الانتقال الديمقراطي في تونس.. إلى متى؟

الانتقال الديمقراطي في تونس.. إلى متى؟

كان سقف الانتظارات عاليًا في بدايات سنة 2011 (فرانك بريفال/Gettty)

 

مقال رأي

 

"في هذا الوطن، في هذا الوقت، الحجارة هي أسهل ما يمكن العثور عليه. لا يخلّف الهدم إلّا حجارة لا تصلح للبناء"، هكذا كتب الروائي الكويتي سعود السنعوسي في نصّه "فئران أمّي حصّة"، الرواية الّتي ضاق بها مزاج الرّقيب الحكومي فمنعها من النّشر في بلاده. رواية صدّرها الكاتب بعبارة "احموا الناس من الطعون"، مشيرًا إلى الآفة الطائفية التي تعتمر في الشوارع والأفئدة. 

10 سنوات هو عمر الثورة التونسية حتى الآن، تخلّلتها مخاضات عسيرة، أحداث ساخنة وعثرات عديدة. قد تختلف زوايا قراءة ما جرى طيلة هذه السّنوات، لا يمكن إنكار أنّه في أحسن القراءات تفاؤلاً: لم يتغيّر شيء. ما أدّى إلى انهيار سقف التوقّعات، الّذي رفع عاليًا عند رحيل المخلوع بن علي، وإلى تكثّف الأصوات الساخطة على الديمقراطيّة بصفة عامة. 

يستغل الشعبويون عديد الأصوات الساخطة من غياب التغيير والتنمية في تونس  للتنديد والوعيد وتصفية الحسابات السياسيّة

هذه الأصوات يستثمرها الشعبويون للتنديد والوعيد وتصفية الحسابات السياسيّة، بينما تتعالى أصوات أخرى تدعو للصبر على التجربة وانتظار إتمام الانتقال الديمقراطي. فتأتي الإجابة الجاهزة "للصبر حدود.. إلى متى؟".

اقرأ/ي أيضًا: عن طوفان الشعبوية في تونس..

انتقال حلزوني مكلف 

"لو جاء المسيح عيسى إلى البرازيل، للجأ هو أيضًا إلى التّحالف مع يهوذا (الإسخريوطي)"، هكذا برّر الرئيس البرازيلي السابق "لولا دا سيلفا" تحالفه مع مكوّنات، من النخب الاقتصادية والسياسيّة، المرفوضة شعبيًا. 

يسمّي صامويل هنتنغتون الفترة الممتدّة بين 1970 و2008 بالموجة الثالثة للدمقرطة، حيث ارتفع عدد الديمقراطيّات الانتخابية في العالم من 40 إلى 120 دولة. ولئن عرفت بداية السبعينيات تمترسًا ملفتً للدكتاتوريّات، إلّا أنّ ذلك تلاشى لاحقًا مع بداية انهيار الاتحاد السوفياتي وحتّى سقوط جدار برلين. 

منذ مطلع التسعينيات، انطلقت عدّة دول في أوروبا الشرقية، أمريكا اللاتينيّة وجنوب آسيا في تبنّي المثال الديمقراطي الليبرالي، باتباع مجموعة من الخطوات، حسب خصوصيّات كل نظام، تندرج في إطار ما يسمّيه المنظّرون السياسيون الغربيون بـ "الانتقال الديمقراطي Democratic Transition".

منذ مطلع التسعينيات، انطلقت عدّة دول في تبني المثال الديمقراطي الليبرالي باتباع مجموعة من الخطوات تندرج في إطار ما يسمّيه المنظّرون السياسيون الغربيون بالانتقال الديمقراطي

الانتقال الديموقراطي هو العبور السياسي من الاستبداد إلى الديمقراطيّة. عبر سنوات من المتابعة، خلصت المنظرة السياسية ألكسندرا غوجون إلى ثلاث خطوات تمهّد للانتقال المنشود: 

  • اللبرلة la libéralisation: تحرير كلّ السياسيين ومعتقلي الرّأي، إطلاق المنابر الإعلامية وإرساء تعدّدية حزبيّة 
  • تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة تتنافس فيها كل المكوّنات السياسية
  • تثبيت وترسيخ ديمقراطية تمثيلية عبر تنظيم انتخابات حرّة يضمنها نظام عدالة مستقل.

مقارنة هذه الخطوات مع المثال التونسي تفضي إلى نتيجة نسبيًّا سلبيّة. فمن جهة،  وبحسب مؤشّر الديمقراطية لسنة 2020، حلّت تونس في المرتبة 54/167 بمعدّل 6.59/10 بعد أن كان في حدود 2.79/10 سنة 2010. رغم هنّاته (تقارير هيئة الانتخابات ومحكمة المحاسبات)، يبدو هذا إنجازًا سياسيًّا لكن الديمقراطيّة ليست غاية لذاتها وإنما أداة لتحقيق أشمل للعدالة الاجتماعية.

بحسب مؤشّر الديمقراطيّة لسنة 2020، حلّت تونس في المرتبة 54/167 بمعدّل 6.59/10 بعد أن كان في حدود 2.79/10 سنة 2010 ويبدو هذا إنجازًا سياسيًّا لكن الديمقراطيّة ليست غاية لذاتها

لكن من جهة أخرى، كانت الفاتورة باهضة وعكس التوقّعات لهذا الانتقال. وفق ما جاء في تقرير للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية سنة 2018، تقلّصت الطبقة الوسطى التونسية، فخر النظام السابق، من 70% سنة 2010 إلى 55% سنة 2018. علاوة على ذلك، يشير التقرير إلى أنّ الحسابات البنكيّة لـ 40% من أفراد هذه الطبقة سلبيّة (En rouge). أيضًا، تشير دراسة أخرى، لمنظّمة التّعاون الاقتصادي والتنمية OECD، إلى تدهور أحوال الطبقة الوسطى في تونس.

يعتبر المنظّرون السياسيون، كهنتنغتون وفوكوياما، أنّ الطبقة الوسطى هي الحاضنة الشعبية للديمقراطية وبالتالي فإنّه يمكن تفسير التذمّر وتراجع الثقة والأمل في التجربة الدّيمقراطيّة بالنظر إلى التدهور الاقتصادي والاجتماعي الّذي تعرفه البلاد منذ 20 سنة (حسب تقارير دوليّة ومحليّة)، والذي اشتدّ بالخصوص مع الارتباك السياسي الذي عرفته تونس منذ سنوات. فوق كل هذه الإشكالات يرشح السّؤال: إلى متى هذا الانتقال في تونس؟ 

يجيب صامويل هنتنغتون عن هذا السّؤال أن الانتقال يتمّ بعد تداولين سلميين على السلطة، دون احتساب الانتخابات التأسيسية الأولى. فيما يرى ألفريد ستيبان أنّ هذا الانتقال ينتهي بتوفّر 5 عوامل مجتمعة: دولة قانون، بيروقراطيّة ديناميكيّة، اقتصاد مستقل عن الدولة، مجتمع مدني منظّم ونخبة سياسيّة فاعلة (أحزاب، حركات...). وفق هنتنغتون، يبدو أنّ الانتقال قد تم في تونس لكن وفق ستيبان ومقارنة مع الوضعيّة العامة لتونس 2021، الطريق لا تزال طويلة. 

في آخر كتاب لنوح فيلدمان "The arab tragedy"، يتساءل أستاذ القانون بهارفارد، المهتم بحركات التحرّر العربي، عن ماهيّة الشعب الذي أراد ذات شتاء سنة 2010، من هو هذا الشعب؟ الذي يريد الحرية؟ أم الذي يريد ازدهارًا وتنمية؟ أو الذي يريد أمنًا؟... ما يمكن استنتاجه بديهيًّا من السنوات العشر الماضية، في تونس على الأقل، أنّنا شعوب ولسنا شعبًا. أهواء وتيّارات، تتباين الأحلام والتطلّعات، الانتظارات والتوقّعات، وهو ما أفضى للصّراع بين مختلف مكوّنات الطيف السّياسي، وبالتّالي يدفعنا هذا للتساؤل من يفترض أن يبني هذه الديمقراطيّة؟

ما يمكن استنتاجه بديهيًّا من السنوات الماضية في تونس، أنّنا شعوب ولسنا شعبًا وهو ما أفضى للصراع بين مختلف مكوّنات الطيف السياسي

اقرأ/ي أيضًا: تونس: تحوّلات محلية وإقليمية وصعوبات في مسار بناء الديمقراطية

انتقال إلى ديمقراطيّة... بلا ديمقراطيّين 

في عددها لمارس/ آذار 2021، عنونت جريدة لوموند ديبلوماتيك مقالاً بعنوان "إياكاروس (Icare)  ـ شخصيّة من شخصيّات الأساطير الإغريقيّة ـ أو المعضلة الديمقراطيّة في أمريكا اللاتينيّة"، تناولت فيه العثرات الّتي تعاني منها الدّيمقراطيّات اللاتينيّة: انقلابات بالجملة، انتشار الأزمات الاقتصاديّة... ورغم تبنّيها الخيار الدّيمقراطي منذ ما يقارب القرنين (منذ ثورة سيمون بوليفار ضد الإسبان في أوّل القرن 19)، إلّا أن ورثة الأزتك والمايا لم يجنوا "ثمار" الدّيمقراطيّة الموعودة بعد.

انتهى المقال، مثل ما خلص إليه مقال سابق للتايم الأمريكيّة تقريباً، إلى التّساؤل: "كيف نبني ديمقراطيّة دون ديمقراطيين؟" باستثناء بعض الأمثلة كالمثال الإيراني، الخيار الدّيمقراطي هو خيار يعقب ثورة شعبيّة على نظام استبدادي عبر المرور بمرحلة انتقاليّة/انتقال ديمقراطي.

هذا التمشّي يفترض غرس بذور الديمقراطيّة: الرّأي الحر، قبول الآخر، احترام نتيجة الانتخابات.. في بيئة كانت لتوّها تحوي غرسًا مستبدًّا، علاوة على أنّ الثورة لن تقتلع جذور الاستبداد بالكامل من النّظام الذي تحاول صبغه بالألوان الدّيمقراطية. 

في هذا الإطار ومنذ أواخر القرن الماضي، يحرص المجتمع الدولي على احتضان الديمقراطيّات الناشئة مقابل قبول مكوّنات ما بعد الثورة بـ"وصفات pactes" تتمثّل في عقد مصالحات وتوافقات لاستيعاب النظام القديم والجديد وتخطّي مرحلة الاضطراب كما حصل في تونس (2015)، وحصل قبل ذلك إبان حكم فرانكو في إسبانيا (Monclao 1975)، وما التجأ إليه نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا (CVR 1995)، والمحكمة الدولية إثر مجازر رواندا (1994).

تراهن المجموعة الدولية على الزمن، long-termism، لتضميد جراح الماضي وترويض الأفئدة المستبدّة. إلّا أن فوكوياما، في كتابه الثّاني حول تطوّر النظام السياسي، يرجئ صعوبة دمقرطة الأنظمة الاستبداديّة إلى الطّبيعة "البابويّة Patrimonalism" لمؤسّسات الأنظمة المستبدّة، إذ تكابر طويلاً حتّى تقبل مفاهيم المحاسبة والشفافية الّتي تتطلّبها الديمقراطيات. بل قد تتحوّل من البابويّة التقليديّة، المركزيّة، إلى بابويّة تشاركيّة متعدّدة المكوّنات والمتلحّفة بالحرية الليبراليّة "neopatrimonalism" والمتمثّلة في تشارك النخب للمنافع والمصالح عبر تطوير علاقات زبونيّة ومحسوبيّة، كما يحدث في تونس الآن وطول السّنوات الأخيرة الماضية. 

يرجئ فوكوياما صعوبة دمقرطة الأنظمة الاستبداديّة إلى الطبيعة "البابويّة Patrimonalism" لمؤسّسات الأنظمة المستبدّة، إذ تكابر طويلاً حتّى تقبل مفاهيم المحاسبة والشفافية الّتي تتطلّبها الديمقراطيات

في عقده الاجتماعي، كتب روسو: "لو وجد شعب من الآلهة، لاحتُكموا ديمقراطيًّا. حكومة مثاليّة إلى درجة كمال لا تليق بالبشر".

العبور إلى الدنمارك، كما يرى فوكوياما، هو هدف كل ديمقراطيّة ناشئة (تونس، ليبيا، هايتي، أفغانستان)، بناء دولة قويّة، إرساء شفافيّة، تجسيد ثقافة المحاسبة والمراقبة، لكن يستدرك فوكوياما: "لا أحد تقريباً، بما في ذلك الدنماركيّون أنفسهم، يعرف كيف صار الدنمارك دنماركاً". 

بالنسبة للديمقراطية الليبرالية المنتشرة في أمريكا الشمالية وإنجلترا، فقد مرّت هذه البلدان بفترات استبداد أنتجت مؤسّسات فعّالة ودولة مركزيّة قويّة، وعبر المراكمة الطويلة للتجارب، تطوّرت هذه المؤسّسات عبر العقلنة المجتمعيّة والتحديث الاجتماعي/الاقتصادي، إلى إنتاج الديمقراطيّة الغربية الجذّابة بشكلها الحالي. وهذا يفسّر عدم نجاح هذا المثال في دول مثل إيطاليا واليونان، وكذلك لا ينجح عادة إسقاطها على مجتمعات لم تمرّ بما مرّ به المجتمع الإنجليزي/الأمريكي. هكذا ترى بعض القراءات الّتي تفترض وجوب مرور المجتمعات بخيارات سياسيّة متعدّدة قبل الانتهاء إلى الخيار الديمقراطي، أو الهرولة إلى الملاذ الكونفوشيوسي الصيني. 

العبور إلى الدنمارك هو هدف كل ديمقراطيّة ناشئة، بناء دولة قويّة، إرساء شفافيّة، تجسيد ثقافة المحاسبة والمراقبة، لكن لا أحد تقريباً، بما في ذلك الدنماركيّون أنفسهم، يعرف كيف صار الدنمارك دنماركاً"

كلّ المؤشّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في تراجع منذ انطلاق مشوار الانطلاق الديمقراطي في تونس. كذلك، استقرّ معدّل الاحتجاجات فوق عتبة الـ 1200 احتجاج لثلاثة أشهر الأخيرة وفق نشريّات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

لا يمكن الحديث عن ديمقراطيّة دون خبز. إلّا أنّ اعتبارًا لما سبق، من غير المنطقي التعسّف على الانتقال الديمقراطي في مناخ إفريقي عربي، يمكن فقط المراهنة على عدم تحرير "ليفياتان Léviathan" (وحش بحري أسطوري، ورد في العهد القديم (التوراة)، تتحدّث الأسطورة عن رعايته المفرطة لصغاره، والقسوة عليهم وحتّى أكلهم إذا غضب) وما يعنيه ذلك من ثورة اجتماعيّة. 

يقول لورنت جوفان: "الثورة الاجتماعيّة أسطورة خطيرة قد تحرّر اللوثيان الفاشي إذا نجحت أو الإرهاب إذا فشلت". وما أقرب هذا إلى المثال التونسي، عدا أنّه ليس مستبعدًا بالنّظر إلى التجارب المقارنة في كلّ من أمريكا اللاتينيّة، إفريقيا وجنوب شرق آسيا.

بعد أن عاد من رحلته إلى الولايات المتحدة، نشر أليكسيس دي توكفيل، سنة 1835، نصّه المؤسّس "عن الديمقراطيّة الأمريكيّة". ورغم غواية الديمقراطية، والثورة الاجتماعية، فإن توكفيل ظلّ يفضّل "أرستقراطيّة مستنيرة" بدل الديمقراطيّة خوفًا مما أسماها "طغيان الأغلبيّة". تلك حدود الديمقراطيّة، وجهها الآخر، إلّا أنّها كما قال تشرشل: "الديمقراطيّة نظام سيء، لكنّها تبقى الأقلّ سوء بين الأنظمة".

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

10 سنوات على الثورة.. حتى لا يبقى "المصعد" معطّلًا

تونس.. حمى السياسة وفوضى الحواس (حصيلة التفكيك)