الاحتفال برأس السنة الميلادية في تونس... تاريخ عريق لمناسبة استهلاكية

الاحتفال برأس السنة الميلادية في تونس... تاريخ عريق لمناسبة استهلاكية

عن جذور الاحتفال برأس السنة الميلادية في تونس ومظاهره (Getty)

 

كان شيوخ جامع الزيتونة المعمور ولقرون عديدة لا يقدمون إجابات فقهيّة وتاريخية دقيقة وحاسمة فيما يتعلّق باحتفالات التونسيين بأعياد غير إسلامية تركتها الحضارات والأديان المتعاقبة وانصهرت في الفعل الثقافي اليومي، وباتت إرثًا تاريخيًا وجزءًا من الهويّة التونسيّة، وملمحًا من ملامح الشخصيّة الاجتماعية لهذا البلد، بل كانوا يرونها مجرّد احتفالات مناسبتيّة تدخل بعض المباهج على النّفس.

ولذلك لم يقم شيوخ الزيتونة بقصف هذه الاحتفالات بالفتاوى ومنعها بصرامة رغم امتلاكهم السلطة الأخلاقيّة التي تمكّنهم من ذلك، إذ كانوا يتعاملون مع هذه المسائل بلين ويسر اعتقادًا منهم بأنها من صميم الموروث الثّقافي ولا تشكّل خطرًا على جوهر العقيدة الإسلامية ولا تمسّ بروح الإيمان السّارية بين النّاس، بل ثمة منهم من نزّلها منزلة التعايش الراقي بين الحضارات وعنوانًا من عناوين التجاور الثقافي بين الأمم والحضارات.

كان يتعامل شيوخ الزيتونة مع الاحتفال برأس السنة الميلادية بلين ويسر اعتقادًا منهم بأنها من صميم الموروث الثّقافي ولا تشكّل خطرًا على جوهر العقيدة الإسلامية ولا تمسّ بروح الإيمان السّارية بين النّاس

لكن ذلك لم يحل دون إثارة المتشدّدين بادعاء الانتصار للهوية العربية الإسلامية لموضوع احتفالات التونسيين بأعياد أخرى غير إسلامية وخاصة منها الاحتفالات برأس السنة الميلادية أو "الرّيفيّون" مع نهايات شهر ديسمبر/كانون الأول من كل سنة، فتكثر الفتاوى المستوردة ويحتدّ النقاش على شبكات التواصل الاجتماعي الذي يصل أحيانًا الى حد التكفير.

اقرأ/ي أيضًا: عن عادات "الكريسماس" في تونس

لكن وفي الأثناء وبعيدًا عن الأسئلة الفكرية والحضارية والدينية الصّارمة وشديدة التعقيد وبعيدًا عن النقاشات الحادة على شبكات التواصل الاجتماعي، يقبل التونسيون بعفويّة وكما تعوّدوا منذ مئات السنين على الاحتفال بحلول السنة الميلادية الجديدة معتقدين أنّ ما يقومون به من مظاهر احتفالية مع نهاية كلّ سنة هو من قبيل العادات التونسية القديمة المتوارثة منذ الفترة البربرية التي عرفت المسيحية منذ بداياتها أو ما يسمّيه المؤرّخون بالفترة المسيحية الأولى التي طبعت تونس ببعض العادات ومن بينها مواءمتها بين التقويم المسيحي والتقويم البربري وخلقت بعض التطابق بينهما مازال متداولًا إلى الآن وخاصة في المجال الفلاحي بما يسمّى لدى عامّة الناس بـ"الحساب العجمي".

ومع تغير الزمن والركون لحركة التاريخ، نكتشف أن تغيرات صغيرة قد حصلت في شكل الاحتفال بحلول السنة الميلادية الجديدة، فترى شقّا من التونسيين يخرج للسهر بالمطاعم والنّزل ويتبادل الهدايا الفاخرة والورود، وثمّة من يسافر خارج تونس لتمضية ليلة رأس السنة الميلادية بإحدى البلدان الأوروبية. ولكن الطيف الغالب من التونسيين يفضل الاحتفال بـ"الرأس العام" أو "الرّيفيّون" في المنزل في سهرة عائلية رائقة تجمع الأقارب والأصدقاء ويطبخ فيها الدّجاج ومختلف الأكلات التونسية وتوزّع فيها المشروبات وتقطّع فيها الحلويّات في تمام منتصف الليل وذلك حتى يكون "العام حلو" مع تبادل التّهاني عبر الإرساليات الإلكترونية بمختلف أنواعها.     

لماذا يحتفل التونسيون برأس السنة الميلادية؟

طرحنا هذا السؤال على مجموعة من التونسيين من مختلف الفئات والمستويات العمرية والثقافية وكانت البداية مع مجدي، أستاذ تعليم ثانوي، الذي أفاد "ألترا تونس" أنه رغم قناعته الراسخة بأن الاحتفال بـ"الرّيفيّون" هو من صميم المسيحية إلا أنه يجد نفسه مضطرًا للاحتفال مع العائلة قائلًا "إن عادات المجتمع أقوى من قناعات الفرد وثقافته".

كمال (طالب ماجستير):  احتفالات رأس السنة الميلادية فرصة لكسر الروتين وتجميع العائلة وأيضًا فرصة لانتعاش بعض القطاعات التجاريّة 

أما سميحة، وهي من الفاعلين في قطاع السياحة، تعتقد أنّ "الرّيفيّون" هو موعد سنوي يجب استثماره سياحيًا والترويج له وجعله نقطة ارتكاز في السياسة السياحية. فيما يرى كمال، طالب ماجستير في الحضارة، أن التونسي يحتفل بقدوم السنة الميلادية من باب العادات والتّقاليد إذ تشكّل هذه الاحتفالات فرصة لكسر الروتين وتجميع العائلة وأيضًا فرصة لانتعاش بعض القطاعات التجاريّة الاستهلاكية.

من جهته، يعتبر محمّد، وهو متقاعد من البريد التونسي، أن احتفالية "رأس العام" هي مناسبة للصوم وطبخ أطباق خضراء "حتى تكون أيّامنا خضراء" وفق تعبيره قائلًا "نحن المسلمون أولى بسيّدنا عيسى لقد ذكره القرآن الكريم وكرّمه، فما الضير في الاحتفاء به؟".

من جهته، يقول هشام، وهو موظف بأحد البنوك، أن الدكتاتورية أيام حكم المخلوع بن علي تحيّلت على الناس بتسمية المناسبة باحتفالات "السنة الإداريّة" لحساسيتها المفرطة من كل ما هو ديني وفق قوله. وأضاف أن المجتمع التونسي يعتبر أن ليلة "رأس العام" هي عادة ثقافية ولا داعي لاستغلالها استغلالًا سيئًا من أجل الشحن ضد المسيحية على النحو الذي عاينه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، كما يقول. 

عبد الستار عمامو (مختص في العادات والتّقاليد التونسيّة): تونس تحتفل بالعام الميلادي منذ الفترة البربريّة

في حديثه مع "ألترا تونس"، يؤكد الباحث المختص في العادات والتقاليد التونسية عبد الستّار عمامو أن التونسيين يحتفلون منذ قرون بالسنة الميلادية وتسميته المتداولة هي "رأس العام السّوري"، مشيرًا إلى أنه من مظاهر الاحتفال به إعداد بعض الأطباق مثل "الملوخيّة" التي تُعدّ في الليلة الفاصلة بين السنتين وفي صبيحة اليوم الأول من السنة الجديدة. وبيّن أنه يُقدّم هذا الطبق صباحًا بعد أن يوضع في القدر بيض مسلوق بعدد أفراد العائلة وذلك اعتقادًا بأن اللون الأخضر للملوخية سينسحب على طول أيّام السنة "ليأتي العام أخضرًا".

وأضاف أنه في صبيحة اليوم الأول من السنة الميلادية لا يخرج الرّجل من المنزل حتى تقدّم له زوجته نصيبًا من المال لما تحمله المرأة من رمزية للعطاء و"البركة". ومما يحدث أيضًا في ذلك اليوم هو أن تفتح الصبايا شرفات منازلهنّ "حتى ترى سعدها يمرّ أمام الشرفة"، وذلك وفق التقاليد المتوارثة.

عبد الستار عمامو: كانت المرأة التونسية تحمل معها إلى بيت زوجها ضمن أغراض "جهازها" نخلة مصنوعة من الفضّة التونسية الخالصة تُستعمل في نهاية شهر ديسمبر في فترة أعياد الميلاد عند المسيحيين

اقرأ/ي أيضًا: دواميس سوسة.. أسرار سراديب الموتى ورحلة البحث عن "الراعي الطيب"

وبيّن الباحث عبد الستّار عمامو أنّ تونس تحتفل أيضًا بالعديد من المناسبات الأخرى من بينها رأس السنة البربرية (العجميّة)، ورأس السنة المصرية (الفرعونية)، وعيد النيروز احتفاءً بحلول فصل الرّبيع حسب التقويم الفارسي ومن مظاهر ذلك الخروج للطبيعة في أواسط شهر أفريل/نيسان من كل سنة وطبخ أكلات خاصة بهذا العيد الفارسي مازالت متداولة الى اليوم مثل "عصبانة مايّو" التي تعدّها أغلب العائلات التونسية في شمال البلاد وجنوبها، وطبق "البرزقان" الذي تتميّز به جهة الكاف بالشمال الغربي.

ومن عادات احتفاء التونسيين بمولد السيد المسيح، قال محدثنا إن المرأة التونسية وإلى حدّ قريب كانت تحمل معها إلى بيت زوجها ضمن أغراض "جهازها" نخلة مصنوعة من الفضّة التونسية الخالصة وهي تُستعمل في العشر الأواخر من شهر ديسمبر/كانون الأول، فترة أعياد الميلاد عند المسيحيين، حيث توقد المرأة تحت جذع النخلة الفضية شمعة أو "فتيل زيتي" في استعادة لقصة مولد السيد المسيح كما وردت في القرآن الكريم. وأضاف أن العائلة التونسية تصوم يوم "الميلاد" مبينًا أن التونسيين بمثل هذه العادة السمحة يدحضون أسطورة ولادة السيد المسيح تحت شجرة سرو "السّبان".

وختم عمامو حديثه لـ"ألترا تونس" بأنّ أرض تونس تختصر كل الحضارات الكونية بحكم موقعها الإستراتيجي في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسّط وما تلك العادات والتقاليد المتوارثة منذ قرون إلا دليل على ذلك، وأنّ الإسلام عندما عمّ أرض تونس تكيّف مع بعض العادات الجميلة ولم ينهي على ممارستها لرمزيتها وتماهيها مع الشخصية التونسية بما في ذلك الاحتفال بمقدم السنة الميلادية الجديدة، وهو ما نعبّر عنه في تونس بالسماحة والاعتدال والمحبّة، وفق محدّثنا.

ممدوح عز الدين (باحث في علم الاجتماع): "الرّيفيّون" من رموز ثقافة الاستهلاك

من جهته، يقدّر الباحث في علم الاجتماع بالجامعة التونسية ممدوح عزّالدّين أن المسألة يمكن النظر إليها في ثلاث مستويات مجتمعة أولها تمثّلات الفاعلين الاجتماعيين سواء الأفراد أو الجماعات لحدث الاحتفال برأس السنة الميلادية أو "الرّيفيّون"، مبينًا أن هذه التمثلات قد ترتبط بما يحدث في باقي المجتمعات فيتأثر الفاعل الاجتماعي التونسي بأنواع وأساليب وأشكال الاحتفالات وأيضًا قد ترتبط بالترسّبات الثقافية والأنثروبولوجية لحضارته.

وأضاف أن المستوى الثاني يتعلّق بالسّياق العام للاحتفال وهو السياق السياسي والثقافي والاقتصادي سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، فيما يتمثل المستوى الثالث فيما وصفها السياسات العامة للمجتمع التونسي التي تختلف حسب الخيارات السياسية لنظام الحكم السّائد والتي بدورها تنبثق منها الرهانات الاقتصادية والعلاقات الخارجية والتنمية الثقافية.

ممدوح عزالدين: المجتمع التونسي المنخرط في ثقافة الاستهلاك وجد نفسه وبطريقة لاواعية في طوابير شراء "مرطبات الحطبة" أو شراء "الدجاج الرّوتي" أو ارتداء لباس "بابا نوال" بعيدًا عن دلالاتها الدّينية المسيحية 

ويرى محدثنا أنه إذا ما نزّلنا مسألة الاحتفال برأس السنة الميلادية أو "الرّيفيّون" على محكّ علم الاجتماع، سنجد أنفسنا إزاء إعادة إنتاج الأنماط الثقافيّة والإقامة في لحظة ما بينيّة أي بين الحداثة والتقليد.

ويضيف أن احتفالات رأس السنة الميلادية باعتبارها حدثًا ثقافيًا دينيًا دخلت مع الألفيّة الجديدة إلى خانة الترويج التجاري لتصبح رمزًا من رموز ثقافة الاستهلاك بالمعنى السّلعويّ للكلمة وفق تعبيره، معتبرًا أن رأس المال بات يترصّد كلّ شيء ويحوله إلى سلعة بما في ذلك سلعنة القيم وإدخالها قسرًا غمار الإتجار بها.

وقال إن المجتمع التونسي المنخرط في ثقافة الاستهلاك وجد نفسه وبطريقة لاواعية في طوابير شراء "مرطبات الحطبة" أو شراء "الدجاج الرّوتي" أو ارتداء لباس "بابا نوال" بعيدًا عن دلالاتها الدّينية المسيحية وتطويعها للثقافي المحلي ومن ثمّة مشاركة بقية المجتمعات هذه الاحتفالات التي اعتبر أنها تتحول من ممارسة عقدية مسيحية الى عادة ثقافية كونيةّ.

بالنهاية، فقدت الاحتفالات برأس السنة الميلادية في تونس، "الرّيفيّون"، بريقها الثقافي وعمقها الحضاري والتاريخي والاجتماعي فأصبحت مناسبة للبيع والشراء وخاصّة للتمايز الاجتماعي بين الطبقات والأحياء السكنيّة وهو تمايز يقوم بالأساس على المشهديّة من أجل أن يحظى الأفراد أو العائلات بالاعتراف من قبل بعضهم البعض.          

 

اقرأ/ي أيضًا:

اللادينيون في تونس.. بين السرّية والخطى نحو الاعتراف

حرية الضمير في تونس.. حبر على ورق الدستور؟