ultracheck
رأي

"الإساءة للغير" في تونس.. من يسيء لمن؟

28 أبريل 2026
الحقوق والحريات القمع تونس الشاذلي بن إبراهيم Getty NurPhoto
"من الواضح أن النيابة العمومية بتونس باتت تتفادى إحالة أصحاب الأصوات "المزعجة" طبق المرسوم 54 الذي حفّز في إكساب البلد صيتًا سيئًا.." (صورة أرشيفية/الشاذلي بن إبراهيم/ Getty/NurPhoto)
كريم المرزوقي
كريم المرزوقي باحث من تونس

مقال رأي 

 

من الواضح أن النيابة العمومية بتونس باتت تتفادى إحالة أصحاب الأصوات "المزعجة" طبق المرسوم 54 الذي حفّز في إكساب البلد صيتًا سيئًا في مجال التقييد القضائي لحرية التعبير طيلة السنوات الأخيرة، وذلك بتعويضه بالفصل 86 من مجلة الاتصالات لعام 2001 الذي يحافظ دائمًا على عقوبة سجنية تصل إلى سنتين سجن "كلّ من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات".

انتقال إذًا من عقوبة مشددة تصل إلى عشر سنوات سجن إلى عقوبة تصل لسنتين، وتسريع في الإحالة من التتبع الجنائي الذي يفترض طورًا تحقيقيًا، إلى إحالة سريعة عبر المجلس الجناحي، ولكن دائمًا، وفي كل الأحوال، المحافظة على عصا محاكمات الرأي عبر قضاء أعتقد أنه لا يختلف عاقلان أنه منزوع مقوّمات الاستقلالية.

من الواضح أن النيابة العمومية بتونس باتت تتفادى إحالة أصحاب الأصوات "المزعجة" طبق المرسوم 54 الذي حفّز في إكساب البلد صيتًا سيئًا، وذلك بتعويضه بالفصل 86 من مجلة الاتصالات وتهمة "الإساءة إلى الغير"

باسم "الإساءة للغير"، حوكم مؤخرًا النائب السابق أحمد السعيداني بثمانية أشهر سجنًا، وكذلك القاضي المستصدر لقرار في توقيف أمر إعفاءه هشام بن خالد بالسجن لمدة سنتين، وذلك على خلفية تدوينات على حسابيهما على فيسبوك. وعلى أساس هذه التهمة، أوقف قبل أيام آخر ضحاياها الصحفي زياد الهاني الذي سبق وحُكم ضده من أجل نفس التهمة قبل زهاء عامين، في جانفي/يناير 2024، بالسجن لمدة 6 أشهر مع إسعافه بتأجيل التنفيذ.

فصل الإساءة ارتبط في التطبيق القضائي منذ إحداث مجلة الاتصالات عام 2001 بردع أولئك الذين يستعملون الشبكات العمومية للاتصالات أي شبكات الهاتف القارّ والهاتف الجوّال للاتصال بالغرباء على وجه الخصوص لإقلاق راحتهم وإزعاجهم خاصة في ساعات الليل أو الإساءة إليهم. تتبّع ينطلق عادة بتشكّي من المتضرّر فتعريف بجهة الاتصال المزعج أو المسيء لمساءلته.

اقرأ/ي أيضًا: نشطاء وأحزاب ومنظمات: نطالب بإطلاق سراح الصحفي زياد الهاني ورفع اليد عن الإعلام
 

لسائل أن يسأل عن الإطار القانوني إذًا المنظّم للتدوينات أو التصريحات التي يقع تداولها في شبكات التواصل الاجتماعي؟ الإجابة هي المرسوم 115 لعام 2011 الذي كان فصله الثاني واضحًا وصريحًا بأن هدفه هو "تنظيم حرية التعبير". ليكون السؤال بالتتابع، ماذا إن كان هذا التصريح أو تلك التدوينة فيه مس من عرض أو كرامة شخص أو انتهاك خصوصية آخر أو مسّ من الأمن القومي؟ فمن الطبيعي أن حرية التعبير كأي حريّة ليست مطلقة وهي قابلة للتقييد. لكن السؤال دومًا عن قواعد التقييد التي لا يجب أن تمسّ من أصل الحرية. فالتقدير يرجع لموازنة بين مبدأ حرية التعبير وتقييد يجب أن يكون قانونيًا أي منظمًا بنصّ ومتناسبًا وضروريًا للغاية المُحدثة له.

إنّ الإساءة الحقيقية اليوم لا تكمن في التعبيرات مهما بلغت حدّتها، بل في طريقة توظيف القضاء، حين يُنزع عنه استقلاله لتأويل مفهوم "الإساءة" في سياق استهداف الأصوات المزعجة لسلطة لا تُخفي ضيقها من التعبيرات التي تُحرجها

والمرسوم 115 هنا جرّم الثلب والشتم وحدّد عقوبات غير سجنية. وهي جرائم تفترض سبق تشكّي، فالثلب أو الشتم الموجه ضد شاهد لا يتم فيه التتبع إلا بشكاية صادرة عن الشاهد الذي يدعي أن الثلب والشتم موجه ضده طبق الفصل 69 من المرسوم.

في الأثناء، اختارت السلطة السياسية التي تقود اليوم النيابة العمومية بوجه مباشر ومكشوف غض بصرها عن المرسوم 115، وهي التي تعمّدت تجميد هيئة الاتصال السمعي والبصري. وفرضت، في سياق هجمة ممنهجة على حرية التعبير، المرسوم 54 وتحديدًا الفصل 24 منه الذي بموجبه تكثفت الأحكام السجنية القاسية من أجل مواقف وآراء وتدوينات سواء لشخصيات عامة أو غيرها. وفي نفس السياق، جاء إسهال تطبيق الفصل 86 بعنوان "إساءة للغير" في تتبع تثيره النيابة دون سابق تشكٍ من هذا الغير.

اقرأ/ي أيضًا: منظمة حقوقية دولية: تدهور الوضع الحقوقي والاقتصادي وتفشي الانتهاكات في تونس

فالغير أساسًا في هذه التتبعات هو السلطة السياسية كرئيس الجمهورية في التتبعات المثارة ضد النائب السعيداني والقاضي بن خالد. والحال أن الشخصيات السياسية وتحديدًا في السلطة هي المطلوب منها أن تكون الأكثر تسامحًا في صورة تسجيل أي تجاوز غير مشروع للتعبير، على نحو ما انتهت إليه اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. بل يوجد حكم صادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بتاريخ 16 جويلية/يوليو 2013 حينما حسم أن الانتقادات القاسية وفي غير محلّها يجب قبولها لأن من يضع نفسه في موقع السلطة عليه أن "يتخلّى عن جزء من الحماية المتوفرة للأشخاص العاديين".

وإن ما كانت النيابة العمومية تتحرّك "من تلقاء نفسها" لزجر تعبير يسيء للغير، وهو المرتبط بالسلطة، فما الذي يمنعها من باب المساواة في تطبيق القانون، أن تثير التتبعات أيضًا ضد حواريي السلطة ومريديها الذين يتعمّدون في تصريحاتهم وحساباتهم وصفحاتهم الدعائية استعمال عبارات موجبة للتتبع الجزائي ضد الناشطين المعارضين وذلك دون الحاجة لتشكّيهم أيضًا؟ مرّة أخرى، تنكشف معضلة التوظيف.

من يسيء لمن؟ قطعًا ليس المتهم الذي "يسيء للغير"، بل السلطة بأدواتها القضائية التي تسيء لنضالات التونسيين ومكتسباتهم بعد الثورة. تسيء لحرياتهم وفي حقهم ألا يكون مصيرهم السجن من أجل كلمة ولو كانت قاسية أو لاذعة

إنّ الإساءة الحقيقية اليوم لا تكمن في التعبيرات مهما بلغت حدّتها، بل في طريقة توظيف القضاء، حين يُنزع عنه استقلاله لتأويل مفهوم "الإساءة" في سياق استهداف الأصوات المزعجة لسلطة لا تُخفي ضيقها من التعبيرات التي تُحرجها. هل يجب علينا أن نحيي ذاكرتنا بما واجهه الرئيسان السابقان المرزوقي والسبسي رحمه الله سنوات "العشرية" من عبارات وتصريحات تتجاوز نطاق حرية التعبير لتمسّ في أحيان كثيرة من كرامتهم واعتبارهم؟ المنصف المرزوقي أقرّ صراحة أنه يفضل عدم التشكي على التشكي لأن كلفة ملاحقة رئيس دولة لشخص ما، من منظور ديمقراطي محض، هي أخطر من العكس. وقد نصح كل الرؤساء اللاحقين بعدم الدخول في معركة مع الصحفيين لأن "حرية الصحافة هي امتحان لصلابة الأعصاب".

إذًا بالحاصل اليوم، من يسيء لمن؟ قطعًا ليس المتهم الذي "يسيء للغير"، بل السلطة بأدواتها القضائية التي تسيء لنضالات التونسيين ومكتسباتهم بعد الثورة. تسيء لحرياتهم وفي حقهم ألا يكون مصيرهم السجن من أجل كلمة ولو كانت قاسية أو لاذعة. فماهي حرية التعبير بالنهاية إن لم تكن تعني لزوم أن نتقبل ما يزعجنا وما "يسيء" لمزاجنا؟ 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

احتجاجات اليسار التونسي الشاذلي بن إبراهيم Getty

قراءة في نقاشِ اليسار الراديكاليّ من زاوية ديمقراطية - اجتماعية

"يكشف هذا الغيابُ بدقّةٍ أين يقع العجزُ.. حيث توجد الكتلةُ الاجتماعيّة والقضيّةُ الرافعة.. لكن يغيب الحزبُ القادر على جمع الملفّات في مشروعٍ سياسيٍّ واحد"


الاستبداد تونس الشاذلي بن إبراهيم Getty NurPhoto

ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد

"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "


الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ


قيس سعيّد يشارك كضيف شرف في القمة السابعة لمنتدى البلدان المصدّرة للغاز بالجزائر.jpg

تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول

"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟

نوفمبر خريف طقس.jpg
مجتمع

لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح

حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية

مخدرات.jpg
مجتمع

سوسة.. الحرس الوطني يكشف عن شبكة لترويج المخدرات وغسيل الأموال

تم حجز سيارتين تستعملان في نقل وترويج المواد المخدرة ومبلغ مالي هام بالعملة التونسية، يشتبه في كونه من عائدات الترويج


جمعية تقاطع وثّقنا شهادات نساء متضررات من القمع السياسي خارج أسوار السجن
سیاسة

رابطة حقوق الإنسان: انتهاكات طالت 113 امرأة في تونس خلال سنتين

نشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان معطيات كمية حول الإبلاغات المتعلقة بالانتهاكات المسلطة على النساء..

إليسا
ثقافة وفنون

إليسا ترمي الكوفية في مهرجان قرطاج وتثير موجة انتقادات

أثارت الفنانة اللبنانية إليسا جدلًا واسعًا بعد تداول مقطع فيديو ظهرت فيه وهي..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

هيئة الدفاع: إعادة راشد الغنوشي إلى السجن بعد إخفائه وعزله لمدة 3 أسابيع


2
ثقافة وفنون

حين يتجاوز الإعجاب بالفنانين حدود المسرح.. ماذا يحدث خلف هوس المعجبين؟


3
سیاسة

5 أشهر من الإيقاف.. إضراب جوع يُفاقم المخاوف على صحة نشطاء أسطول الصمود


4
سیاسة

قيس سعيّد: الإصلاحات التعليمية المتعاقبة لم تكن بريئة وبعضها أُملي من الخارج


5
مجتمع

مأساة في القيروان.. البحث عن الكنوز ينتهي بفاجعة داخل دهليز