"الباك سبور" في تونس.. ضغط نفسي وأسعار مشطّة
10 أبريل 2026
تحوّل امتحان التربية البدنية "الباك سبور" ضمن مناظرة البكالوريا في السنوات الأخيرة، إلى محطة حاسمة تثير كثيرًا من الجدل والقلق، سواء لدى التلاميذ أو أوليائهم. فبعد أن كان يُنظر إليه كمجال لتقييم القدرات الجسدية والمهارات الرياضية في إطار مدرسي عادي، أصبح اليوم محاطًا بمنظومة موازية من التحضيرات الخاصة، تتوزع بين قاعات الرياضة والمدربين الخاصّين.
في هذا السياق، برزت سوق موازية نشطة خلال فترة الامتحانات، حيث تتكثف العروض التدريبية وتتصاعد الأسعار، وسط اتهامات باستغلال حالة القلق التي يعيشها التلاميذ وأولياؤهم. وبين من يرى في هذه الخدمات فرصة لتعويض النقص وتحسين الأداء، ومن يعتبرها تكريسًا لمنطق "التعليم لمن يدفع أكثر"، يظلّ السؤال مطروحًا حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
من يملك الإمكانيات للتدرب عند مدرب خاص تكون له أفضلية واضحة
تصف أمّ حنين فترة التحضير لامتحان التربية البدنية خلال البكالوريا بأنها كانت من أكثر المراحل ضغطًا، لا على ابنتها فحسب، بل على العائلة بأكملها، معتبرة أنّ هذا الاختبار تحوّل إلى مصدر توتر إضافي بسبب الخوف من تأثيره على المعدل العام. وتقول في حديثها لـ"الترا تونس" إنّها حاولت قدر الإمكان مرافقة ابنتها نفسيًا والتخفيف عنها، "لكن الضغط كان حاضرًا بقوة"، وفق تعبيرها.
برزت سوق موازية نشطة خلال فترة امتحان التربية البدنية "الباك سبور"، حيث تتكثف العروض التدريبية وتتصاعد الأسعار، وانقسام الآراء بين من يعتبرها فرصة لتحسين الأداء ومن يراها تكريسًا لمنطق "التعليم لمن يدفع أكثر"
هذا القلق دفعها، مثل عديد الأولياء، إلى اتخاذ قرار تسجيل ابنتها لدى مدرب خاص، وهو خيار تبرره بضعف التأطير داخل بعض المعاهد والخشية من عدم جاهزية ابنتها من حيث الأداء والتقنيات المطلوبة، مضيفة أنّ التدريب الفردي منحها ثقة أكبر وساعدها على تحسين مستواها.
اقرأ/ي أيضًا: "دخلة الباك سبور".. مشهديات تتجاوز السائد المدرسي
لكن هذا القرار لم يكن دون كلفة، إذ تشير أمّ حنين إلى أنّ الأسعار خلال هذه الفترة "مرتفعة نوعًا ما"، خاصة مع نسق الحصص المنتظمة، حيث تراوحت المصاريف الجملية بين 200 و400 دينار، وهو مبلغ تعتبره "ليس في متناول كل العائلات". وتلفت إلى أنّ بعض القاعات والمدربين يستغلون، إلى حدّ ما، حالة القلق التي يعيشها الأولياء، عبر الترفيع في الأسعار، بما يصل أحيانًا إلى 20 دينارًا للحصة الواحدة، "لأنهم يعرفون أن الوليّ مستعدّ للدفع لضمان أفضل حظوظ لابنه"، مع تأكيدها أنّ هذا لا ينطبق على الجميع، لكنه يظلّ ظاهرة قائمة.
ولا تقف الأعباء عند حدود التدريب، بل تمتدّ إلى مصاريف الملابس الرياضية، التي تراها عبئًا إضافيًا، خاصة عندما يتعلق الأمر باقتناء تجهيزات أو أحذية ذات جودة، ما يزيد من الضغط على ميزانية الأسرة في فترة تتزامن أصلًا مع مصاريف أخرى.
وفي هذا السياق، تعبّر أمّ حنين عن قلقها من تأثير هذه التكاليف على مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، معتبرة أنّ من يملك الإمكانيات للتدرب في قاعات مجهزة أو مع مدربين خواص تكون له أفضلية واضحة، وهو ما يطرح، في نظرها، إشكالًا حقيقيًا حول عدالة هذا الامتحان الذي لم يعد قائمًا فقط على قدرات التلميذ، بل أيضًا على الوضع المادي لعائلته.
امتحان الرياضة في البكالوريا.. عبء مالي على الأولياء
تؤكد السيدة أميرة لـ"الترا تونس" أنّ ضغط التحضير لامتحان التربية البدنية لم يكن كبيرًا مقارنة ببقية الأولياء، مبرّرة ذلك بكون ابنها متميزًا في هذه المادة منذ البداية، وهو ما خفّف نسبيًا من حدّة التوتر داخل العائلة. وتوضح في حديثها أنّها لم تكن تعيش هاجس النقاط بنفس الدرجة، غير أنّها، ورغم ذلك، اضطرت إلى تسجيله في قاعة رياضة لمدة شهر، خصّصها لما وصفته بـ"اللمسات الأخيرة"، في محاولة لضمان جاهزية أفضل يوم الامتحان وتعزيز ثقته بنفسه. لكن هذا الاطمئنان النسبي لم يدم طويلًا، إذ تشير إلى أنّها عاشت فترة قلق حقيقية بعد تعرض ابنها إلى كدمة على مستوى الركبة، وهو ما أعاد إليها هاجس الإصابة وتأثيرها المحتمل على أدائه، خاصة في مرحلة حاسمة مثل البكالوريا.
أميرة (وليّة لتلميذ بكالوريا) لـ"الترا تونس": البكالوريا تحوّلت اليوم إلى عبء ثقيل على كاهل الأولياء، لا في مادة الرياضة فقط، إذ خرج الأمر في كثير من الأحيان عن إطاره التربوي ليتحوّل إلى نوع من الاستعراض والمبالغة
وفي قراءتها الأوسع للمشهد، تعتبر أميرة أنّ البكالوريا تحوّلت اليوم إلى عبء ثقيل على كاهل الأولياء، لا في مادة الرياضة فقط، بل في مختلف الجوانب، سواء من حيث الدروس الخصوصية أو المصاريف المرافقة. وتلفت إلى أنّ الأسعار المطلوبة في قاعات الرياضة أو لدى بعض المدربين "مشطّة" على حدّ تعبيرها، معتبرة أنّ الأمر خرج في كثير من الأحيان عن إطاره التربوي ليتحوّل إلى نوع من الاستعراض والمبالغة، حيث تتنافس بعض القاعات في الترويج لخدماتها أكثر من تركيزها على جودة التأطير.
ورغم هذه الملاحظات، ترى أميرة أنّ إمكانية تحقيق تكافؤ الفرص بين التلاميذ تظل قائمة، لكن بشروط واضحة، أبرزها أن يضطلع أستاذ التربية البدنية داخل المعهد بدوره كما ينبغي، من حيث التأطير والمتابعة وتوفير الحد الأدنى من الإعداد الجيد لجميع التلاميذ. وتختم بالقول إنّ استعادة التوازن في هذا الامتحان تمرّ أساسًا عبر إعادة الاعتبار للدور المدرسي، حتى لا يظلّ الولي مجبرًا على البحث عن حلول موازية تتحمل كلفتها العائلة وحدها.
الإعداد لامتحان التربية البدنية أصبح "سوقًا تجاريًا"
في تقييمه لظاهرة لجوء تلاميذ البكالوريا إلى قاعات الرياضة والمدربين الخاصين، يقرّ المدرب بشير العياري بأنّ المسألة هي نتيجة حتمية لعدة اختلالات داخل المنظومة التربوية.
ويؤكد أنّ عددًا كبيرًا من التلاميذ لا يتمكّنون من استكمال الحصص التطبيقية داخل المعاهد، إمّا بسبب غياب القاعات المغطاة، حيث تتعطل الدروس مع أول تساقط للأمطار، أو نتيجة الإضرابات وغياب الأساتذة، وهو ما ينعكس مباشرة على جاهزية التلميذ لاجتياز اختبار يتطلب إتقان "enchaînement" وبقية الاختصاصات.
في المقابل، لا يُخفي العياري وجود جانب من المسؤولية لدى بعض التلاميذ أنفسهم، ممن يهملون حصص الرياضة طيلة السنة، على أمل تدارك كل شيء في الأسابيع الأخيرة عبر اللجوء إلى مدرب خاص "يصبّ لهم المعلومة صبًّا"، على حدّ تعبيره، إضافة إلى عامل نفسي يهمّ خاصة غير الممارسين للرياضة، الذين يفضلون تفادي الإحراج أمام زملائهم داخل المعهد.
ويرى العياري أنّ الإعداد لامتحان التربية البدنية بات اليوم مرتبطًا بشكل واضح بالقدرة المادية، بعد أن تحوّلت هذه المادة، وفق توصيفه، إلى "سوق تجارية" تنتعش فيها عدة قطاعات موازية، من قاعات الرياضة إلى المدربين وصولاً إلى العلامات التجارية للملابس الرياضية.
ويضيف أنّ هذه السوق تبدأ في النشاط منذ شهر فيفري/شباط، حيث تنطلق القاعات في الترويج لخدماتها دون رقابة تُذكر، مع تحديد الأسعار حسب الموقع الجغرافي، بين الأحياء الراقية والشعبية.
بشير العياري (مدرب) لـ"الترا تونس": الإعداد لامتحان التربية البدنية بات مرتبطًا بشكل واضح بالقدرة المادية، بعد أن تحوّل إلى "سوق تجارية" تنتعش فيها عدة قطاعات موازية، من قاعات الرياضة إلى المدربين وصولاً إلى العلامات التجارية للملابس الرياضية
أما بخصوص تفاوت أسعار المدربين، فيعتبره أمرًا طبيعيًا في جزء منه، إذ تختلف الكفاءة والخبرة ومستوى التأهيل، غير أنّ غياب معايير واضحة يفتح الباب أيضًا أمام فوضى تسعير تحكمها قاعدة "اللي سمّاك غناك"، في ظل غياب رقابة فعلية، حيث "كلٌّ يغني على ليلاه".
ولا يخفي العياري انزعاجه من استغلال حالة القلق التي يعيشها التلاميذ وأولياؤهم خلال هذه الفترة، مؤكدًا أنّ بعض الأطراف توظف هذا التوتر لفرض برامج تدريب مكلفة، خاصة في ظل تأثير التقليد بين التلاميذ، حيث يسارع الكثيرون إلى تقليد أقرانهم في اللجوء إلى "الكوتشينغ"، بينما يتحمّل الولي الكلفة في النهاية.
ويمتد هذا المنطق، وفق قوله، إلى سوق الملابس الرياضية، التي تشهد بدورها انتعاشة كبيرة مدفوعة بحملات دعائية وصور "ترند"، رغم أنّ المطلوب، في نظره، لا يتجاوز ارتداء زي رياضي لائق يحترم شروط الامتحان ويترك انطباعًا إيجابيًا لدى لجنة التقييم.
وفي ما يتعلق بالحلول، يختزل العياري الإشكال في غياب الرقابة الصارمة، معتبرًا أنّ تكثيف المراقبة وتطبيق القانون بجدية كفيلان بإعادة التوازن وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين. ويختم بالقول إنّ استمرار الوضع على حاله سيُبقي امتحان الرياضة "سوقًا مفتوحة"، ينجح فيها من يملك القدرة على الدفع، بينما يُثقل كاهل الفئات الأقل حظًا.
الكلمات المفتاحية
ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟
تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..
ارتفاع أسعار النزل والاصطياف في تونس سنة 2026 يثقل كاهل الأسر
تتواصل خلال صائفة 2026 موجة ارتفاع أسعار خدمات النزل والاصطياف في تونس، وسط شكاوى من غلاء تكلفة العطلة الصيفية مقارنة بالموسم الماضي..
عن أزمة المراحيض العموميّة في تونس
ما الذي يجعل كاتبًا أو صحفيًّا أو مدوّنًا يهتمّ بمشغل سفليّ بسيط في ظنّ الكثيرين لا يرقى عمقًا ودقّة وخطورة إلى القضايا السياسيّة والأمنيّة والفنيّة؟
كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟
منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء
محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي
أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..
ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟
تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..
تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه
نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون