إيقاف أحمد صواب.. لأن المحامي الحقوقي يزعج السلطة
28 أبريل 2025
مقال رأي
إيقاف الأستاذ أحمد صواب على خلفية تصريح للصحافة أمام دار المحامي، مباشرة إثر رفع القاضي لجلسة قضية "التآمر"، أدلى به وهو يرتدي روب المحاماة، هو تكثيف لواقع استهداف ممنهج لحق الدفاع بوجه عامّ وضد المحامين الحقوقيين ومنهم النائبين في قضية "التآمر" على وجه خاصّ. يتصاعد تعرّض المحامين لتتبعات جزائية على خلفية تصريحات تتعلّق بكشفهم خلفية القضايا السياسية وخوائها أو واقع غياب مقومات المحاكمة العادلة على نحو يحرج السلطة ويزعجها. وتتبع المحامين الحقوقيين ليس فقط غايته محاولة إسكات المحامي المعني بالتتبع، ولكن إشاعة مناخ من الترهيب بغاية فرض حالة من الصمت في الفضاء العام حول المحاكمات السياسية.
فلم يكن، منذ البداية، قرار منع التداول الإعلامي في قضية "التآمر" على وجه الخصوص إلا سندًا غير شرعي سعت عبره السلطة السياسية للتعتيم عن الحقيقة عبر وسائل الإعلام. وثم كان تناول القضية بالزاوية التي تستنفر السلطة سببًا في ذاته لإثارة التتبع ليس فقط ضد المحامين، مثل حالة دليلة بالحاج مبارك ولكن أيضًا الإعلاميين مثل برهان بسيّس. وطبعًا لا حاجة للتأكيد أن النيابة العمومية لم تثر أي تتبعات ضد مؤيدي السلطة رغم خوضهم في القضية خلال الطور التحقيقي وذلك ما دام خوضهم مما هو "مباح".
يتصاعد تعرّض المحامين لتتبعات جزائية على خلفية تصريحات تتعلّق بكشفهم خلفية القضايا السياسية وخوائها أو واقع غياب مقومات المحاكمة العادلة على نحو يحرج السلطة ويزعجها
أيضًا، تصريح المحامي في ندوة صحفية عن تقديم شكاية جزائية ضد وزيرة العدل في علاقة بقضية "التآمر" هو موجب للتتبع وثم إصدار حكم نهائي بالإدانة على نحو ما واجهه المحامي عبد العزيز الصيد، وأيضًا تنديد المحامي بظروف نقل الموقوفين في قضية "التآمر" باستعمال سيارة -اعتبرت هيئة الدفاع أنها لا توفر ظروف إنسانية- هو موجب للتتبع على نحو ما واجهته المحامية إسلام حمزة. والتتبع الأخير المثار ضد الأستاذ صواب يندرج ضمن النهج نفسه. المحامي الذي يعرّي الحقيقة دفاعًا عن متهمين، هم معارضون، يتمّ تحويله إلى متهّم في سعي إلى جعل ممارسة أعمال تتعلق بالدفاع وأيضًا بواجبات المحامي في العمق موضوع تهم بلغت إلى درجة إحالة الأستاذ أحمد صواب على القطب القضائي على مكافحة الإرهاب من أجل مجموعة تهم من بينها "تكوين تنظيم ووفاق إرهابي". الصورة سوريالية أولًا وأخيرًا.
من المهمّ العودة لوقائع التصريح. انعقدت يوم 18 أفريل/نيسان الجاري الجلسة الثالثة في قضية "التآمر" مجددًا دون إحضار المعارضين الموقوفين ليطلب المحامون التمسّك بحق منوّبيهم في الحضور في قاعة الجلسة باعتباره حقًا جوهريًا دون عن تعارض فرض الجلسة "عن بعد" مع الشروط الإجرائية والجوهرية لنصّ مشوب أصلًا بغير الشرعية. كما طلب المحامون التأخير أيضًا بحكم نظر محكمة التعقيب في طعن عدد من المتهمين في قرار دائرة الاتهام. ولكن المحكمة اختارت تجاوز هذه الطلبات المشروعة بطريقة تعسّفية ما أثار رفض المحامين داخل القاعة، ولكن ما كان لرئيس الدائرة إلا رفع الجلسة للمفاوضة والتصريح بالحكم، لتصدر في فجر اليوم الموالي أحكام سجنية تتراوح بين 8 و74 سنة، دون إحضار الموقوفين ولا استنطاقهم ولا مكافحتهم ولا القيام بأي أعمال استقرائية، ولا ترافع المحامين في حقهم في الأصل.
وكان قد قرّر المحامون بعد رفع الجلسة وقتها عقد نقطة إعلامية عاجلة أمام "دار المحامي" لكشف الخروقات ومدى مضيّ السلطة في نسف حتى أدنى مقومات المحاكمة العادلة. الأستاذ أحمد صواب تحدّث عن الضغوطات المسلطة على القضاة باعتبار أن أحد عناصر اختلال المحاكمة العادلة هو وضع السلطة التنفيذية يدها على القضاء وبما أدى لتعيينها مباشرة للقضاة بما يمسّ من جوهر لا محيد عنه لأي محاكمة، وبالخصوص في قضية سياسية، وهو استقلالية القاضي عن السلطة التنفيذية. هذا التصريح هو الذي يزعج السلطة لأنه وضع الإصبع على مكمن الداء. وهو تصريح يندرج ضمن أعمال المحامي بل واجباته في العمق، فالمحامي المدافع عن حقوق الإنسان لا يقتصر دوره على الترافع في المحكمة ولكن أيضًا، وتوازيًا أهمية أو ربّما أكثر في الواقع، التعبير والنشر بخصوص ملابسات المحاكمات السياسية وسياقاتها ومضامينها. هذا دور المحامي الحقوقي في الفضاء العامّ خارج فضاء المحكمة.
تتبع المحامين الحقوقيين ليس فقط غايته محاولة إسكات المحامي المعني بالتتبع، ولكن إشاعة مناخ من الترهيب بغاية فرض حالة من الصمت في الفضاء العام حول المحاكمات السياسية
وأحمد صواب، المعلوم أنه شخصية مميزّة في الوسط الحقوقي لاعتبارات متعددة منها أسلوبه الحاسم والمباشر في كشف الحقيقة وتحميل المسؤوليات دون أي تردّد. وهو راكم رصيد موثوقية أمام الجمهور العامّ، بمختلف تمثلاته، منذ نضاله دفاعًا عن استقلالية القضاء بوجه عام والقضاء الإداري بوجه خاص الذي أفنى فيه حياته المهنية قبل التحاقه بالمحاماة ليواصل مسيرته الصارمة في الدفاع عن مبادئ دولة القانون وعن الحقوق والحريات. وإحالته على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب تكشف عن وجه قبيح معادٍ للمحاماة الحقوقية التي تبقى جدار الصّد في مواجهة آلة تتصاعد يومًا بعد يوم انتهاكاتها.
إنّ دور المثقف بوجه عام، هو إزعاج السلطة مهما كانت طبيعتها، بما يشمل رقابتها ونقدها ومواجهتها بالوسائل السلمية المشروعة بغاية فرض احترامها للحريات ومنع تعسفها. والمحامي الحقوقي من موقعه، واجبُه ممارسة هذا الإزعاج لفرض مبادئ المحاكمة العادلة والدفاع عن استقلالية القضاء والذود عن الحقوق. إيقاف الأستاذ أحمد صواب هو انحراف جديد لسلطة يبدو أنها تغضب كثيرًا من كل صوت يكشف بشاعة ممارساتها.
المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

لم نكتب التّاريخ بعد!
إنّ تُهمة "العمالة للخارج" ليست بالجديدة، في الوقت الّذي يُصرّ فيه الرّئيس، قيس سعيّد، وأنصاره إلصاقها بخصومهم كافّة. وتأريخ تُهمة "الاستقواء بالخارج" ليس استثناء، في الحالة التّونسيّة

تفكيك شبكة دولية للمخدرات تُدار من خارج تونس
أعلنت الإدارة العامة للحرس الوطني، يوم الخميس 4 ديسمبر 2025، أنّ وحداتها تمكنت، إثر عمل استخباراتي، من الكشف عن شبكة دولية مختصة في توريد وترويج المواد المخدرة. وتندرج هذه العملية في إطار الجهود المتواصلة لمكافحة مسك واستهلاك وترويج المخدرات وتعقّب العناصر الضالعة في هذا النشاط

محامٍ لـ"الترا تونس": تأجيل النظر في قضيتين ضد عبير موسي
شهدت المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف بتونس، اليوم الجمعة، انعقاد جلستين منفصلتين لرئيسة الحزب الحر الدستوري عبير موسي، في قضيتين منشورتين ضدها، قبل أن يُقرَّر تأجيلهما إلى مواعيد لاحقة

جمعية القضاة: نستنكر بشدة إيقاف العياشي الهمامي وهيمنة السلطة السياسية على القضاء
جمعية القضاة التونسيين: هذه الأحكام "تصدر في سياق جُرِّد فيه القضاء من كل مقومات الاستقلالية وأصبح يرزح تحت الهيمنة الكاملة للسلطة التنفيذية بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء القضاة وتولي السلطة التنفيذية الإدارة المباشرة للمسارات المهنية للقضاة.."

السفارة الأميركية بتونس تعلن الحدّ من أعمالها تبعًا لقانون الشغل المنقّح
سفارة الولايات المتّحدة الأميركية بتونس: "السفارة ستحدّ من أعمالها ابتداءً من يوم 8 ديسمبر 2025، تبعًا للأثر الناجم عن تغيّرات طرأت على قانون الشغل التونسي"



