30-مايو-2017

تغلق المقاهي عادة في نهار رمضان (فاضل سنا/أ.ف.ب)

خيار الصيام أو الإفطار في رمضان هو في النهاية خيار شخصي، ينضوي ضمن باب الحرية الفردية. غير أن السؤال المتواصل منذ زمن في البلدان الإسلامية أساسًا، هل يمكن للمجتمع أن يمارس رقابته على الفرد بعقوبة ضد مفطر نهار رمضان، أم أنه لا يحق له التدخل في خيار الفرد وفيما هو متروك بين العبد وخالقه؟

تمثل تونس استثناء مقارنة بغالبية القوانين العربية إذ لا تجرم الإفطار في نهار رمضان، لكن عقاب التجاهر بما ينافي الحياء قائم

انتشرت في السنوات الأخيرة صور ومقاطع مصوّرة في المناطق التي يسيطر عليها داعش، تظهر قيام عناصر هذا التنظيم الإرهابي بمعاقبة مواطنين وإقامة الحدّ عليهم بطريقة بدائية، وذلك بتهم متعدّدة. في هذا الجانب، انتشرت صورة شهيرة لطفل مصلوب ومكتوب على صدره "إفطار دون عذر شرعي"، كما تداولت صور أخرى حول إقامة حد "التعزير" بالجلد ضد مجموعة متهمة بالإفطار في نهار رمضان. وتوجد في المدونة الفقهية أحكام تصل للقتل لمن أفطر في رمضان استحلالاً له على غرار ما أورده ابن تيمية.

اقرأ/ي أيضًا: جدل الإفطار العلني في رمضان بالمغرب

في الأثناء، عرفت تونس في بداية شهر رمضان الحالي جدلاً حول إغلاق مقاهٍ بالقوّة في منطقة سيدي بوسعيد بالعاصمة، وهو جدل قديم متجدد، وقد أوضحت وزارة الداخلية أنه يوجد منشور يرخص فتح المقاهي في المناطق السياحية فيما تخضع بقية المقاهي لترخيص بشروط منها تغطية الواجهات ووضع ستائر على أبوابها.

وربما تمثل تونس استثناء، مقارنة بغالبية القوانين العربية، حيث لا يجرّم قانونها الجزائي الإفطار في نهار رمضان، بيد أنه قامت السلطات التونسية في بعض المناسبات سابقاً بإحالة المجاهرين بالإفطار على القضاء بجرم التجاهر بما ينافي الحياء الذي قد تصل عقوبته للسجن مدة 6 أشهر. والمعمول به حاليًا في تونس عموماً هو عدم تتبّع المجاهرين بالإفطار باعتبار ذلك حرية شخصية. والحديث عن تعامل السلطة مع الإفطار في نهار رمضان يحيل لموقف مثير للجدل للرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، الذي دعا العمال سنة 1961 للإفطار بهدف ضمان المردودية، وهو ما عارضه وقتها مفتي البلاد محمد عبد العزيز جعيط.

في المقابل، تحفل القوانين العربية الأخرى بأحكام جزائية حول مسائل الإفطار في نهار رمضان سواء فيما يتعلقّ بإفطار الفرد أو فتح المطاعم والمقاهي. وتختلف القوانين وتتباين حدّة وزجرًا. غير أنه ظل السؤال، هل الجرم ببساطة هو الإفطار في نهار رمضان أم الجهر بذلك؟ المسألة مختلفة، فالمعاقبة على فعل الإفطار لوحده يعني فرضًا لسلوك ديني على الفرد وهو ما لا يتعارض فقط مع الحقوق والحريات الأساسية، بل يتنافى وأصل الدين من حيث عدم إمكانية جبر الفرد على ممارسة سلوك ديني ما.

القانون السعودي هو الأكثر شدّة بين القوانين العربية حيث تشمل عقوبة الجلد أو السجن لكل مفطر سواء بعذر أو بغير عذر، بل والمسلم وغير المسلم. وعادة ما تتولّى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإضافة لأجهزة الشرطة رصد حالات الإفطار في شهر رمضان في المملكة العربية السعودية وتقوم بإحالة "المجاهرين" بالإفطار للقضاء. وإضافة لعقوبة الجلد والسجن، قد تُضاف عقوبة الإبعاد بالنسبة لغير السعوديين. ودائمًا ما تنبه السلطات السعودية على المقيمين من غير المسلمين بالالتزام بمظاهر الصيام بعدم المجاهرة بالأكل والشرب في نهار رمضان.

اقرأ/ي أيضًا: "الإجهار بالإفطار"..تهمة جديدة في بغداد تؤدي للسجن

في المقابل، تبدو بقية القوانين العربية أكثر تساهلًا من حيث حصر تطبيقها على المسلمين، بل وأساسًا تمحور التجريم على أساس فعل التجاهر وليس فعل الإفطار بذاته، وهو ما يرى البعض أنه توليفة بين الحرية الشخصية من جهة واحترام الشعور الجمعي من جهة أخرى. وهو مثلًا ما يتضح في قوانين الإمارات وعمان والبحرين والأردن، التي تؤكد أن الجريمة هي الإفطار العلني وليس الإفطار بذاته.

تأسست، قبل سنوات في المغرب، حركة تدعى "مالي"، وقد حاولت حينها تنظيم إفطار علني جماعي في نهار رمضان

في هذا الجانب، تتضمّن المدونة القانونية المغربية نصًّا يجرّم التجاهر بالإفطار في شهر رمضان في مكان عمومي، حيث تصل العقوبة لستة أشهر سجنًا، غير أنه يجب أن يكون الفاعل مسلمًا وأن يكون قد فطر دون عذر شرعي. ودائمًا ما تتجدّد دعوات بعض الحقوقيين للمطالبة بإلغاء النص التجريمي والمطالبة بضمان حق الإفطار كحق شخصي للفرد. وقد تأسست، قبل سنوات، حركة تدعى "مالي"، وتعني في أحرفها بالفرنسية حركة الدفاع عن الحريات الفردية، وقد حاولت حينها تنظيم إفطار علني جماعي في نهار رمضان. وقد انضمّ الشيخ أحمد الريسوني، نائب رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، إلى المطالبين بإلغاء تجريم الإفطار في رمضان، وقدم موقفًا تقدميًا بقوله إنه ليس للقانون أن يمنع الناس من الإفطار العلني، وأن الأصل في الدين هو "الالتزام الذاتي"، مؤكدًا أن "الحاكم لا يتدخل في العبادات لدى المذهب المالكي".

وفي الكويت يوجد قانون خاصّ صادر منذ 1968 متكوّن من ثلاث مواد حول المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان. وتنصّ المادة الأولى في هذا القانون على عقوبة الغرامة أو السجن لمدة لا تتجاوز شهرًا ضد كل من جاهر في مكان عام بالإفطار في نهار رمضان، بل وكذلك كل من أجبر أو حرض أو ساعد على تلك المجاهرة، مع جواز إضافة عقوبة غلق المحل العام. وما يميّز القانون الكويتي أنه أولاً نظم تجريم الإفطار في قانون وليس مجرّد مادة وحيدة على غرار بقية القوانين العربية، كما أنه وسّع دائرة التجريم لتشمل إضافة للفاعل أشخاصًا آخرين، قد يكون من بينهم حتى مجرّد من ساعد على المجاهرة.

في النهاية، تمثّل مسألة الإفطار في نهار رمضان مساحة تزاحم بين حريتي المعتقد والضمير بما يندرج تحت مظلة الحرية الشخصية إجمالاً من جهة وبين النظام العام والضوابط المجتمعية من جهة أخرى، لتكون المسألة كساحة مبارزة تقليدية بين الفرد والمجتمع. حيث تتباين القوانين بين تنظيم المسألة أو تجاهلها، كما يختلف تعامل السلطات بين الزجر أو عدمه. وعمومًا، تمثّل سلطة المجتمع السلطة الأولى في المجتمعات العربية، مع استمرار الدعوات لتجاوز القوانين الزجرية فيما يمسّ حريّة الفرد في ممارسة أو عدم ممارسة العبادات الدينية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أزمة المجاهرين بالإفطار في مصر بين المفتي والقانون

أغرب 5 فتاوى مصرية في رمضان