إيران.. المجاورة لتونس
5 أبريل 2026
مقال رأي
الاهتمام بالحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة على إيران في تونس يجعلها شأنًا محلّيًّا بامتياز، وسط حالة من الاستقطاب بين موقف داعم لإيران وآخر مذبذب. لكنّ تداعيات الحرب بدأت تُكشّر بأنيابها على الدّاخل التّونسيّ، على الاٌقلّ من حيث حالة عدم اليقين الّتي باتت مُتفشيّة في البلاد.
تتّجه الأنظار بشكل رئيسيّ إلى عدّاد الأسعار في قطاع الطّاقة. فالحكومة أقرّت موازنة 2026 حدّدت فيها سعر برميل النّفط بـ63.6 دولارات، في الوقت الّذي يُكلّف فيه كلّ دولار يزيد عن ذلك نحو 55 مليون دولار. ولئن سارعت معظم دول المنطقة إلى زيادة سعر المحروقات، فإنّ الحكومة التّونسيّة لا تزال تُراقب الوضع.
الأخطر من كلّ ما يدور حول تونس وما سيؤثّر عليها بشكل حتميّ هو ما يدور في تونس نفسِها. إذ ترفض سلطة الأمر الواقع، أيّ تقارب مع أيّ لاعب محلّيّ، والحال أنّ البلاد بأمسّ الحاجة إلى جبهة داخليّة تحتوي آثار التّداعيّات السّياسيّة والاقتصاديّة للحرب على إيران
وقطاع الطّاقة، على أهمّيته، ليس الوحيد المتضرّر، إذ تشهد الأسواق العالميّة للأسمدة اختناقًا كبيرًا، إذ تستأثر دول الخليج بثلث الإمدادات العالميّة من اليوريا وربع تجارة الأمونيا وخمس إنتاج الأسمدة الفوسفاتيّة.
كما شهدت أسعار الألومنيوم ارتفاعًا هو الأهمّ منذ عام 2018، ليستقرّ الطنّ الواحد عند 3500 دولار. ويتركّز عشر الإنتاج العالميّ من المعدن الخفيف في الخليج.
وعمومًا، أدّى اضطراب حركة الملاحة بمضيق هُرمز إلى حالة من الإرباك رافقها ارتفاع كلفة الشّحن والتّأمين، وهو ما قد يُؤدّي إلى شُحّ كبير في العرض. وحذّرت لجنة الأمم المتّحدة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغربي آسيا (اسكوا) من أنّ المنطقة العربيّة قد تُصاب بصدمات شديدة ومترابطة في نُظم المياه والغذاء، ناهيك عن زيادة نِسب التّضخّم.
اقرأ/ي أيضًا: خبير محاسب: ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب قد يُضاعف العجز التجاري لتونس
ولا يُعرف إلى حدّ اللّحظة ردّ فعل أسواق السّياحة العالميّة مع هذه الحرب، إذ تبدأ في هذه الفترة من السّنة حجوزات الموسم الصّيفي. وكتقدير أوّليّ، تشهد أسعار النّقل المدنيّ الجوّيّ ارتفاعًا صاروخيًّا، بالتّزامن مع تحذيرات من معظم الدّول الغربيّة لرعاياها بالتّردّد على دول المنطقة، وإن كانت تلك التّحذيرات لا تشمل تونس.
ولا يُمكن النّظر إلى الحرب على إيران دون التّفكير بجدّيّة في سيناريو إطالة أمدها و/أو اتّساعها. وهذا يُحيلنا إلى أوضاع نحو 150 ألف تونسيّ يُقيمون بدول مجلس التّعاون الخليجيّ. ولنا في حرب الخليج لعامي 1990 و1991، غداة اجتياح العراق للكويت، ذكرى سيّئة، إذ اضطّر آلاف التّونسيّين لمغادرة المنطقة إمّا بشكل مؤّقّت أو بشكل نهائيّ. لكنّ أعدادهم كانت أقلّ بكثير ممّا هي عليه اليوم. ومن الصّعب، في السّياق ذاته، إسقاط احتمال وقوع قلاقل في كافّة دول الخليج أو بعضها، بصرف النّظر عن مآلات الحرب. قلاقل قد تكون أمنيّة أو سياسيّة أو اقتصاديّة من شأنها أن تُصيب استقرار المنطقة بشلل يدفع تلك الدّول إلى حالة من الانكماش والعُزلة، مثلما شهدناها قبل 35 عامًا.
وفي الوقت الّذي بدا فيه الموقف الرّسميّ التّونسيّ إزاء الحرب على إيران حذرًا، بدأت تحالفات إقليميّة بالتّشكّل، نتلمّس بعضًا من خطوطها العريضة من الخطاب الرّسميّ وخاصّة غير الرّسميّ لدول الخليج. إذ بدأت ترتفع أصوات تُطالب بمعاقبة أصحاب موقف "البين-بين"، مع إعلاء جملة "إمّا معنا أو ضدّنا" المُدمّرة. وممّا يُعقّد المسألة أكثر بالنّسبة لبلد مثل تونس هو الانقسام الحادّ بين الدّول الغربيّة، تحديدًا بين الولايات المتّحدة الّتي تقول معظم نُخبها إنّ الرّئيس، دونالد ترامب، خضع لابتزاز رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنيناهو، وكبرى دول الاتّحاد الأوروبيّ زائد بريطانيا، الّتي تعتبر أنّ إقدام واشنطن على ضرب إيران خطوةً مجنونة وغير محسوبة بكلّ المقاييس. وهي مُعادلة تضع تونس أمام تحدّي الحفاظ على الحدّ الأدنى من الحياد، وإن إلى حين، في وقت تحتاج فيه أكثر من أيّ وقت مضى إلى دعم خارجيّ ماليّ لتجاوز أزمتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
الموقف الرّسميّ التّونسيّ إزاء الحرب على إيران بدا حذرًا.. فتونس أمام تحدّي الحفاظ على الحدّ الأدنى من الحياد، وإن إلى حين، في وقت تحتاج فيه أكثر من أيّ وقت مضى إلى دعم خارجيّ ماليّ لتجاوز أزمتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة
ولا يُمكن استبعاد سيناريو انهيار النّظام الإيرانيّ من أيّ تقدير موقف جدّيّ، لما سيكون لذلك من تداعيات وخيمة، لا سيّما فيما يتعلّق باحتمال موجات لجوء واسعة. ولا يزال الاتّحاد الأوروبّيّ يضغط بشدّة على الجانب التّونسيّ، في إطار تفاهمات غير معلنة - كتابةً على الأقلّ، لكنّ معالمها واضحة، من حيث الممارسة -، لاحتضان مهاجرين. وقد تجد تونس نفسها مطالَبة بلعب دور أكبر، في حال تدفّق مهاجرين إيرانيّين إلى الفضاء الأوروبّيّ.
الأخطر من كلّ ما يدور حول تونس وما سيؤثّر عليها بشكل حتميّ هو ما يدور في تونس نفسِها. إذ ترفض سلطة الأمر الواقع، منذ انقلاب الخامس والعشرين من جويلية/يوليو 2021، أيّ تقارب مع أيّ لاعب محلّيّ، سياسيًّا كان أو نقابيًّا أو حقوقيًّا، والحال أنّ البلاد بأمسّ الحاجة إلى جبهة داخليّة تحتوي آثار التّداعيّات السّياسيّة والاقتصاديّة للحرب على إيران. ولعلّ من أخطر تلك التّداعيات ما تُثيره إدارة ترامب من ضرورة توسيع المنضمّين إلى الاتّفاقيّات الأبراهيميّة كأولويّة لها، في المنطقة. من السّليم القول إنّ تونس كانت مُستثناةً من الضّغوط السّابقة. لكن، من الضّروريّ التّنبّه إلى أنّ ما بعد الحرب على إيران لن يكون كما قبلها. وذاك سيناريو آخر لا يقلّ عن السّيناريوهات السّابق ذكرها.
وبالرّغم من خطورة المرحلة، فإنّ الرّئيس، قيس سعيّد، لا يزال غارقًا في التّفاصيل اليوميّة وبشكل بعيد كلّ البعد عن النّجاعة، رغم إمساكه بمفاتيح البلاد كافّة، بينما تُواصل تونس هبوطها إلى القاع.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
قراءة في نقاشِ اليسار الراديكاليّ من زاوية ديمقراطية - اجتماعية
"يكشف هذا الغيابُ بدقّةٍ أين يقع العجزُ.. حيث توجد الكتلةُ الاجتماعيّة والقضيّةُ الرافعة.. لكن يغيب الحزبُ القادر على جمع الملفّات في مشروعٍ سياسيٍّ واحد"
ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد
"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "
الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟
في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ
لماذا ينتظر تونس خريف استثنائي؟ مختص في الشأن البيئي يوضّح
حمدي حشاد (مختص في الشأن البيئي): من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ خلال أشهر الخريف، فضلًا عن تأثير ظاهرة "النينيو" المناخية
سوسة.. الحرس الوطني يكشف عن شبكة لترويج المخدرات وغسيل الأموال
تم حجز سيارتين تستعملان في نقل وترويج المواد المخدرة ومبلغ مالي هام بالعملة التونسية، يشتبه في كونه من عائدات الترويج
رابطة حقوق الإنسان: انتهاكات طالت 113 امرأة في تونس خلال سنتين
نشرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان معطيات كمية حول الإبلاغات المتعلقة بالانتهاكات المسلطة على النساء..
إليسا ترمي الكوفية في مهرجان قرطاج وتثير موجة انتقادات
أثارت الفنانة اللبنانية إليسا جدلًا واسعًا بعد تداول مقطع فيديو ظهرت فيه وهي..