"ابن الأرض" لمحمد الغربي.. حينما يُبعث الإنسان من رحم الكمنجة

412 مشاهدة
تصوّر موسيقي للهوية الثقافية التونسية

الموسيقى متشبّعة بنوتاتها، زاهدة عن الكلمات، لغة قائمة بذاتها حبلى بالمعاني والمقاصد، وخطاب عميق قادر على تجذير الهوية والانتماء، كل ما يتطلّبه الأمر مهارة وتقنيات وجودة وقدرة على تطويع الآلة الموسيقية.

وحتّى يكون العازف قادرًا على إنتاج المعاني وتمرير الرسائل عبر النوتات، لا بدّ أن يتوحّد مع الآلة الموسيقية ويمتصّ الموروث الموسيقي المحلّي والعربي والعالمي، وهو السبيل الذي مضى فيه التوأم محمد وبشير الغربي.

الأخوان محمّد وبشير لم يكتفيا بابتكار ألحان جديدة وإنّما انتهجا تصورًا جديدًا للموسيقى كعامل لترسيخ الهوية الثقافية التونسية والترويج لها عالميًا

الأخوان الغربي يؤمنان بالتجديد على مستوى الخطاب الموسيقي، شقّا طريقهما المتفرّد بإرادة وعزيمة، عمّقها لديهما الإدراك السمعي للموسيقي. ففي بدايتهما لم يتسنّ لهما شراء العود الذي يستهوي بشير والكمنجة التي تستهوي محمد، فكانا يختزنان الموسيقي داخلها عبر الاستماع إلى التسجيلات.

محمّد وبشير لم يكتفيا بابتكار ألحان جديدة وإنّما انتهجا تصورًا جديدًا للموسيقى كعامل لترسيخ الهوية الثقافية التونسية والترويج لها عالميًا.

إذ عقد عازف الكمنجة محمد الغربي، يوم الأربعاء 17 أكتوبر/تشرين الأول 2018، ندوة صحفية بمناسبة صدور فيديو كليب له، هو الأول من نوعه في تونس باسم "SON OF GROUND " أي "ابن الأرض". والفيديو كليب رسالة للسلام والانفتاح على مختلف الثقافات مع المحافظة على الهوية الثقافية التونسية، غابت عنه الكلمات ووظّف التقنيات السينيماتوغرافية لإبراز لغة الموسيقى عمومًا والكمنجة خصوصًا.

اقرأ/ي أيضًا: انبعاث أيّام قرطاج للإبداع المهجري.. نبل الفكرة وغياب التصوّر

الكمنجة وسيلة لتجذير الهوية الثقافية

مشاهد "ابن الأرض"، التقطت في مدينة جندوبة على اعتبار أنّ فكرة العمل مرتبطة بحقبة زمنية معينة لتاريخ ابن الأرض ويعكس امتداده في تاريخ أرضه وتحديدًا في الحضارة النوميدية الزيرية التي كانت تبسط نفوذها على شمال إفريقيا، وفق ما أفاد به العازف محمد الغربي.

وفي حديثه عن اختيار جندوبة للتصوير، يقول الغربي لـ"الترا تونس": "بحثنا عن منطقة تكون فيها طبيعة ثرية على مستوى الدعائم الطبيعية من غابة وجبل وأودية" لافتًا إلى أنّ المكان الذي صوّر فيه "ابن الأرض" يقع في منطقة سيدي مسكين التي كان اسمها "تونوزيدا " في الفترة النوميدية.

صورة من الفيديو كليب "ابن الأرض"

وأشار إلى أنّ العمل واجه بعض العراقيل، إذ كان من المبرمج أن يتم التصوير في مكانين اتضح أنهما شهدا عمليات إرهابية وفيهما تحرّكات مشبوهة وهو ما دفع فريق العمل للبحث عن بديل خلال ثلاث ساعات، وفق قوله. وأضاف: "المخرج أعدّ تصوّرًا جديدًا في أماكن أخرى وتغير السيناريو قليلًا، وشهد التصوير بعض الارتجال فليس من السهل على أي مخرج أو سيناريست أن يحوّل الظروف السلبية إلى إيجابيات يثري بها العمل.

محمد الغربي لـ"الترا تونس": عنوان "ابن الأرض" يعكس امتداد التونسي الأمازيغي في تاريخ أرضه والمتشبث بهويته وثقافته المتنوعة

وعن المغزى من تسمية الفيديو كليب "ابن الأرض"، قال محمّد الغربي لـ"الترا تونس": "إن العنوان يعكس امتداد التونسي الأمازيغي في تاريخ أرضه والمتشبث بهويته وثقافته المتنوعة على اعتبار أن تونس نقطة عبور لعديد الحضارات، ابن الأرض هو التونسي الحالي المتجذر في تاريخه وثقافته والمتناغم والمنسجم مع عولمة الثقافة".

وفي ردّه عن سؤالنا حول مدى قدرة الآلة الموسيقية على تمرير رسائل للمتلقي دون الكلمات والصوت، بيّن الغربي أنّ الآلة الموسيقية تعتبر بالمفهوم الكوني للموسيقى امتدادًا لجسد الانسان، مشيرًا إلى أنّ العالم قائم على الارتدادات الصوتية وأنّ الإنسان ابتدع الآلات الموسيقية ليحاكي أصوات الطبيعة ولكل آلة موسيقية خصوصيات صوتية، وفق تعبيره.

الومضة الدعائية

وأضاف محمد الغربي في حديثه معنا قائلًا: "الآلة مادة ولكن محركها الأساسي هو الإحساس والإنسانية والانسان كما يعرفه سبينوزا جسد وروح، والجسد هو الوعاء الأساسي لكن المحرك الأساسي هو الروح والنفس والعقل الذي يوظف المادة لإيصال الأهداف والأفكار".

ولئن لم يفصح عن تكلفة الفيديو، إلا أنّه أكّد أنّه تطلّب إمكانيات مادية لا بأس بها بتمويل ذاتي بحت، مشدّدًا على أنّ قيمة العمل لا تكمن في تكلفته وإنّما في قيمته الفنّية.

اقرأ/ي أيضًا: مسرحية "ذاكرة قصيرة".. حينما يكون الإنساني رهين السياسي

الخصوصيات الفنية لـ"ابن الأرض"

بشير توأم محمّد، شريك لا يغيب عن أعمال أخيه ولا يغيب أخوه عن أعماله، ساهم أيضًا في هذا العمل فكريًا وموسيقيًا وشارك في تجسيد مشهد "اكشن" في الفيديو كليب. وفي هذا الصدد، قال بشير الغربي إنّ مساهمته في العمل كانت قليلة في الظاهر وعميقة في الباطن على اعتبار أنه من جنود الخفاء، على حدّ تعبيره.

وأضاف في حديثه لـ"الترا تونس" قائلًا: "ساهمت في "ابن الأرض" فكريًا وموسيقيًا ذلك أنني وأخي نبتكر الألحان مع بعضنا ونقدّم عروضًا مع بعضنا فمن الطبيعي أن أساهم في هذا العمل، كما أنّني ساهمت في تصوير مشهد " أكشن" في العمل".

الأخوان محمد وبشير الغربي

وعن خصوصية هذا العمل الفني الجديد، اعتبر أنه "فيديو كليب نادر لا يمت بصلة للفيديو كليب بالمفهوم الكلاسيكي بل هو فيلم وظّف التقنيات السينيماتوغرافية لإبراز خصائص الكمنجة وهي نقطة الابتكار إذ أن عازف الكمنجة يعبر بالعزف بالتوازي مع الصورة والأكشن وهو ما جعل منه عملًا نوعيًا يختلف عن غيره من الأعمال الموسيقية."

وعن المدّة التي استغرقتها بلورة فكرة " ابن الأرض"، يشير البشير أن الفكرة انطلقت سنة 2007 منذ كان وشقيقه يسجلان الموسيقى لمسلسلات على غرار "صيد الريم" و"كمنجة سلامة" الذي كان حافزًا لإنجاز عمل فني قائم على آلة الكمنجة. ولفت في هذا الجانب بالقول:" في تونس نفتقر إلى ثقافة ودراية دقيقة ومركّزة على الكمنجة بصفة خاصة والعزف بصفة عامة يعني دائمًا المغني يأخذ كل الأضواء والعازف هو رديف للمغني لذلك لا يتم الحديث عن طرق التعبير بالآلة."

بشير الغربي لـ"الترا تونس": "فيديو كليب "ابن الأرض" لا يمت بصلة للفيديو كليب بالمفهوم الكلاسيكي بل هو فيلم وظّف التقنيات السينيماتوغرافية لإبراز خصائص الكمنجة 

وأضاف، في هذا الإطار أن آلة الكمنجة والفن بصفة عامة يمكن أن يبلغ معان ومقاصد تعجز عديد الخطابات الأخرى وعديد الوسائل عن التعبير عنها على غرار إحساس الإنسان بأخيه الإنسان، وإحساسه بخصائصه الثقافية وانتمائه ومفرداته وإعلاء قيمتها والمحافظة عليها مع التواصل مع المفردات الثقافية الأخرى، وفق تعبيره.

وتابع قائلًا: "نحن حاولنا بكل ما أوتينا من جهد أن نبلّغ أفكارنا وهو أمر صعب نتيقّن منه يوما بعد يوم، ولكي يصل عملنا إلى الجمهور اعتمدنا أكثر ما يمكن على تقنيات موسيقية غربية من ايقاعات ومؤثرات الصوتية إلى جانب الصورة".

وأشار بشير الغربي في ختام حديثه معنا إلى أنّ الإدراك البصري أصبح لديه قيمة أكبر من الإدراك السمعي، قائلًا: "محمد وظّف السينيماتوغرافيا وتناول الموسيقى من هذا الجانب حتى يتمكن من إيصال فكرته إلى من ليس له دراية بالمادة الموسيقية على المستوى التقني ذلك أن الجانب البصري يجعل الموسيقى تنفذ إلى الأشخاص وتشدّهم".

 

اقرأ/ي أيضًا:

دواميس سوسة.. أسرار سراديب الموتى ورحلة البحث عن "الراعي الطيب"

عرض "المرقوم".. حينما يُخلق "المذكّر" من أضلع "المؤنّث"