الأم النرجسية.. حين تتحوّل الأمومة إلى ساحة حرب نفسية
25 يناير 2026
في إحدى مجموعات الدعم النفسي في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، برزت شهادة شاب تونسي يصارع الإحساس بالذنب.
وفي كلماته، ثمة حقيقة صادمة عن بيوت تونسية تختبئ فيها القسوة تحت رداء "الوالدية"، ويُحاصر فيها الأبناء بتهمة العقوق بمجرد تفكيرهم في النجاة بأنفسهم من ركام التحطم النفسي.
يصف الشاب البيت الذي نشأ فيه بأنه لم يكن "وطنًا"، بل "حاوية قمامة نفسية" وميدانًا لتفريغ العقد المتوارثة. حيث يفسّر أنّ الأم كبرت في بيئة ذكورية قاسية، وحملت معها جراحها لتصنع منها سوطًا تجلد به أبناءها.
مختصة في العلاقات الأسرية لـ"الترا تونس": يُعدّ الخلط بين قوة الشخصية والنرجسية من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة سلوك الأمهات داخل الأسرة.. والأم النرجسية، هي من تسعى إلى السيطرة الكاملة على تفاصيل حياة طفلها
تتداخل في الشهادة تفاصيل مرعبة عن انتهاك الخصوصية، تفتيش الملابس، التنصت على المكالمات، ومنع أي محاولة للاستقلال بالرأي. وعند أيّ محاولة للاعتراض، يتحول البيت إلى مسرح للابتزاز العاطفي.
يؤكّد الشاب أنّ والدته تدخل في حالات هستيرية تصل حد التعنيف الجسدي وتكسير للأواني، في مشهديّة تهدف لزرع الرعب وضمان الطاعة المطلقة.
بعد سنوات من الصبر، اختار صاحب الشهادة "الهروب" كحلّ أخير للنجاة. لكن والدته لم تتقبّل الأمر واعتمدت أدوات ضغط كاتصالات متكرّرة مع تهديد بإيذاء نفسها إن لم يعد إلى البيت، واعتمدت وسطاء يريدون إعادته للبيت دون أن يعرفوا الحقيقة كاملة.
يقول في شهادته: "تطاردني عقدة الذنب.. أخاف أن تؤذي نفسها أو أن أصبح في نظر المجتمع والشرع متّهمًا بالعقوق".
تفاعلات أعضاء مجموعة الدعم النفسي عكست انقسامًا حادًا يعيشه المجتمع التونسي. فبينما تدفقت مئات التعليقات المتعاطفة التي تدعو الشاب إلى القطيعة الصحية وضرورة العلاج النفسي، برزت أصوات أخرى تذكّره بقدسية الأمومة، معتبرة أنّ الصبر على الأذى هو "باب من أبواب الجنة".
سيدة الجلاصي: "ليست كل أم قوية نرجسية.. حين تتحوّل السلطة إلى أذى"
توضّح المختصة في العلاقات الأسرية سيدة الجلاصي أنّ الخلط بين قوة الشخصية والنرجسية يُعدّ من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة سلوك الأمهات داخل الأسرة.
تقول الجلاصي لـ"الترا تونس" إنّ الأم القوية ليست بالضرورة أمًا نرجسية، مضيفة أنّ قوة الشخصية قد تكون سمة صحية وطبيعية، لكن عندما تتحوّل إلى نمط ثابت قائم على السيطرة، وغياب التعاطف، ورفض استقلال الأبناء، فإننا نكون أمام اضطراب نفسي يُعرف باضطراب الشخصية النرجسية (NPD).
مختصة في العلاقات الأسرية لـ"الترا تونس": الأم النرجسية ترى نفسها محور الأسرة، وتتعامل مع الأبناء باعتبارهم امتدادًا لها، لا ذواتًا مستقلة، وتفسّر أي اختلاف في الرأي أو محاولة للرفض على أنه إساءة شخصية أو تهديد مباشر لسلطتها
وتشرح الجلاصي أنّ الأم النرجسية ترى نفسها محور الأسرة، وتتعامل مع الأبناء باعتبارهم امتدادًا لها، لا ذواتًا مستقلة. فهي تطلب الإعجاب الدائم والطاعة المطلقة، وتفسّر أي اختلاف في الرأي أو محاولة للرفض على أنه إساءة شخصية أو تهديد مباشر لسلطتها. وفي هذا السياق، يصبح الحب مشروطًا، وتتحول العلاقة إلى مساحة ضغط نفسي مستمر، يصعب داخلها بناء رابط عاطفي آمن ومتوازن، وفقها.
بحسب الجلاصي، يتمظهر أول سلوك أساسي في حب الذات المفرط في عدم اعتراف الأم النرجسية إلا باحتياجاتها ومشاعرها، بينما تُهمّش مشاعر الأبناء أو تُستعمل ضدهم. وغالبًا ما تطلب الطاعة دون نقاش، مستخدمة خطابًا أخلاقيًا أو عاطفيًا يضع الطفل في موقع الذنب الدائم.
اقرأ/ي أيضًا: من حضن أم تونسية إلى نجومية هوليود.. قصّة استثنائيّة عن التضحية
وتلفت إلى أن استخدام الذنب يُعدّ من أكثر الأدوات شيوعًا في هذا النوع من العلاقات، عبر عبارات مثل" أنا ضحّيت على خاطرك"، "أنت سبب تعبي"، أو "كان جيت تحبني عمرك ما تعمل هكّة".
وهي رسائل، توضح الجلاصي، لا تهدف إلى التربية بقدر ما تهدف إلى إخضاع الطفل نفسيًا وربطه عاطفيًا بالألم.
وتشير المختصة إلى أن الأم النرجسية تعتمد المقارنة كوسيلة ضغط نفسي ممنهجة، سواء بين الإخوة، أو مع الأقارب، أو الأصدقاء، بل وقد تمتد المقارنة إلى الأزواج الآخرين في محيط الأب. والهدف، بحسبها، هو ترسيخ شعور دائم بعدم الكفاية لدى الطرف الآخر.
وعندما تشعر الأم النرجسية بالتهديد أو بفقدان السيطرة، فإنها تلعب دور الضحية، وتستعمل الألم والبكاء واستدرار التعاطف كوسيلة لاستعادة النفوذ العاطفي داخل الأسرة.
سيدة الجلاصي (مختصة في العلاقات الأسرية): الأم النرجسية نادرًا ما تعترف بالخطأ، وغالبًا ما تلقي باللوم على الأبناء أو الشريك، حتى في حالات الإهانة أو التقليل أو السخرية
وفي المقابل، تبرز سمة غياب الاعتذار بشكل واضح، وفق سيدة الجلاصي، فالأم النرجسية نادرًا ما تعترف بالخطأ، وغالبًا ما تلقي باللوم على الأبناء أو الشريك، حتى في حالات الإهانة أو التقليل أو السخرية.
تؤكد المختصّة في العلاقات أن الفرق الجوهري بين الأم الطبيعيّة والأم النرجسية يكمن في الغاية من السلوك.
اقرأ/ي أيضًا: الرضاعة أو العمل؟.. قصص أمهات تونسيات يكسرن صمت بيئات العمل
فالأم الطبيعيّة قد تفرض الانضباط، لكنها تفعل ذلك لحماية الطفل وتنمية استقلاله، وتحافظ على كرامته ومشاعره، خاصة في لحظات الضعف أو الخوف.
أما الأم النرجسية، فتسعى إلى السيطرة الكاملة على تفاصيل حياة الطفل: اختياراته الدراسية، ملابسه، طريقة تفكيره، علاقاته الاجتماعية، وحتى مشاعره. "هي لا تربي طفلًا مستقلًا، لا ماديًا ولا عاطفيًا"، توضح الجلاصي، "بل تربي تبعية طويلة الأمد".
كيف تتشكّل الأم النرجسية؟
وحول العوامل التي تساهم في تشكّل هذا النمط، تشير الجلاصي إلى تداخل عدة عناصر. فالنرجسية قد تحمل بعدًا وراثيًا، لكنها لا تتطوّر بمعزل عن البيئة. وتلعب الطفولة دورًا محوريًا، خاصة إذا نشأت الأم في بيت يسوده الحرمان العاطفي، أو في كنف والدين نرجسيين، حيث يُعاد إنتاج السلوك نفسه دون وعي.
كما تساهم عوامل نفسية مثل ضعف تقدير الذات الخفي، والخوف من الفشل، والنزعة إلى المثالية الزائدة، في بناء هذا الاضطراب، الذي يبقى غالبًا قناعًا يخفي هشاشة داخلية عميقة.
ولا تغفل الجلاصي عن دور العوامل الاجتماعية، حيث تُمجّد بعض المجتمعات صورة "الأم المثالية" المرتبطة بإنجازات الأبناء، ما يدفع بعض الأمهات إلى الخلط بين التربية والاستغلال النفسي لتحقيق الاعتراف الاجتماعي.
آثار نفسية طويلة المدى على الأبناء
تحذّر سيدة الجلاصي من أن آثار هذه العلاقة التي لا تتوقف عند الطفولة، فالألم المبكر يخلّف حرمانًا عاطفيًا عميقًا، وشعورًا دائمًا بالذنب، وقد يتطوّر لاحقًا إلى جروح نفسية مزمنة، مثل الخوف من الرفض والهجر، السعي المفرط إلى إرضاء الآخرين، الخوف من الفشل، أو حتى اضطرابات نرجسية مكتسبة.
باحث في الشأن الديني لـ"الترا تونس": يُظهر الواقع ممارسات ظلم وأذى تصدر عن آباء وأمهات تجاه أبنائهم، تصل إلى توظيف الأبوّة والأمومة ذريعة لبلوغ مآرب محرّمة، عبر التخويف الدائم بسيف "العقوق"
وفي ختام مداخلتها، توجه الجلاصي رسالة واضحة لكل من يعيش داخل هذه العلاقة المؤلمة: "أنت لست مسؤولًا عن شفاء أمك، وليس من دورك إنقاذها. من حقك أن ترفض، وأن تختار طريقًا مختلفًا".
وتشدّد على أنّ حب الأم لا يعني القبول بالأذى، وأنّ وضع الحدود النفسية لا يُعدّ عقوقًا، بل ضرورة لحماية الذات واستعادة التوازن.
اقرأ/ي أيضًا: الأم.. حين تتخلّى عن العالم من أجل أن لا يتخلى العالم عن أبنائها
مهدي شطورو: "عقوق الآباء للأبناء.. المسكوت عنه في الخطاب الديني"
وفي الإطار نفسه، يفتح الأستاذ والباحث في الشأن الديني مهدي شطورو، الحاصل على الماجستير في العقيدة ومقارنة الأديان من جامعة الزيتونة، ملفًا يصفه بـ"المسكوت عنه" في الخطاب الديني: عقوق الآباء والأمهات لأبنائهم.
ظاهرة، يقول في تصريحه لـ"الترا تونس"، لا تقل انتشارًا ولا أثرًا عن عقوق الأبناء لوالديهم، لكنها بقيت على الهامش، خارج دوائر الوعظ والتنبيه.
ينطلق شطورو من مفارقة أساسية: بما أنّ القرآن نصّ صراحة على عقوق الوالدين بوصفه معصية، فقد انحاز معظم الوعّاظ إلى ما ورد نصًّا، وغاب عنهم، أو غُيِّب، واقع ميداني يفرض مقاربة شاملة، تُنصف جميع الأطراف، وفقه.
"حقيقة الميدان"، كما يشرح، تُظهر ممارسات ظلم وأذى تصدر عن آباء وأمهات تجاه أبنائهم، من تفضيلٍ فجّ بين الإخوة، إلى زجٍّ ظالم في السجن، وصولًا إلى توظيف الأبوة والأمومة ذريعة لبلوغ مآرب محرّمة، عبر التخويف الدائم بسيف "العقوق" لإخضاع الأبناء لرغبات ضيقة.
ولا يتردد الباحث في تحميل الخطباء والفاعلين في الشأن الديني مسؤولية أخلاقية وعلمية، حيث يدعوهم إلى التنبيه إلى هذه الانحرافات وإنصاف المظلومين، وعدم غضّ الطرف عن النرجسية المقيتة لدى بعض الآباء والأمهات، مضيفًا أن النهي عن المنكر كان سلوكًا ثابتًا في السيرة النبوية، لا يُستثنى منه أحد لمجرّد موقعه أو صفته، وفق قوله.
اقرأ/ي أيضًا: "الهوية الممزّقة".. تجارب أمهات تونسيات في تربية أبنائهن بالمهجر
الإشكال، بحسب شطورو، يتعمّق حين يلجأ الابن المظلوم إلى من يرجو منهم الحكمة والإنصاف، فلا يحصد إلا إجابات تُفاقم القهر: "ذاك أبوك أو أمّك، له أن يفعل بك ما يشاء، وعليك الصبر ولا تتكلم".
عبارة يصفها بأنها "حق أُريد به باطل. نعم، للأب ولاية، لكن ضمن حدود الشرع، لا خارجها. وإذا تعدّى، وجب النصح بالمعروف، بل ويقع على عاتق الأقارب والأصحاب ممن رُفعت إليهم الشكوى أن يذكّروه بعاقبة ما يصنع، لأن منصب الوالدين لا يمنح حصانة للاعتداء" وفقه.
مهدي شطورو (باحث في الشأن الديني): للخطباء والفاعلين في الشأن الديني مسؤولية أخلاقية وعلمية، وأدعوهم إلى عدم غضّ الطرف عن النرجسية المقيتة لدى بعض الآباء والأمهات والتنبيه إلى هذه الانحرافات وإنصاف المظلومين
ويستحضر مهدي شطورو شواهد قرآنية تُفكك هذا التصور الأحادي. فمن أبرز تجليات عقوق الآباء للأبناء في القرآن، يذكر قصة آزر مع ابنه إبراهيم عليه السلام. كما يستعيد أثرًا شهيرًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رجل يشتكي ابنه بدعوى العقوق، فيسأل عمر الابن عن حق والده، ثم يسأل عن حق الابن على والده: أن يُحسن اختيار أمه، ويُحسن اسمه، ويُعلّمه الكتاب. فيرد الابن بأن أباه أخفق في الثلاثة: لم يُحسن اختيار الأم، وأسماه اسمًا مُهينًا جُعَلًا (الخنفساء)، ولم يُعلّمه من كتاب الله آية. عندها يلتفت عمر إلى الأب قائلًا: "تقول إن ابنك يعقك، فقد عققته قبل أن يعقك".
بهذا الاستشهاد، لا يكتفي شطورو بنقل واقعة تاريخية، بل يطرح سؤالًا حاسمًا: هل كان عمر، وهو من هو في العلم والعدل، ليُسمّي الأمر بغير اسمه؟ ليستنتج أنّ الرسالة واضحة: "العقوق ليس طريقًا ذا اتجاه واحد، والعدل يقتضي تسمية الظلم ظلمًا، أيًّا كان مصدره"، وفق قوله.
مداخلة تُعيد ترتيب النقاش، وتدعو إلى خطاب ديني أكثر شجاعة واتساعًا، يُنصف الأبناء دون أن يُفرّط في مكانة الوالدين، ويضع حدًا لاستعمال المقدّس غطاءً للأذى. سؤالها الضمني موجّه إلى المنابر قبل الجمهور: متى يتّسع القول ليشمل الحقيقة كلّها؟
الكلمات المفتاحية
ما بعد الرماد.. قصص عائلات منكوبة وحياة معلقة على أطراف الجبال المحترقة
بسبب الحرائق التي نشبت في عدّة مناطق في تونس صائفة هذا العام تغيّر المشهد وتغيرت معها الحركة في تلك المناطق المحترقة، وبات السكان هناك يتحدّثون عما بعد الرماد
فاجعة اغتصاب قاصر بالملاسين.. صدمة واسعة في تونس ودعوات لمحاسبة المعتدين
خلّفت حادثة احتجاز قاصر واغتصابها في جهة الملاسين بضواحي العاصمة، وفق المعطيات الأولية، صدمة كبيرة في الشارع التونسي، ودعت عدة جهات حقوقية ومدنية إلى تطبيق القانون ومحاسبة المعتدين
أولياء يحتجون من أجل تشغيل أبنائهم.. حين يحمل الآباء مطالب جيل عاطل
الكاتب العام الجهوي لاتحاد أصحاب الشهادات المعطلين وسيم جدي لـ"الترا تونس": آمال المعطلين عن العمل معلّقة على القانون عدد 18
تعرّف على شروط المناظرة الخارجية لانتداب 100 عون مراقبة اقتصادية بوزارة التجارة
تتم المناظرة الخارجية لانتداب 100 عون مراقبة اقتصادية على ثلاث مراحل، تشمل القبول الأولي عبر الترتيب الآلي للترشحات حسب أماكن التعيين والجدارة، في حدود عشرة أضعاف عدد الخطط المعروضة بكل مكان تعيين
لمدة أسبوع.. تحويل جزئي لحركة المرور بالمدخل الجنوبي للعاصمة
وزارة التجهيز والإسكان: انطلاق إنجاز أشغال طبقة السير على مستوى منطقة جبل الجلود، الأمر الذي يستوجب تحويلًا جزئيًا لحركة المرور إلى 2 ممرات في كل اتجاه
طقس تونس.. غيوم جزئية مع أمطار متفرقة ورعدية بعد الظهر
معهد الرصد الجوي: الريح تكون من القطاع الغربي بالشمال والوسط ومن القطاع الشرقي بالجنوب قوية نسبيًا فمحليًا قوية قرب السواحل وضعيفة فمعتدلة داخل البلاد
طقس تونس.. سحب كثيفة مع أمطار وانخفاض في درجات الحرارة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تشهد انخفاضًا نسبيًا، وتصل أقصاها إلى 31 درجة بأقصى الجنوب