ultracheck
رأي

الإصلاح التربوي في تونس وعطالة الزمنيْن المدرسي والاجتماعي

31 أكتوبر 2025
التعليم في تونس القايدي.jpg
طالب المهتمون بقضية الزمن المدرسي وعلاقته بالزمن الاجتماعي بتوسيع أنشطة هذا الحيز الثاني إلى الفضاءات ذات العلاقة خارج المدرسة (صورة أرشيفية/ ياسين القايدي/ الأناضول)
رمزي العياري
رمزي العياريصحفي من تونس

مقال رأي

 

عندما اختارت تونس إبان استقلالها عن المستعمر الفرنسي سنة 1956 التخلي بشكل راديكالي عن "التعليم الزيتوني" معتبرة إياه نظامًا تعليميًا كلاسيكيًا أصبح متقادمًا وهرمًا لا يلبي حاجة المجتمع التونسي التائق إلى التغيير والتجديد في تلك اللحظة التاريخية التونسية المبنية على سردية "بناء دولة الاستقلال"، واستبداله بـ"التعليم النظامي" العصري على شاكلة المجتمعات المتطورة وخصوصًا الأوروبية منها، وما رافق ذلك من نقاش مجتمعي وطرح لأسئلة أساسية حول هذا التغيير الجذري، فإنّ معاول التغيير لم تنتظر مخرجات النقاش والأجوبة على الأسئلة التي طرحتها النخب في ذلك الوقت، فقد شرعت في تشكيل جسد جديد للتعليم تحت رعاية سياسية من بناة تونس الجديدة الذين يعتبرون التعليم بمثابة الوصفة السرية لتطور المجتمع وبالتالي لا مجال للانتظار.

وبرز اسم الوزير الأديب محمود المسعدي كرجل سياسي أرسى أول إصلاح للتعليم في تونس بداية من سنة 1958 وتواصل إلى حدود سنة 1968، عشرية كاملة عرفت فيها تونس انتقالًا تاريخيًا لشكل التعليم وبنتيه وأهدافه وإنشاء قوانين وتشريعات ثورية تثبّت المجانية والالزامية.. فارتفعت كل الأرقام والمؤشرات إلى مستويات استثنائية لم تشهدها تونس من قبل. وبذلك تحولت التجربة التونسية في مستوى إصلاح التعليم إلى نموذج عربي وإفريقي وآسيوي. ومن بين نقاط الإصلاح "الشكلية الجوهرية" والتي تبدو لا مرئية في عملية الإصلاح التربوي الكبير هي ما يعرف بـ"توزيعية المواد على ساعات اليوم والأسبوع" وهو الذي سُمّي في مرحلة إصلاح الوزير اليساري محمد الشرفي سنة 1991 بـ"فلسفة جدول الأوقات" وفي المرحلة الآنية يسميه علماء التربية والتعليم بـ"الزمن المدرسي".

اندلع نقاش جديد في تونس بخصوص الزمنين "المدرسي" و"الاجتماعي" وذلك بعد الوقوف بجدية على مساوئ الزمن المدرسي التونسي والأعطاب النفسية التي يسببها للتلميذ

هذا الزمن المدرسي قد يبدو ظاهره في ارتباط وثيق وعضوي بالعملية البيداغوجية من حيث عدد المواد وتوزيعها في الجدول والمحتوى وشكل الدرس وقدرة المتمدرس على التقبل فحسب، لكنه في ارتباط أيضًا بالتمثل السياسي الشامل لشكل المجتمع الجديد في علاقة بالمجالات التنموية الأخرى.

وتونس التي اختارت التحديث بعد الاستعمار (بعث نسيج اقتصادي، سياسة تشغيل، خروج المرأة للعمل..) فكان لزامًا أن تولي الزمن المدرسي الأولوية القصوى فتنهض المدرسة (كمؤسسة مجتمعية) بدورها الداعم للإصلاح الجوهري فهي تقوم إلى جانب الأدوار التعليمية بمهمة جديدة وهي الإسهام في تربية الأجيال بدل العائلة والمقصود من كل ذلك هو فسح المجال أمام الأب والأم للعمل والانخراط في دورة الإنتاج.. وهو الجانب المسكوت عنه بخصوص النظام التعليمي الجديد أثناء النقاش والتحليل والتفسير في ذلك الوقت.

اقرأ/ي أيضًا: التعليم الخاص وبذور الطبقية في منظومة التعليم التونسية

وهذه المسألة بقيت عالقة وهي تراوح مكانها إلى اليوم، فلا أحد استطاع زعزعة هذه الدعامة التي تقوم بها المدرسة التونسية للتنمية والاقتصاد وكل محاولات الاصلاح الجزئي أو الشامل التي نادى بها المجتمع المدني التونسي أو قام بها وزراء التربية بعد المسعدي لم تفلح في المس من "الزمن المدرسي" وجعله في مواءمة مع ما يعرفه علماء الاجتماع بـ"الزمن الاجتماعي".

وبحسب خبراء التربية والتعليم والباحثين في علم اجتماع التربية وفلاسفة التربية في تونس، فإن الزمن المدرسي كلما تكثف وتوزع بشكل جزافي على كامل أيام الأسبوع، تنتعش الدورات الاقتصادية في البلاد وترتفع مؤشراته ومن هنا اندلع نقاش جديد في تونس بخصوص الزمنين "المدرسي" و"الاجتماعي" وذلك بعد الوقوف بجدية على مساوئ الزمن المدرسي التونسي والأعطاب النفسية التي يسببها للتلميذ، بل وذهبت الدراسات إلى أن سوء التصرف في الزمن المدرسي يتسبب في استشراء العنف في الوسط المدرسي وهو فعلًا ما تعيشه المدرسة في تونس في السنوات الأخيرة.

وقد خلص النقاش المطوّل في تونس حول الزمن المدرسي إلى ضرورة إعادة هيكلة هذا الزمن والاكتفاء بإعادة تكييف المواد في مستوى البرامج والضوارب وتوزيعها التوزيع الذي يتماشى وشخصية التلميذ اليوم الذي يعيش وسط العاصفة الاتصالية وتم اقتراح تخصيص حيز زمني أول للمعارف والعلوم الصحيحة والعلوم الإنسانية وحيز ثان للأنشطة الثقافية والرياضية والمهارية.. وتكون في شكل مشاريع فردية أو لمجموعات من التلاميذ وتنفذ بأساليب الورشات والتدريب.. وهكذا يكتسب التلميذ مهارات تمكّنه من حسن الاختيار أثناء التوجيه المدرسي كما تمكنه من اكتشاف هوياته الإبداعية والرياضية.

خلص النقاش المطوّل في تونس حول الزمن المدرسي إلى ضرورة إعادة هيكلة هذا الزمن والاكتفاء بإعادة تكييف المواد في مستوى البرامج والضوارب وتوزيعها التوزيع الذي يتماشى وشخصية التلميذ اليوم الذي يعيش وسط العاصفة الاتصالية

كما طالب المهتمون بقضية الزمن المدرسي وعلاقته بالزمن الاجتماعي بتوسيع أنشطة هذا الحيز الثاني إلى الفضاءات ذات العلاقة خارج المدرسة وهذا الانفتاح على العوالم الخارجية من شأنه أن يبني شخصية التلميذ على نحو مغاير عكس ما هو سائد حاليًا.

هذا التقسيم الجديد للزمن المدرسي أو إعادة التصرف في كمية الوقت الموجودة في جدول أوقات التلميذ، فيه شبه مواءمة مع الزمن الاجتماعي لكنه لم يخلق الحلول الجذرية الأكيدة لأزمة كثافة الوقت والمواد خاصة وأن الدولة وهي الجهة المسؤولة على التصرف في الزمن الاجتماعي لم تحرك ساكنًا في خلق حلول رغم وعيها بضرورة إعادة التصرف في الزمن الاجتماعي رغم مطالبة المختصين في علم الاجتماع بضرورة الذهاب إلى نظام الحصة الواحدة في الشغل وبذلك تكون العلاقة بين الزمنين مثمرة ومشجعة على الإنتاج.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

ظرف مسموم

ظرف مسموم

في ليلة ساخنة من ليالي شتاء 2010-2011، كانت آلة التّقتيل البشعة تُحاصر مجموعة من المتظاهرين في حيّ الزّهور، بالقصرين. مرّت السّاعات طويلة ثقيلة، قبل أن تنسحب قوّات الأمن. تقدّم أحد النّشطاء إلى مبنى حكوميّ لإنزال العَلَم. همّ برميه في النّار. لكنّ رفاقه صرخوا صرخة رجُل واحد: "إلّا العَلَم"!


17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير


نجيب الشابي رثاء السياسة

هجاء الظلم ورثاء السياسة في تونس

أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نقل لحظات تنفيذ الأحكام الاستئنافيّة في حق رموز المعارضة والحركة الديمقراطيّة من خلال ما تمّ بثّه من فيديوهات وصور توثق لحظات الاعتقال وتنقل آخر كلمات لهم قبل إيقافهم.. وما بُثّ من فيديوهات لقيادات الحركة الديمقراطية مكنتنا من متابعة لحظات لم تكن متاحة في الحقب السابقة من تاريخ الصراع السياسي في بلادنا.


إيقاف العياشي الهمّامي يثير موجة غضب واسعة في تونس

حول العياشي الهمامي

موجة التعاطف الواسعة مع العياشي الهمامي، إثر إيقافه بعد الحكم عليه خمس سنوات وإدانته بوصفه "إرهابيًا" فيما يعرف بقضية "التآمر 1"، التعاطف الذي اخترق كل الأطياف، والذي ربما فاجأ بعض التونسيين غير المتابعين للشأن العام مما دفع بعضهم أن يسأل "من هو العياشي الهمامي؟"، ذلك التعاطف وذلك السؤال، هو ما يدفعني لكتابة هذا النص

الثورة في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
سیاسة

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي

الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
مجتمع

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس

تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف


تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
سیاسة

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة

رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
رأي

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"

تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

مرصد الطاقة والمناجم: تواصل تراجع نسبة الاستقلالية الطاقية مع موفّى أكتوبر 2025


2
سیاسة

منظمات تونسية تحذّر: تراجع غير مسبوق في الحقوق والحريات وانتهاكات خطيرة


3
رأي

ظرف مسموم


4
سیاسة

تونس بعد 15 عامًا من الثورة.. تراجع الحريات وتوقف الانتقال الديمقراطي


5
مجتمع

جمعيات ومنظمات تونسية: وفاة نعيم البريكي تُجسّد مجددًا سياسة الإفلات من العقاب