إنها الساعة

إنها الساعة "الصفر" بتوقيت الرداءة..

صاحب المطعم أسقط ورقة التوت عن الرداءة التي تسود واقعنا

 

مقال رأي

قامت مواقع التواصل الاجتماعي، في الآونة الأخيرة، "ولم تقعد" على خلفية طرد مدير أحد المطاعم في جهة البحيرة لطفلين متشردين. أخوان، ولد وبنت لم يسطرا قدرهما بأنفسهما ولو كان الخيار بيديهما لما اختارا التشرّد الذي لن يدر عليهما إلا نوعين من المشاعر أحدهما أمرّ من الآخر، فإما شفقة أو النهر.

الطفلان أثارا الشفقة في قلب حريفين في مطعم راق بجهة البحيرة ليدعوانهما إلى تناول الغداء إلا أن الأمر لم يرق للنادل ولا للمسؤول عن المطعم، وفق رواية إحدى رواد المطعم. وكان أن طُرد الطفلين من المطعم على مرأى ومسمع من الجميع بتعلة انزعاج بعض الحرفاء من وجودهما، فكيف تستوي "البرجوازية" بالخصاصة؟

انتشرت في الآونة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي حملة لمقاطعة مطعم في منطقة البحيرة بعد حادثة طرد مديره لطفلين متشردين

ومع انتشار هذه الحادثة على مواقع التواصل الاجتماعي، تهاطلت التعليقات المنددة بهذه الفعلة والداعية إلى مقاطعة هذا المطعم. ولكن المسألة هنا أعمق من مجرّد الدعوة لمقاطعة هذا المطعم في عالم افتراضي موازي قد لا يشمل رواده، بل تتعلق بعلّة أصابت الإنسانية في مقتل.

لأجل عيون "البرجوازية" ولضمان رفاهيتها وأريحيتها، يطرد طفلان من مطعم، بطريقة وحدهما يعلمان وقعها في نفسيهما. أي شعور اعتراهما وصاحب المطعم ينهرهما وبعض العيون تنظر إليهما شزرًا؟ هل ترقرقت الدموع في أعينهما؟ هل تمكنا من الصمود وكبح جماحها أم حرراها؟ هل انسحبا إلى الخارج دون ردة فعل أم أنهما تمتما ببعض الكلمات؟ هل اكتفيا بنظرات تترجم إحساسهما باللاإنسانية أم تراهما تعودا على الأمر فما عاد يؤثر فيهما؟

اقرأ/ي أيضًا: عن الاستثمار في مآسي الفقراء..

وبعد أن باتت حادثة طرد الطفلين حديث رواد مواقع التواصل الاجتماعي، يطل علينا صاحب المطعم ببيان "توضيحي" يقول فيه إنه ساعدهما مرارًا وتكرارًا هما وغيرهما من المشردين والمحتاجين، وكأن ذلك يبيح له طردهما على الملأ وإهانة ذواتهما الإنسانية. وكان الأمر ليمر في ظل تواتر الأحداث التي من شأنها أن تضع هذه الحادثة في رفوف الإنسان، لو أن صاحب المقهى اكتفى بـ"عذر اقبح من ذنب".

ولكن ما أقدم عليه صاحب المطعم يثبت أنه يعيش خارج سياق الإنسانية إذ أمعن للمرة الثانية على التوالي في الإساءة للطفلين معنويًا وهو أمر يتطلب التدخل الوقائي لمندوب حماية الطفولة وفق ما ينص على ذلك الفصل 30 من مجلة حماية الطفل. فدون احترام لإنسانية الإنسان ولا للقانون، تنشر صفحة المطعم صورًا للطفلين الذين تم طردهما في وقت سابق، صور بوجوه مكشوفة تعرّي رداءة واقعنا الذي يبلغ فيه منسوب الإنسانية أحيانًا "الصفر".

ما أقدم عليه صاحب المطعم يثبت أنه يعيش خارج سياق الإنسانية إذ أمعن للمرة الثانية على التوالي في الإساءة للطفلين معنويًا 

ملابس جديدة تليق بالمطعم الراقي قدمها لهما صاحبه وخصص لهما طاولة وضع عليها مأكولات عديدة، ليكفر عن "ذنب" سابق ويمتص غضب الداعين إلى المقاطعة. وكأن بصاحب المطعم يختصر إنسانية الطفلين في ملابس "نظيفة" تكون معيارًا للتعامل اللائق معهما، وفي واقع الأمر هو يعري السكيزوفرينيا التي يعاني منها مجتمعنا. وكانت بادرة صاحب المطعم لتنال الاستحسان لو رد الاعتبار للطفلين دون الإمعان في الإشهار لمطعمه ولإحدى ماركات الملابس.

ثم ما معنى أن تنشر الصفحة الرسمية للمطعم صورًا للأطفال يحملون أكياسًا عليها العلامة التجارية لملابس؟ ألا يوجد حد لإهانة كرامة الإنسان يصطدم به صاحب المطعم "الشهير"؟ ثم ألا يعلم المهللون لحركة صاحب المطعم "النبيلة" أن نشر صور أطفال فيه خرق للقانون واعتداء على حياتهم الخص وفيه وصم لهم على اعتبار أنهم يعيشون وضعية اجتماعية خاصة؟

يبدو أن القائمين على المطعم، قد آلمتهم حملة المقاطعة التي شنت ضده على مواقع التواصل الاجتماعي وخافوا أن يقل عدد زواره فأرادوا أن يصححوا خطأهم بآخر قد يعمق وجع الأول.

لم يعرّ صاحب المطعم، في نهاية المطاف، لا إنسانيته فقط وإنما أسقط أيضًا ورقة التوت عن الرداءة التي تسود واقعنا، رداءة بوجوه كثيرة مهمتها واحدة ضرب الإنسانية في مقتل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تكتفي الإشهارات بتحفيزنا على الاستهلاك فقط؟

هل أثرياء تونس برجوازيون؟