ultracheck
رأي

الانتقال الطاقي في تونس.. بين ديمقراطية فاسدة وشعبوية تسلطية

30 أبريل 2026
توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في تونس.jpg
"النظام السياسي في ذاته لا يؤثر بشكل جوهري في الانتقال الطاقي خصوصًا والتنمية الاقتصادية عمومًا. هذا أمر أساسي" (صورة توضيحية)
طارق الكحلاوي
طارق الكحلاوي أكاديمي وناشط سياسي من تونس

مقال رأي 

 

تحقيق الانتقال الطاقي يعدّ أحد أهم التحديات الضرورية والملحة أمام الدول المستوردة للطاقة الأحفورية، أي امتلاك الطاقات المتجددة بما يجعلها تمثل نسبة مهمة (بين الثلث والثلثين) من الحاجات الطاقية العامة. ليس ذلك فقط استحقاقًا كونيًا يجب على البشرية المُضي فيه بسبب الاحتباس الحراري والتغير المناخي وخطر تهديد البيئة، بل أيضًا ببساطة لأن الطاقة الأحفورية فانية ولا يمكن أن تتجدد.

يبقى السؤال المطروح: كيف يتم الانتقال الطاقي بما يسمح بتقليص التبعية الطاقية وتحويلها إلى فرصة لنقل التكنولوجيا وتقوية المؤسسات الوطنية؟

لكن هذا الجدل الذي تعرضت إليه في مقالات سابقة، هو بذات أهمية جدل آخر يعبّر عنه هذا التساؤل: هل أن التحولات الهيكلية يمكن أن تتحدد وفق النظام السياسي، أي ما تأثير الديمقراطية والتسلطية على إنجاز التحول الطاقي؟

اتجهت البلاد منذ بداية الألفية الثالثة بشكل مطرد نحو حالة عجز طاقي وتناقص الاستثمارات في الطاقات الأحفورية وأيضا تبعية طاقية. وتُجسّد تونس نموذجًا واضحًا في العجز الطاقي. إذ انخفض معدل الاكتفاء الذاتي الطاقي من 47% عام 2023 إلى 45% عام 2024، ثم تراجع إلى 39% عام 2025، في حين استأثر العجز الطاقي بنحو 53.4% من عجز الميزان التجاري للسلع في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2023، ما يعادل 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي المقابل، يتحقق التوازن الطاقي حين تتكافأ قدرة الدولة الإنتاجية مع طلبها الداخلي دون الحاجة إلى الخارج، وهو هدفٌ استراتيجي تسعى إليه أغلب الدول باعتباره ركيزةً للسيادة الاقتصادية والأمن الوطني. غير أن كثيرًا من الدول تظل بعيدة عن هذا التوازن؛ ففي الاتحاد الأوروبي مثلًا، بلغت نسبة الاعتماد على الاستيراد الطاقي 57% عام 2024، بمعنى أن ما يقارب ستة من كل عشرة وحدات طاقة مستهلكة مصدرها الخارج. وبلغت تكلفة العجز الطاقي نحو 8983 مليون دينار (ما يعادل 2.7 مليار يورو) عام 2023، منها وحدها 3517 مليون دينار (نحو مليار يورو) ثمنًا لاستيراد الغاز الطبيعي من الجزائر.

تحقيق الانتقال الطاقي يعدّ أحد أهم التحديات الضرورية والمُلحة.. ولم يتوفّر إثر 25 جويلية 2021 إطار لتنزيل سيادي لمشاريع هذا القطاع رغم الخطاب المركز على المسألة السيادية، ولم تُثبَت أي نجاعة حتى الآن

وتُعرّض هذه التبعية الدولَة لضغوط جيوسياسية واضطرابات الأسواق العالمية، وتُقيّد هامش مناورتها الخارجية والتنموية. كل ذلك يطرح بلا شك الحاجة لتسريع الانتقال الطاقي. ولم ننجح إثر الثورة في الدفع بالسرعة الكافية نحو ذلك. واستحضر هنا مشروعًا متكاملًا عملنا عليه في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (2012-2014) في إطار رئاسة الجمهورية لتأسيس مركب طاقي بحثي وإنتاج بتمويل كويتي وبشراكة مع مؤسسة ألمانية شهيرة يتم تركيزه في تطاوين وتم إرساء التصور الرئيسي في تفاصيله خلال زيارات إلى ألمانيا والكويت، لكن لم يكن الإطار التشريعي جاهزا بعد في الفترة الانتقالية المبكرة.

لم يكن الأمر قبل 25 جويلية/يوليو 2021 وضعًا ورديًا، إذ إننا كنا إزاء ديمقراطية فاسدة باختلاط التموقع مع المصالح والزبونية، وأيضًا لم تكن ناجعة على مستوى الإنجاز. كتبت سنة 2015 حول الطاقات المتجددة، إثر تمرير القانون المنظم للقطاع، وتطرقت إلى مسألة إبرام الوزارة المعنية للعقود، على غرار قطاع الطاقات الأحفورية، في علاقة بالفصل 13 من دستور 2014 الذي يفرض عرض عقود الثروات الطبيعية على البرلمان.

اقرأ/ي أيضًا: بين السيادة والتبعية.. ملفّ الطاقة المتجددة يشعل الجدل في تونس

ففي الوقت الذي أقرت فيه هيئة مراقبة دستورية القوانين ضرورة عرض عقود الطاقة المتجددة، أكد المدير العام للطاقة بوزارة الصناعة آنذاك على "وجود غموض في تحديد مفهوم الثروات الطبيعية الواردة بالفصل 13 من الدستور، حيث أكد أن الطاقات المتجددة لا تندرج ضمن الثروات الطبيعية".

وعندما لا ترى إدارة الطاقة علاقة بين الطاقات المتجددة والثورات الطبيعية فقط لتجنب الرقابة على العقود، فإننا بذلك إزاء إشكال كبير لم يعد فيه من الواضح أي المصالح تمثل إدارة الدولة، المصلحة العامة أم المعنيين بالعقود. ومما يزيد الأمر سوءًا أن نائب رئيس لجنة الطاقة في مجلس نواب الشعب سنة 2015، وهو نائب كان قياديًا في "نداء تونس" يرفض الرقابة البرلمانية على العقود، ولا يجب أن يكون ذلك أمرًا مصادفًا، فهو أحد أهم المستثمرين المحليين الخواص في هذا القطاع.

لكن الإطار الجديد إثر 25 جويلية/يوليو 2021، أي نظام شبعوي يتجه بشكل متسارع نحو التسلطية والغلق التدريجي لمجال النقاش العام، لم يكن أيضًا إطارًا لتنزيل سيادي لمشاريع هذا القطاع رغم خطابه المركز على المسألة السيادية، ولم يثبت نجاعته حتى الآن.

وعمومًا كان الطرف المبادر هو الطرف الأوروبي الذي حدد توقيت ومستوى الاستثمار في الطاقات المتجددة، خاصة إثر الحرب الروسية في أوكرانيا ونضوب إمدادات الغاز الروسي. وقد عرفت العلاقات الاقتصادية خاصة مع إيطاليا خلال السنوات الخمس الأخيرة تصاعدًا واضحًا في التعاون خاصة عبر المشاريع الطاقية.

وأطلقت إيطاليا "خطة ماتي" التي تهدف إلى تحويل تونس إلى منصّة طاقة نحو أوروبا، وتشمل مشاريع كبرى على غرار الربط الكهربائي البحري (ELMED) المزمع إنجازه بحلول 2028، إضافة إلى اتفاقية روما في جانفي/يناير 2025، ورُصدت تمويلات بقيمة 400 مليون يورو لدعم استثمارات الطاقات المتجدّدة، وقروض ميسّرة من صندوق الاستثمار الإيطالي (EIB) والصندوق الألماني (KfW)، ومشاركة القطاع الخاصّ عبر شراكات عام - خاص، وضمانات ائتمانية.

لعلّ أحد أهمّ هذه المشاريع هو مشروع (South2 Corridor) الذي تمّ إمضاؤه في روما في جانفي/يناير 2025 بحضور تونس وغيرها من دول شمال أفريقيا بما في ذلك الجزائر، إلى جانب عدد من دول أوروبا الوسطى من بينها ألمانيا والنمسا.

استمرت الأمور كما هي على مستوى الخيارات العامة، حيث تُسيّر الإدارة أساسًا مسائل استراتيجية بتأثير واضح للخيارات الأوروبية.. ولم تؤثر لا الديمقراطية ولا التسلطية في هذا التوجه في الحالة التونسية

حيث تقول الانتقادات إنّ مشاريع الهيدروجين ستؤثّر سلبًا على الموارد المائية في بلد يعيش شحًّا مائيًا، حسب أحد التقارير البيئية التي تشير إلى أن "التقديرات الأولية تكشف أن إنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع قد يستهلك ما يصل إلى 9 لترات من الماء لكلّ كيلوغرام من الهيدروجين المنتَج، إلا أنّ متطلّبات الإنتاج الفعلي تتجاوز ذلك بكثير، إذ تتراوح التقديرات بين 20 و30 لترًا لكلّ كيلوغرام عند احتساب عمليات التنقية والتبريد، ممّا يضيف ضغطًا هائلًا على الاحتياطيات المائية التونسية التي تعاني أصلًا من الاستنزاف الشديد".

وتعرّض "تقرير حول التجاوزات وإهدار المال العام من قبل الوزارة المكلّفة بالطاقة" صدر عن لجنة الطاقة بالبرلمان التونسي في شهر جويلية/يوليو 2025، إلى عدد من الهواجس المتعلقة بالاستراتيجية التونسية للطاقة المتجددة، بما في ذلك عدم احترام الآجال القانونية للتقدّم في المخطّط الوطني لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.

لكن من أهم الانتقادات الواردة في التقرير  والموجّهة للسلطة التنفيذية هي "تخفيض الكلفة للمستثمر الأجنبي الخاصّ على حساب الشركة التونسية للكهرباء والغاز"، ويذهب التقرير إلى اتهام السلطات بـ"التفريط في مقدرات الشعب لصالح شركات خاصّة أجنبية"، ومنحها امتيازات تصل إلى 1253 مليون دينار في سياق إسناد مشاريع الطاقة المتجدّدة عمومًا خاصة إثر أزمة الكوفيد.

في نهاية الأمر استمرت الأمور كما هي على مستوى الخيارات العامة، حيث تسير الإدارة أساسًا مسائل استراتيجية بتأثير واضح للخيارات الأوروبية الاستراتيجية. ولعل استمرار بلحسن شيبوب في موقعه كمدير عام للانتقال الطاقي تعبيرًا رمزيًا مكثفًا على ذلك. ولم تؤثر لا الديمقراطية ولا التسلطية في هذا التوجه في الحالة التونسية.

كما أنه على مستوى التجارب المقارنة يمكن أن نرى حالات انتقال طاقي رائدة في سياقات ديمقراطية (النموذج السكندنافي) أو تسلطية (النموذج الصيني).

النظام السياسي في ذاته لا يؤثر بشكل جوهري في الانتقال الطاقي خصوصًا والتنمية الاقتصادية عمومًا. هذا أمر أساسي، ونعتبر أننا لا نتشارك مع المدرسة الليببرالية التي تشترط في التنمية الاقتصادية التأسيس الليبرالي السياسي، وهي أطروحة مثلًا مؤلفي كتاب "لماذا تفشل الأمم؟"، حيث يقول الواقع إن تجارب تنموية اقتصادية نموذجية تأسست أيضًا في سياق التسلطية، مثل كوريا الجنوبية وسنغفورة وأهم مثال على ذلك الصين طبعًا.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

حمة الهمامي فيسبوك.jpg

دعوات للقتل.. ماذا بعد؟

من نافلة القول إنّ الصّمت أمام التّحريض بجميع أشكاله يُعتبر مشاركة ضمنيّة فيه، بل وصكًّا على بياض للمُضيّ قُدمًا في هذا الخطاب العنيف


11 سجينًا سياسيًا يدعون في رسالة مشتركة للتوحّد لاستعادة الحرية والديمقراطية

رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟

توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟


علم تونس Claudia Rolando REDA Getty

مرة أخرى حول السيادة.. عقول تُصدَّر وكهرباء تُرهَن

تلك هي المفارقة التونسية الراهنة: لم يسبق أن ارتفع صوت السيادة بهذا العلوّ، ولم يسبق أن كانت مضامينها بهذا الفراغ..


القمع تونس الشبكة التونسية للحقوق والحريات

في عبثيّة القمع

"إنّ سلطة الأمر الواقع تحظى، اليوم، في سياساتها القمعيّة، بدعم لا يُستهان به من قطاع من الرّأي العامّ، أي أنّ الأمر لم يعد يتعلّق بأجهزة ومؤسّسات رسميّة قمعيّة فحسب، بل بجزء من المجتمع يتبنّى القمع كأسلوب حكم ويُحرّض عليه.."

منجي مرزوق.jpg
مجتمع

كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟

منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء

محمد بالحاج محمود
منوعات

محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي

أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..


طلبة
مجتمع

ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟

تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..

هيثم المكي وإلياس الغربي بلعيد.jpg
میدیا

تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه

نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون

الأكثر قراءة

1
سیاسة

وزير خارجية تونس يقدّم التعازي لأمير قطر في قصر لوسيل


2
منوعات

صبري اللموشي يكشف كواليس نهاية تجربته مع المنتخب التونسي


3
مجتمع

رفض مطلب الإفراج عن الناشط عبد الله السعيد وتأجيل القضية


4
منوعات

12 ولاية تونسية ضمن مستوى إنذار مرتفع.. ما القصة؟


5
مجتمع

انقطاعات واسعة ومتكررة للكهرباء بتونس.. استياء كبير و"الستاغ" توضّح الأسباب