الأزمة السياسية في تونس تعصف بالحجر الصحي الشامل

الأزمة السياسية في تونس تعصف بالحجر الصحي الشامل

تعيش تونس تحت وقع"انفجار اجتماعي" جراء فرض الحجر الصحي الشامل (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

 

لم تعد جائحة كورونا وباء يزهق الأرواح فحسب بل أصابت شللًا في المجتمعات وأجهزت على اقتصاديات البلدان الفقيرة وحدّت من نسب النموّ وتسببت في انكماش اقتصادي وتدهور اجتماعي وصعّدت من وتيرة الفقر والخصاصة ورمت ببلدان الديمقراطيات الناشئة في أحضان السلطة التائقة إلى الاستبداد وزعمت الدكتاتوريات في بلدان العالم أن المقايضة ستكون حتمًا بالحريات في مواجهة التهديدات الصحية.

تونس بلد الانتقال الديمقراطي أو الديمقراطية الهشة المتعثرة أعلنت للمرة الثانية منذ ظهور فيروس كورونا الحجر الصحي الشامل، هذه المرة أعلنت عنه الحكومة التونسية خلال مؤتمر صحفي في السابع من شهر ماي/آيار الجاري، وقد حددت فترة الحجر من 9 إلى 16 ماي/ آيار 2021 تزامنًا مع عطلة عيد الفطر المبارك.

48 ساعة لم تكن كافية لتستعدّ تونس للحجر الذي تسلل إلى كافة القطاعات فشلّ التنقل والتمدرس وعصف بكافة القطاعات الاقتصادية من تجارة وصناعة وسياحة وتسبب في غلق الحدود وتعطل المرافق الخدماتية

48 ساعة لم تكن كافية لتستعدّ تونس لهذا الحجر الذي يتسلل إلى كافة القطاعات فيشلّ التنقل والتمدرس ويعصف بكافة القطاعات الاقتصادية من تجارة وصناعة وسياحة ويتسبب في غلق الحدود وتعطل المرافق الخدماتية باستثناء المجالات الحيوية المضبوطة لاحقًا بمرسوم حكومي يحدد القطاعات.

اقرأ/ي أيضًا: التونسي بين حق الملح ومدن الملح و.. حكومة "متملحة"

منذ الإعلان الحكومي عن قرار الحجر الصحي الشامل تهافتت القطاعات إلى التنديد به، عبّرت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، في بيان مساء الجمعة 7 ماي/ آيار 2021، عن رفضها لقرار الحكومة إقرار الحجر الصحي الشامل لمدة أسبوع، ودعت منخرطيها إلى العصيان الجبائي وعدم خلاص فواتير استهلاك الكهرباء والماء. 


48 ساعة لم تكن كافية لتستعدّ تونس للحجر الصحي الشامل (ماهر جعيدان / الترا تونس)

كما دعت جامعة الحرفيين ، في ذات البيان، إلى "مقاطعة التعامل مع البنوك وبنوك الإيجار المالي  التي لا تؤجل تتبعات الشيك، وطالبت منخرطيها بالقيام بالإجراءات اللازمة وتكليف محام لمقاضاة الحكومة التونسية أمام القضاء الإداري".

من جهته، أعلن الاتحاد الجهوي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية بسوسة، السبت 8 ماي/آيار 2021، أنه "قرر مواصلة النشاط التجاري بصفة عادية إلى غاية ليلة العيد"، موضحًا أنه "تم اتخاذ هذا القرار نظرًا للظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أغلب التجار، ولالتزاماتهم المادية تجاه المزودين وكافة المتعاملين الاقتصاديين، وكذلك لمدى أهمية الأيام التجارية التي تسبق يوم عيد الفطر". 

منذ الإعلان عن قرار الحجر الصحي الشامل تهافتت نقابات مختلف القطاعات للتنديد به، وكان لبياناتها صدًى لدى منظوريها خاصة أن الحجر يتزامن مع الأيام التي تسبق عيد الفطر التي تشهد حركية تجارية هامة 

تصاعدت الاحتجاجات بحلول السبت 9 ماي/آيار 2021، أول أيام الحجر الصحي الشامل، و كان لهذه البيانات والبلاغات القطاعية أثرًا و صدًى لدى التجار وأصحاب وسائل النقل العامة والقطاعات الخدماتية بأنواعها خاصة أن قرار الحجر الشامل يتزامن مع أواخر شهر رمضان والاستعداد لأيام عيد الفطر الذي يشهد حركية تجارية هامة في مجال بيع الملابس الجاهزة والحلويات واقتناء لوازم العائلة التونسية حسب تقاليدها في الاحتفاء بهذه المناسبة الدينية.


 العشرات من محلات بيع الملابس الجاهزة والأحذية مفتوحة (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

حللتُ على الساعة الثامنة والنصف بالمدينة العتيقة بسوسة التي تعتبر شريان الساحل التونسي في التبضّع و التجارة وقبلة أهل الساحل من جميع المدن المجاورة، لم تكن الحركية بادئ الأمر كالعادة، لكن استئناف التجار والحرفيين أعمالهم كان استجابة للنداءات التي سبقت من الهياكل المهنية التي تمثلهم. تضم المدينة العتيقة أكبر أسواق المحافظة للخضر والغلال فكانت مغلقة بأمر بلدي مما تسبب في حالة من الاحتقان أمام سوق باب جديد وسوق "العراوة" واضطر باعة الأسماك للانتصاب على الأرصفة وتحت الأسوار أمام إصرار القوة التنفيذية البلدية والأمنية على تطبيق قرارات الغلق.

اقرأ/ي أيضًا: بين كورونا ورمضان.. تونسيّون يغيّرون مهنهم خوفًا من الفقر

أحمد، أحد تجار الغلال الذين التقيناهم أمام السوق، استنكر هذه القرارات قائلًا "نحن تلقينا تطمينات من رئيس بلدية سوسة شخصيًا خلال زيارته صباح السبت أن السوق المركزية لن يقع غلقها ضمانًا لتوازن السوق وتطبيقًا للعدالة بين هذا الصنف من التجار غير أنه تلقينا في مساء اليوم ذاته إشعارًا من الشرطة بكونه سيتم الإغلاق وبالتالي عدم مزاولة المهنة خلال فترة الحجر الصحي، وهذا ما أثر علينا وسيكبدنا خسائر بآلاف الدنانير بعد تزوّدنا بمقادير كبيرة من الغلال والخضار".

أحمد (تاجر) لـ"الترا تونس": لسنا مستعدين للإفلاس جراء هذه القرارات الارتجالية وغير المدروسة، كما لا يمكننا تفهم هذه الإجراءات بحجة الحد من انتشار الوباء بينما تواصل الفضاءات التجارية الكبرى عملها بشكل طبيعي

و أردف أحمد قائلًا "نحن لسنا مستعدين للإفلاس وخسارة موارد رزقنا جراء هذه القرارات الارتجالية وغير المدروسة والسريعة، كما لا يمكننا تفهم هذه الإجراءات بحجة الحد من انتشار وباء كورونا في حين تواصل الفضاءات التجارية الكبرى عملها بشكل طبيعي وعادي غير متأثرة بهذه القرارات الحكومية".


التجاهل لخطورة انتشار الوباء كان شديدًا (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

داخل أزقة المدينة العتيقة، العشرات من محلات بيع الملابس الجاهزة والأحذية مفتوحة. وخلال الحديث مع أصحاب الدكاكين أصرّوا على ما أسموه "تمرّدًا على القرارات" واتفق جلّهم على أنهم مهددون في قوت يومهم وتضرّر منظوريهم من العملة وعدم استعدادهم لمجابهة قضايا جزائية تجارية متعلقة بالصكوك دون رصيد وعدم الإيفاء بالتزاماتهم المالية أمام المزودين في ظلّ غياب الدولة العاجزة أصلًا عن التعويض والمرافقة المادية".

اكتشفنا خلال الجولة في المدينة العتيقة أن التجاهل لخطورة انتشار الوباء كان شديدًا "فالتمرد" لم يكن على قرارات حكومية بقدر ما كان تمرّدًا على الفيروس الذي وجد في هذه البيئة المفتوحة وسيلة للانتقال والعدوى وقتل العدد الأكبر من المصابين الذين تكتظ بهم المستشفيات من يوم إلى آخر.


هناك نوع من "الإرادة الشعبية" لكسر قرار الحجر الصحي (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

في مدينة المنستير، مركز الولاية، لم نر أثرًا للحجر الصحي الشامل فحركة السيارات ووسائل النقل من تاكسي فردي وجماعي عادية جدًا. كما فتحت السوق المركزية أبوابها وباشرت كافة المحلات التجارية عملها بشكل عادي وأشاد نسبة كبيرة ممن التقيناهم بهذه "الإرادة الشعبية" في كسر قرار الحظر وقد لاحظنا تدخلًا خلال فترة الظهيرة من بعض الوحدات الأمنية للحد من عملية كسر الحجر لكن جوبهت باحتجاجات من عدد من التجار وبعض الأشخاص الذين تبنوا شعار "العصيان المدني حق دستوري" محملين الحكومة ورئيسها مسؤولية ما آلت إليه البلاد من أزمة اقتصادية وحيف اجتماعي (هذا ما أظهره فيديو على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك)، داعين في ذات الوقت إلى عدم التصادم مع الشرطة مع مواصلة "التمرّد" على القرارات الحكومية.

بالتوازي مع احتجاجات المواطنين، تصاعدت وتيرة الاحتجاج المنظم على مواقع التواصل الاجتماعي وذلك بتحميل الحكومة المسؤولية السياسية في الوضع الذي آلت إليه البلاد

ما أمكن لنا كشفه أن الدعوة لعدم الالتزام بالحظر الشامل ليست مجرد سلوك قطاعي متضرر من هذه الإجراءات فقط، بل الملاحظ هو تدخل فئتين في رفض الالتزام، الفئة الأولى متضررة بالفعل ويلحقها الضرر المباشر ماديًا والفئة الثانية طبقة سياسية ونخبوية لها مصلحة مباشرة في مزيد حصد "هزيمة جديدة تلحق بمؤسسات الدولة"، إذ لاحظنا بالتوازي مع احتجاجات المواطنين تصاعد وتيرة الاحتجاج المنظم على مواقع التواصل الاجتماعي وذلك بتحميل الحكومة المسؤولية السياسية في الوضع الذي آلت إليه البلاد كما شكلت النداءات الفايسبوكية حزامًا للقدح في رئيس الحكومة والإجراءات المتخذة.

اقرأ/ي أيضًا:  من بين شقوق الفقر.. ينبت شعب البرومسبور في تونس!

كما أن الخلاف العلني بين رئاسة الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية ألقى بظلاله على الأزمة الحالية وشتت جهود الحرب على وباء كورونا ليتحول إلى تصفية حسابات سياسية وتنازع حول الصلاحيات كما استغلت أحزاب سياسية القرارات الحكومية الأخيرة لتصعيد الصراع السياسي والذهاب بعيدًا نحو تغيير منظومة الحكم.


 إجراءات مواجهة الوباء طرحت العديد من الإشكاليات في مستوى حقوق الإنسان (ماهر جعيدان/ الترا تونس)

عمر البلهوان، ناشط في المجتمع المدني، وصف قرار الحجر الصحي الشامل في هذه الفترة الحساسة  بـ"الظالم"، واعتبر، في تصريح لـ"الترا تونس" أن القرار "ميّز بن فئات الشعب التونسى، إذ رخصت الحكومة لأطراف معيّنة دون سواها قي المقابل همشت العديد من أصحاب المشاريع الصغرى والعامل اليومي، وهذا ما خلف احتجاجات وتمردًا على قرارات الحكومة التي تعد في نظرهم ظالمة وتعدٍّ صارخ على لقمة عيشهم"، وفق تقديره.

تعيش تونس تحت وقع"انفجار اجتماعي" جراء فرض الحجر الصحي الشامل وهذا ما حذر منه عديد الخبراء من بينهم رمضان بن عمر الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تصريح صحفي، كما أن إغلاق المؤسسات والمصانع سيؤدي حتمًا إلى فقدان الآلاف من العمال لوظائفهم.

اقرأ/ي أيضًا:  فشل النخبة التونسية في تحقيق التسوية التاريخية المطلوبة

وحسب إحصائيات نشرها المعهد الوطني للإحصاء في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، فإن "نسبة البطالة بلغت 18% في النصف الأول من سنة 2020، في حين تم فقدان أكثر من 161 ألف وظيفة جراء أزمة فيروس كورونا التي أثرت بشكل كبير على الاقتصاد التونسي مسجلًا تراجعًا بنسبة سالبة وصلت إلى 21.6% في الثلث الثاني من السنة نفسها". وهذه الأرقام مرشحة للارتفاع في ظل تدهور الوضع الوبائي وانعكاسات الحجر الصحي الشامل.

عمر البلهوان (ناشط بالمجتمع المدني) لـ"الترا تونس": قرار الحجر الشامل ميّز بن فئات الشعب، إذ سمحت الحكومة لأطراف دون سواها بمواصلة العمل، وهذا ما خلف احتجاجات وتمردًا على قرارات الحكومة

وما يزيد من استفحال الأزمة الاجتماعية في تونس جراء وباء كورونا تضرر القطاع الموازي بشكل كبير وهو قطاع غير مشمول بمساعدة الدولة ومرافقة أصحابها ماليًا وجبائيًا فهو قطاع على هامش الاقتصاد المنظم، لكنه يستأثر بنسبة هامة من القدرة التشغيلية لليد العاملة.

احتجاجات اجتماعية قطاعية تواصلت السبت ليلًا بعد الإفطار وفي خرق لحظر التجول المعلن عنه من الساعة السابعة مساءً إلى الساعة الخامسة صباحًا، وقد شملت عدد المدن على غرار مدينة قصر هلال، القصرين، سيدي بوزيد وعديد الأحياء الشعبية التي استأنفت نشاطها العادي في الساعات الأولى من الحظر خاصة تلك التي تنتصب فوضويًا ومحلات بيع الملابس الجاهزة ولوازم العيد.

وباء كورونا لم يسمم الصحة الإنسانية فحسب بل عفّن الحياة السياسية في البلدان التي تشهد انتقالًا ديمقراطيًا أو تعيش فترة تحول ديمقراطي يتسم بالهشاشة مثل تونس، وهذا ما حذرت منه ميشال باشليه مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حين قالت"تسييس وباء (كورونا) بهذا الشكل هو أمر أكثر من غير مسؤول، إنه مستهجن" إذ أن إجراءات مواجهة الوباء طرحت العديد من الإشكاليات في مستوى حقوق الإنسان من حريات وغيرها أو تخل بقواعد الديمقراطية والتمكن من السيادة والحكم، كما يلاحظ أن الإجراءات غير المتناسبة تخلّ بمبدأ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين مكونات المجتمع وقطاعاته وهياكله مما يتسبب في تسلل طبقة مستفيدة على حساب طبقة أخرى تزداد أزمتها ويستفحل بها الفقر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الوباء والدولة والفرد زمن الخوف

الخطة الاتصالية غائبة.. عزوف كبار السن عن التلقيح في تونس