احتجاج من وراء القضبان.. ما رسالة السياسيين المضربين عن الطعام في تونس؟
11 نوفمبر 2025
"سأغادر السجن بعد أيام قليلة، فإما أخرج حرًّا أو أخرج ميتًا.. وفي الحالتين سأخرج وهذا قراري الأخير ولا رجعة فيه"، كانت هذه رسالة وجهها الناشط السياسي وأستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك لوزيرة العدل التونسية ليلى جفال، بعد تدهور وضعه الصحيّ نتيجة دخوله في إضراب جوع وحشيّ عن الطعام، منذ 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وأكدت المحامية دليلة مصدق، في بث مباشر عبر صفحتها الرسمية على "فيسبوك"، أنّ الحالة الصحية لشقيقها تدهورت بشكل لافت، وأنّه لا يزال يرفض وقف إضراب الجوع، ومتمسك بمواصلته لاسترجاع حريته، على حد قولها.
الناشط السياسي عز الدين الحزقي: ابني جوهر بن مبارك اضطر إلى خوض معركة الأمعاء الخاوية دفاعًا عن حقه في محاكمة عادلة ومباشرة، والنظام الحالي يتحمل مسؤوليته كاملة عما قد يترتب عن ذلك بعد تدهور وضعه الصحي
وقالت مصدق، إنّها لم تتمكن يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني من مقابلة شقيقها المسجون في سجن بلّي بنابل، مشيرة إلى أنه "بعد انتظار دام نحو خمس ساعات أخبرها الأعوان بأنّه لا يستطيع مقابلتها لعدم توفر كرسي متحرك قبل أن يتم مصادرة "بطاقة الزيارة" الخاصة بها، على الرغم من أنها شقيقته ومحاميته في نفس الوقت.
توسع دائرة المضربين عن الطعام
وبالتزامن مع ذلك، قرر الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي بدوره الدخول في إضراب جوع مفتوح من وراء القضبان، مؤكدًا أنه اتخذ هذا القرار "دفاعًا عن استقلال القضاء وللإفراج عن جميع سجناء الرأي في تونس".
اقرأ/ي أيضًا: سجناء سياسيون يدخلون في إضراب عن الطعام.. تضامن وتحذيرات من تدهور حالتهم الصحية
ولاحقًا، توسعت دائرة المضربين عن الطعام لتشمل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي (86 عامًا)، الذي قال في رسالة له من داخل سجنه إنه اتخذ هذه الخطوة تعبيرًا عن تضامنه مع الناشط السياسي جوهر بن مبارك. قبل أن يعلن كل من الوزير السابق مهدي بن غربية والناشط السياسي عبد الحميد الجلاصي دخولهما في إضراب عن الطعام، ويجمعهم جميعًا مطلب واحد، ألا وهو "الحق في محاكمة عادلة".
وهذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها الموقوفون السياسيون إلى خوض معركة الأمعاء الخاوية لإيصال رسائلهم من خلف القضبان، فقد سبق لعدد من الشخصيات البارزة الملاحقة في ما يُعرف بـ قضية "التآمر على أمن الدولة" أن خاضوا إضرابات عن الطعام، دفاعًا عن حقهم في محاكمة عادلة وتعبيرًا عن تمسكهم بحقوقهم الكاملة وبحريتهم.
معركة الأمعاء الخاوية.. السلاح الأخير
وفي حديثه مع "الترا تونس"، قال الناشط السياسي عز الدين الحزقي، والد السجين جوهر بن مبارك، إنّ ابنه اضطر إلى "خوض معركة الأمعاء الخاوية دفاعًا عن حقه في محاكمة عادلة ومباشرة، يكون فيها وجهًا لوجه مع حاكم التحقيق، لا عبر محاكمة صورية عن بُعد".
رئيس جبهة الخلاص أحمد نجيب الشابي: ما يحدث اليوم من إيقافات اعتباطية وغامضة لم يحدث في تونس سابقًا، فحتى قبل الثورة كانت الإيقافات تتم استنادًا إلى وقائع سياسية
وأضاف أنّ "النظام الحالي يتحمل مسؤوليته كاملة عما قد يترتب عن دخول ابنه، أستاذ القانون الدستوري، في إضراب جوع وحشي بلا طعام وأدوية"، مؤكدًا أنّ "وضعه الصحي يشهد تدهورًا لافتًا".
وأوضح أنّ ابنته دليلة مصدق لم تتمكن من مقابلة شقيقها لأنه لم يعد قادرًا على المشي أو التنقل بمفرده، وذلك بعد 14 يومًا من دخوله في إضراب مفتوح عن الطعام. وأكد أنّ ابنه قد يفقد حياته بسبب تمسكه بمواصلة إضرابه.
وقال الحزقي إنّ "النظام الحالي يمعن في التنكيل به وبعائلته وبجميع مساجين الرأي والمعارضين"، مشيرًا إلى أنّه لم يعد قادرًا حتى على الاطلاع على الوضع الصحي لابنه، وكل ما وصله أنه لم يعد قادرًا على المشي وأنه بات يحتاج إلى كرسي متحرك.
رسالة إلى الرأي العام
يقول رئيس جبهة الخلاص الوطني (معارضة) أحمد نجيب الشابي، في حديثه مع "الترا تونس"، إن إضرابات الجوع التي يلجأ إليها من هم خلف القضبان لا تُوجّه عادة إلى السلط بل إلى الرأي العام، مؤكدًا أن "الموقوفين وجهوا رسائلهم إلى الرأي العام كي يتحسس وضعيتهم داخل السجن ويتفاعل معها".
ووفق الشابي، فإنّ المساجين الذين دخلوا في إضراب عن الطعام، وهم جوهر بن مبارك وراشد الغنوشي وعصام الشابي وعبد الحميد الجلاصي "اختاروا هذه الخطوة رغم مخاطرها الصحية كي تكون بمثابة صرخة نحو المجتمع، وللتذكير بأنهم يعيشون منذ سنوات مظلمة غير مسبوقة ولم نشهد لها مثيلاً في تونس".
اقرأ/ي أيضًا: أحزاب ومنظمات وشخصيات حقوقية: تدهور الحالة الصحية لجوهر بن مبارك إثر إضراب الجوع
يضيف قائلاً: "بالنسبة لي، عاصرت زمن الحبيب بورقيبة وعشت زمن القمع والتعذيب في عهد بن علي، ثم فترة الانتقال الديمقراطي وفترة حكم قيس سعيّد، وما يحدث اليوم من إيقافات اعتباطية وغامضة لم يحدث في تونس سابقًا، فحتى قبل الثورة كانت الإيقافات تتم استنادًا إلى وقائع سياسية".
رئيس جبهة الخلاص أحمد نجيب الشابي: السياسيون المضربون عن الطعام في السجون قرروا التضحية بحياتهم دفاعًا عن دولة القانون وحق أي مواطن تونسي في محاكمة عادلة
وأوضح الشابي، أن جبهة الخلاص تؤيد هذا الإضراب وكل تحرك مساند له، مؤكدًا أنهم "سينظّمون تحركات وطنية لمساندة مساجين الرأي والموقوفين السياسيين، وللتعبير عن تمسكهم بحقهم في محاكمة عادلة".
وعبر الشابي، في ذات السياق، عن أمله ألا تكون نتائج هذا الإضراب "كارثية"، خصوصًا بعد ورود تقارير طبية رسمية تتحدث عن "تدهور الوضع الصحي لجوهر بن مبارك وعصام الشابي".
وأكد محدث "الترا تونس" أنّ "المضربين عن الطعام قرروا التضحية بحياتهم دفاعًا عن دولة القانون وحق أي مواطن تونسي في محاكمة عادلة"، مؤكدًا أن "هذه التحركات قد تحقق نتائج إيجابية قريبًا أو على المدى البعيد"، وفقه.
هل تتفاعل السلطة مع مطالب المعارضة؟
يرى الصحفي صغير حيدري أنّ الإضراب عن الطعام يُعدّ السلاح الأخير الذي يلجأ إليه السجناء، ولا سيما سجناء الرأي والسجناء السياسيون، مشيرًا إلى أنّ المتهمين فيما يُعرف بقضية "التآمر" كانوا قد خاضوا سابقًا إضرابات عن الطعام للمطالبة بإطلاق سراحهم، غير أنّ ذلك لم يتحقق.
وأضاف حيدري، في حديثه مع "الترا تونس"، أنّ "مساجين الرأي عادة ما يلجأُون للإضراب عن الطعام من وراء القضبان لإحراج السلطة أخلاقيًا والضغط عليها ولفت أنظار الرأي العام الداخلي والخارجي تُجاه قضاياهم ووضعياتهم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضية مثل "التآمر" التي حوكم فيها المتهمون بدون حضور وصدرت بحقهم أحكام سجنية قاسية".
الصحفي صغير حيدري: مساجين الرأي عادة ما يلجأُون للإضراب عن الطعام من وراء القضبان لإحراج السلطة أخلاقيًا والضغط عليها ولفت أنظار الرأي العام الداخلي والخارجي تُجاه قضاياهم، وهذا النوع من الاحتجاج قد يكون فرصة لتوحيد قوى المعارضة
وتوقع حيدري أن تتوسع قائمة المضربين عن الطعام خلال الأيام أو الساعات المقبلة لتشمل سياسيين من داخل السجن أو من خارجه، مشيرًا إلى أن "هذا النوع من الاحتجاج قد يكون فرصة لتوحيد قوى المعارضة التي تعاني من الانقسامات والتشرذم".
في ذات السياق، استبعد إمكانية استجابة السلطة إلى مطالب المضربين عن الطعام أو التفاعل معها، مؤكدًا في ذات السياق، أنّ "الرئيس قيس سعيّد أثبت بمرور السنوات أنه لا يُصغي لأحد حتى للموالين له وأنه حتمًا لن يستمع للأصوات المعارضة له ولن يتفاعل معها".
ويشار إلى أنّ منظمة هيومن رايتس ووتش، كانت قد قالت في تقريرها العالمي الأخير، إن السلطات التونسية كثفت قمع المعارضة السياسية والأصوات الناقدة الأخرى بتنفيذ اعتقالات جماعية، وسجن الصحفيين، واستهداف منظمات المجتمع المدني.
وأوضحت أنه حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، اعتُقل في تونس أكثر من 80 شخصًا لأسباب سياسية أو لممارسة حقوقهم الأساسية، بينهم معارضون سياسيون ومحامون وصحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

الكلمات المفتاحية

منظمات تونسية تحذّر: تراجع غير مسبوق في الحقوق والحريات وانتهاكات خطيرة
رئيس رابطة حقوق الإنسان بسام الطريفي: كل الحقوق منتهكة اليوم أكثر من أي وقت مضى، ومن الضروري أن يستمر النضال من أجل تعزيز المكتسبات والحقوق المدنية والسياسية في تونس

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

تونس بعد 15 عامًا من الثورة.. تراجع الحريات وتوقف الانتقال الديمقراطي
بعد 15 سنة على الثورة التونسية وسقوط نظام الاستبداد، تتزايد الانتقادات للنظام الحالي بقيادة قيس سعيّد.. "الترا تونس" رصد في هذا التقرير تقييم منظمات ومحللين لمسار الانتقال الديمقراطي

ثورة تونس في سنّ المراهقة.. جلسة فضفضة على أريكة طبيب نفسي
الباحث والناشط السياسي ماهر حنين لـ"الترا تونس": يجب أن تعمّ الحرية إيقاع الحياة الجماعية، وعلينا الاعتقاد جميعًا بأنّ الخلاص هو خلاص جماعي لا فردي.. على اعتبار أنه لا يمكن لأي طبقة أو أي تيار فكري أن ينعتق بمفرده، فإما أن تعود الحرية للجميع أو أنها لن تعود لأحد

طريق من الطين.. عن تلاميذ الأرياف والمسافات الوعرة نحو المدارس
تحوّلت مسالك الطريق الجبلي مع المطر إلى شريطٍ طينيٍّ زلِق، بالكاد تشعر بثبات خطوتك فيه، فكلّ حركة هي بمثابة مغامرة صغيرة بين ارتكاز القدم والحذر من الانزلاق في طريق وعرة. فالتضاريس قاسية، كأنّها تختبر عزيمة أيّ شخص في كلّ منعطف

تجمّع لأنصار قيس سعيّد أمام المسرح البلدي بالعاصمة في ذكرى الثورة
رفع هؤلاء المتظاهرون عديد الشعارات، من بينها: "بالروح والدم نفديك يا علم"، "لا مصالح أجنبية على الأراضي التونسية"، "لا وصاية أجنبية على الأراضي التونسية"، "الشعب يريد قيس من جديد"، "الشعب يريد تطهير البلاد"..

17 ديسمبر.. من عيد ثورة الحرية إلى عيد "أنصار الرئيس"
تطوي الثورة التونسية التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010، وألهمت الشعوب العربية على الانتفاض ضد أنظمة القهر والاستبداد، عامها الخامس عشر في مناخ لم يعد يطرح السؤال حول تحقيق أهدافها كما كان يُطرح دومًا في أفق المنجز الاقتصادي والاجتماعي الذي كان عنوانه حادثة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، بل بات يطرح سؤال الحسرة حول ما كان يُقدَّم بوصفه "المنجز الوحيد للثورة": حرية التعبير

