة الخبز وأكلها.

وبين الدكتور عبد الواحد المكني في حديثه مع "الترا تونس" أن مشروب الشاي واجه مع بداية انتشاره وخاصة سنة 1927، معارضة من قبل النخب الإصلاحية التونسية التي اعتبرته آفة مست "الصحة والعقل والجيب".

أستاذ تاريخ معاصر لـ"الترا تونس": الشاي الأحمر انتشر بشكل واسع وارتبط عند التونسيين بالأعمال الشاقة كالفلاحة والبناء والنساجات 

وأشار إلى أن الأطباء قاموا بدراسة الأخطار الصحية والجسمانية للشاي، وكان الطبيب التونسي البشير الدنقزلي أول من أثار القضية سنة 1927 إذ عدّد المضار الجسدية والعقلية لهذه "الآفة" الجديدة وقد برزت بحوث طبية عديدة أغلبها في فضاء معهد باستور وأكدت مخاطر الشاي، فكشفت أنه يتسبب حسب الأطباء في "اضطرابات عصبية وتصلّب الشرايين وترهّلها وكذلك يسبب صعوبة في الهضم ويضعف الخصوبة ويسبب قلة النوم وقصر النظر بل إن الشاي الأسود الذي يبالغ التونسيون في شربه يتسبب في أمراض الكبد والقرحة خصوصًا أن العديد منهم يشربونه منذ الصباح الباكر على بطون خاوية".

 

لا تزال العائلات التونسية وخاصة في مناطق الجنوب تحافظ على "العالة" وتعتبرها أساسية في جهاز كل عروس

 

من جهة أخرى يقول الباحث في التراث بالجنوب الغربي علي الصمايري، في تصريحه لـ"الترا تونس"، إن "كل محاولات التصدي لإدمان الشاي الأحمر في تونس باءت بالفشل، إذ يعتبر مدمنوه أنه مفيد لنشاطهم ومؤنس جلساتهم، فانتشر بين التونسيين ودخل في عاداتهم بل إنهم تونسوه أيضًا فجعلوا منه مشروبًا بنكهة تونسية".

ويطبخ الشاي بوضع "الحشيشة" والماء والسكر ويطهى جيدًا في إناء حديدي يسمى "البراد" يوضع في "كانون" على الفحم ترافقه "عالة التاي" وهي أساسية وتتكون من "كؤوس طرابلسي" وطبق للتقديم وعلب السكر والشاي والكاكاوية أو اللوز وإناء لغسل الكؤوس.

ولا تزال العائلات التونسية وخاصة في مناطق الجنوب، تحافظ على "العالة" وتعتبرها أساسية في جهاز كل عروس حتى وإن كانت لن تطبخ الشاي الأحمر في بيتها.

ويضيف محدثنا أن "الشاي الأحمر لم يكن مشروبًا عاديًا بل له دلالات اجتماعية واقتصادية وهو جزء من موروثنا الشعبي فقد كان في بداية انتشاره لا يشربه إلا أعيان الجهة وأثرياؤها".

ويتابع قائلاً: "يوم السوق الأسبوعي كان رجال القرية وأعيانها يتجمعون في دكان ويطلبون "قطعية تاي" وتعني 10غرامات "حشيشة" و150 غرام سكر ويدفع أحد الحاضرين ويكون ذو مكانة خاصة فهو "مخلص حق التاي" في الميعاد وهو الذي يقوم بتقديمه من اليمين إلى اليسار، وكان الشاي الأحمر ذو مكانة خاصة فيقال من باب الفخر "والله اليوم شارب التاي في الحانوت"".

 

باحث في التراث لـ"الترا تونس": الشاي الأحمر لم يكن مشروبًا عاديًا بل له دلالات اجتماعية واقتصادية 

 

ولم يكن مسموحًا للمرأة، بحسب الباحث نفسه علي الصمايري، أن تشرب الشاي إلا خلسة ووحدها ودون علم أبيها أو زوجها، كما أن الزوجة الثانية كانت تمنع من شرب الشاي لأن ضرتها الأولى هي التي تحتكر شربه لوحدها، آنذاك.

وبين الباحث في التراث بالجنوب الغربي علي الصمايري، في تصريحه لـ"الترا تونس"، أن "المرأة القوية التي تكون معروفة في كل الجهة بالحضور في "الميعاد" مع الرجال وتشارك في محادثاتهم، وحدها التي تشرب الشاي ويقال عنها في أنحاء القرية "فلانة راهي تشرب التاي".

باحث في التراث لـ"الترا تونس": الشاي الأحمر لم يكن مشروبًا عاديًا بل له دلالات اجتماعية واقتصادية وهو جزء من موروثنا الشعبي

وشدد الصمايري على أن المنظومة الشعرية الشعبية، قالت الكثير عن الشاي ومنها هذه الأبيات:

"يا تاي منك نزهى، الخصايل الأربع حايزها.. لولا كيفية، والثانية انحي التعب والعيا، والثالثة للضيف فنطزية، والرابعة كيسان فوق الطاولة راكزها".

***

"ويا تاي ريتك عين في عشتنا حني نشربوا والناس ما همتنا"

***

"كاس من البراد مر اداوي حشيش شرق في فنجان دار رغاوي"

***

"كاس تاي في رأس الجبل عكرته، وهسس عليا السمح وتفكرته"

ومع التغيرات التي شهدها المجتمع التونسي وخاصة وعيه الصحي، بآثار الشاي الأحمر جعل من هذا المشروب يتراجع دون أن يفقد مكانته عند العديد من التونسيين، حسب تأكيد الدكتور عبد الواحد المكني في حديثه مع "الترا تونس"، مضيفًا أنه يعد أحد المولعين بشرب الشاي الأحمر لكنه هجره لأسباب صحية.

فيما يرى الباحث في تراث الجنوب الأستاذ علي الصمايري، أن الأجيال الجديدة باتت تهتم بلون أسنانها وتعتبر أن الشاي الأحمر يعد مشروبًا "تقليديًا ومتخلفًا" فعوضته بأنواع من القهوة الإيطالية والفرنسية، ويشدد على أن التاي الأحمر يبقى بـ"عالته" و"براده" و"كانونه" رمزًا للجلسة العائلية الحميمية وللسهرات والمسامرات وللترابط الأسري، فقد جمع "التاي الأحمر" الأسرة ولم شملها وحين غيبوه تشتتوا وانغمسوا في هواتفهم الجوالة.

الكلمات المفتاحية

كورونا ناصر طلال الأناضول.jpg

نقص الأدوية في تونس.. منظمات: الأزمة هيكلية وفئات هشة تواجه خطر الموت

الكاتبة العامة للمجلس الوطني لهيئة الصيادلة ثريا النيفر قد أكدت في تصريح لـ"الترا تونس"، يوم الاثنين 12 جانفي/يناير 2026، أن "الصيدليات الخاصة تفتقر لعدة أدوية، لعدم إمكانية التزود بها خلال الفترة الأخيرة نتيجة أزمة السيولة المالية لدى الصيدلية المركزية"


جيل زد في تونس.. جيل مجازف يبحث عن خلاصه الفردي

جيل زد في تونس.. جيل مجازف يبحث عن خلاصه الفردي

سوسن درين (مختصة في علم الاجتماع) لـ"الترا تونس": العائلة التونسية تعيش أزمتها مع جيل زد الذي يبدو غير مفهوم وغامض ولا يحسن التعبير عن دواخله الضاجة وهواجسه المتلاطمة وأحلامه المختلفة.. هو جيل لا يمكن إغراؤه بسهولة، نظرته يغيب منها الانبهار والدهشة، لا يقيم طويلًا في لذة الأشياء..


من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء

من تجربة رائدة إلى قضية استعجالية.. واحات جمنة تُهدَّد بالإخلاء

تترقّب جمعية حماية واحات جمنة، مصير قضيتيْن تنظر فيهما الجهات القضائية نهاية هذا العام وبداية العام المقبل: الأولى استعجالية تتعلّق بإخلاء "الضيعة" التي تُعدّ مصدر رزق لمئات الأسر، والثانية تتعلّق بتقييم محاصيل نخيل الواحة منذ عام 2011.


وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس

وفاة ممرضة في الرديف متأثرة بحروقها أثناء العمل يثير الغضب في تونس

أثارت وفاة الممرضة التونسية أزهار بن حميدة، التي فارقت الحياة متأثرة بالحروق التي تعرضت لها أثناء تأديتها لحصة الاستمرار الليلية بالمستشفى المحلي في الرديف، وفق ما صرح به الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، في وقت سابق لـ"الترا تونس"، موجة غضب واسعة في تونس. وأدت الحادثة إلى سلسلة من ردود الفعل من نقابات القطاع الصحي، المنظمات الحقوقية، والناشطين…

شذى الحاج مبارك تونس أنستالينغو نقابة الصحفيين
سیاسة

منظمات وجمعيات تدعو إلى الإفراج عن شذى الحاج مبارك وأحمد صواب والعياشي الهمامي

أعربت عدد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية عن بالغ قلقها، يوم الثلاثاء 13 جانفي 2026، إزاء الوضع الصحي المتدهور للسجينة والصحفية شذى الحاج مبارك، الموقوفة منذ 20 جويلية 2023 على خلفية قضية مرتبطة بالاستعانة بمعلومات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي

جدل واسع حول بلاغ وزارة المالية حول تطبيق "المرونة" في الفوترة الإلكترونية
اقتصاد

"اعتماد المرونة في الفوترة الإلكترونية".. تثير جدلًا واسعًا في تونس

أثار بلاغ وزارة المالية الصادر يوم الثلاثاء 13 جانفي 2026 بشأن تطبيق الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 جدلًا واسعًا في الأوساط المهنية والإعلامية وبين المواطنين، بعد أن أعلن فيه أن العمليات الاقتصادية ستخضع للفوترة الإلكترونية ابتداءً من غرة جانفي 2026، مع التعامل بـ"مرونة" في التطبيق لتفادي الاضطراب والإرباك.


موسم الحج معبد الغريبة بلعيد.jpg
سیاسة

إرجاء محاكمة المتهمين في هجوم كنيس الغريبة بجربة إلى أجلٍ غير مسمى

أرجأت السلطات القضائية في تونس، الثلاثاء 13 جانفي 2026، محاكمة المتهمين في الهجوم الذي استهدف كنيس الغريبة في جزيرة جربة خلال موسم الحج اليهودي السنوي في ماي 2023، وذلك إلى أجلٍ غير مسمى، وفق وكالة الأنباء الفرنسية "فرانس براس". وكان الهجوم قد أسفر عن سقوط خمسة قتلى

يوم غضب وإضراب مفتوح في قطاع التربية المختصة مع حمل الشارة الحمراء
مجتمع

يوم غضب وإضراب مفتوح في قطاع التربية المختصة مع حمل الشارة الحمراء

قرر المربّون المختصّون، ارتداء الشارة الحمراء ابتداء من تاريخ الاثنين 12 جانفي 2026 "والانخراط الفعلي في جميع الأشكال النضالية القانونية والمشروعة دفاعًا عن حقوقهم المسلوبة" وفق نص بيانهم

الأكثر قراءة

1
مجتمع

تعرّض تلميذة إلى صعقة كهربائية في مدرسة بالقيروان ومطالب بفتح تحقيق


2
سیاسة

الطاهري: تأجيل الإضراب العام لاتحاد الشغل إلى موعد ستُحدّده الهيئة الإدارية


3
سیاسة

ما حقيقة تعرض إطار أمني إلى طلق ناري ليلة رأس السنة؟


4
مجتمع

نقابة الصيدليات لـ"الترا تونس": ديون الكنام تجاه الصيدليات الخاصة تجاوزت 200 مليون دينار


5
سیاسة

قيس سعيّد: من الضروري وضع تصور جديد لكل الصناديق الاجتماعية