إنشاء

إنشاء "شركات أهلية" في تونس.. هل تساهم في حل الأزمة؟

تطرح مسألة إنشاء "شركات أهلية" في تونس عدة تساؤلات تتعلق بالأطر القانونية ومجالات التدخل وخصوصية هذا النوع من الشركات (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

أعاد الرئيس التونسي قيس سعيّد في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 طرح موضوع الشركات الأهلية، مشيرًا إلى أنّه يمكن إحداثها بقانون خاص ويساهم فيها المواطنون والشباب على وجه الخصوص لخلق الثروة بأدوات جديدة.

وكان قيس سعيّد قد أعلن عن الشركات الأهلية لأول مرة  في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 بقصر بقرطاج، مؤكدًا أنها مضمنة في  مشروع مرسوم الصلح الجزائي الذي ينص على إنشاء شركة أهلية في كل معتمدية.

وتطرح هذه المسألة عدة تساؤلات تتعلق بالأطر القانونية ومجالات التدخل وخصوصية هذا النوع من الشركات الذي ما يزال غامضًا لدى التونسيين بما فيهم خبراء الاقتصاد.

 فقد أكد الأستاذ الجامعي والباحث السابق في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية فؤاد بن سعيد أن الشركات الأهلية لا يوجد لها إطار قانوني في تونس وهي تجربة وجدت في الخليج وفي عدد من الدول على غرار إسبانيا.  وبين، في تصريح لـ"الترا تونس"، أن الإعلان عن هذا الشكل من الشركات يتطلب العمل منذ الآن على تحديد الإطار القانوني وخصوصيات هذه الشركات ومجالات تدخلها.

فؤاد بن سعيد (أستاذ جامعي وباحث في الشأن الاقتصادي) لـ"الترا تونس": دخول الشركات الأهلية يطرح مسألة مهمة جدًا تستوجب الانتباه إليها وهي "من سيسير هذه الشركات؟ ومن هو صاحب الرأي الأخير إذا ما حصل اختلاف في الآراء؟

كما أشار إلى أن "الشركات الأهلية حسب بعض الكواليس والمؤشرات السياسية مستوحاة من شركات ظهرت في إسبانيا في بداية القرن التاسع عشر، وهي أيضًا شبيهة بشركات كانت منتصبة وأعلنت إفلاسها فقرر المتساكنون والعاملون فيها إحداث هذا  النوع من الشركات من أجل إعادة إحياء شركاتهم بتدخلهم في رأس المال والإدارة والتسيير، وكانت تجربة ناجحة"، على حد قوله، مستدركًا أن "هذا النجاح ارتبط بوجودها في إطار صناعة متطورة ودولة رأسمالية وإطار قانوني واضح بالإضافة إلى مستوى جيد من الوعي لدى العمال أيضًا فقد كانوا منتجين وهم أناس يتمتعون بتكوين وبقدرات على التسيير والعمل".

اقرأ/ي أيضًا:  الدقلة لا تزال في عراجينها وكساد في السوق.. تمور تونس ثروة منسية

واعتبر بن سعيد أن دخول هذا النوع من الشركات إلى تونس ممكن وسيساهم المواطنون فيها، لكن هناك مسألة مهمة جدًا تستوجب الانتباه إليها وهي "من سيسير هذه الشركات؟ ومن هو صاحب الرأي الأخير إذا ما حصل اختلاف في الآراء؟، مستطردًا أنه: "لا يمكن أن يسير هذه الشركات الجميع، وإلا فإن الشركة الأهلية لن تنجح كما أن المساهمين لا بدّ أن يتمتعوا بمستوى علمي ومعرفي وكذلك بمستوى مهم من الوعي، لاسيما وأنه سيقع انتخابهم بحسب ما أشار رئيس الجمهورية"، وفقه.

ويرى محدث "الترا تونس" أن القبيلة أو القرية أو الجهة بإمكانهم أن يؤسسوا هذا النوع من الشركات بعد أن يتفقوا مع صاحب رأس مال، وهم قادرون على تسهيل العمل له وتذليل العراقيل لكن شريطة أن يكون القانون واضحًا وأن يساهم المتساكنون في رأس المال حتى تنجح الشركة وتستمر، كما لا بدّ ألّا يذهب إلى أذهان البعض أن رجل الأعمال سيؤسس شركة يدخل فيها الأهالي بلا مساهمات مالية لأن ذلك غير منطقي"، حسب رأيه.

بن سعيد لـ"الترا تونس": هذا النموذج يتطلب وعيًا شعبيًا كبيرًا وانضباطًا ومثابرة من أجل الإنتاج ولا يمكن في البداية على الأقل تعميمه على كل جهات البلاد

ولاحظ الأستاذ الجامعي أن رجال الأعمال المشمولين بالصلح الجزائي ليسوا معنيين بالشركات الأهلية فدورهم بحسب ما ذكره رئيس الجمهورية ليس ربحيًا بل هم مطالبون بإنجاز مشاريع تتعلق بالطرقات بالمستشفيات والمدارس..الخ.

واعتبر فؤاد بن سعيد، في حديثه لـ"الترا تونس" أن هذا النموذج يتطلب وعيًا شعبيًا كبيرًا وانضباطًا ومثابرة من أجل الإنتاج وأن الانطلاق في توجه سياسي واقتصادي جديد يتطلب توعية الشعب من خلال النقاشات الإعلامية من أجل التأهيل السياسي والاجتماعي، حسب تصوره.

ويرى الأستاذ الجامعي أن مشروع الشركات الأهلية لا يمكن في البداية على الأقل تعميمه على كل جهات البلاد بل لا بد من اختيار نموذج في جهة معينة والعمل عليه ثم بالنظر إلى النتائج يمكن الانطلاق في اختيار مناطق أخرى أو التراجع عنه إذا لم يثبت نجاعته.

واعتبر محدثنا أن "النقاشات الحقيقية والتنافس الحقيقي هو في مثل هذه المواضيع لا في العمل على الإطاحة بهذا الحزب أو ذاك وأن المعركة الحقيقية تتمثل في إيجاد نموذج إنتاج أولًا حتى نصل إلى منوال تنمية وأن هذه من النقاط الجوهرية التي لا بد من مراجعتها فنحن لم نصل بعد إلى مرحلة التنمية طالما يغيب الإنتاج"، على حد قوله.

عز الدين سعيدان لـ"الترا تونس: هل نحن في حاجة فعلًا لشركات أهلية في ظل عدم وجود أي إطار قانوني يمثلها فيما تتوفر أطر أخرى واضحة تلبي الغرض على غرار تجربة التعاضد والاقتصاد التضامني الاجتماعي؟

واعتبر محدثنا أن "المرحلة المقبلة تتطلب البحث عن نموذج لتونس قد يجمع بين الأهلية والرأسمالية والاجتماعية إلى جانب إعادة توزيع وإصلاح النموذج الصناعي التونسي من خلال إعادة التوزيع فمثلًا تصنيع الحليب لا يتم في المهدية بل في حقول باجة وجندوبة الشاسعة...الخ" 

وضرب الباحث في الشأن الاقتصادي مثلًا مدينة نونت الفرنسية فعدد سكانها 500 ألف ينتجون ما ينتجه 11 مليون تونسي (40 مليار دولار) وهو ما يتطلب برأيه إعادة البحث والفهم والاستنتاج وإيجاد الحلول من هذا النموذج.

اقرأ/ي أيضًا: 50 عامًا من الليبرالية المتونسة انتهت إلى تقييد كلّي للاقتصاد التونسي

في المقابل، استغرب المختص في الشأن الاقتصادي عز الدين سعيدان من الدعوة إلى تأسيس شركات أهلية في ظل وجود قانون الاقتصاد التضامني الاجتماعي وكذلك التعاضد، وتساءل: هل نحن في حاجة فعلًا لشركات أهلية؟ فلا وجود لأي إطار قانوني يمثلها فيما تتوفر أطر أخرى واضحة تلبي الغرض؟"، وفقه.

واعتبر، في تصريح لـ"الترا تونس" أن تجربة التعاضد لم تنجح في تونس لأنها كانت مفروضة من الدولة وأن إجبار مالكي الأراضي للدخول فيها كان أمرًا صعبًا عليهم وهو ما جعل المجتمع التونسي يرفضها، لكنها، برأيه، من أروع التجارب فالولايات المتحدة الأمريكية رائدة الرأسمالية في العالم 10 بالمائة من اقتصادها قائم على التعاضديات، معتبرًا أنها "فكرة ممتازة ونبيلة وتؤدي إلى فكرة الاقتصاد التضامني الاجتماعي فكيف نتركها ونتوجه إلى الشركات الأهلية". 

سعيدان لـ"الترا تونس: طرح مسألة الشركات الأهلية الآن يثير عديد التساؤلات ونحن مرتهنون اقتصاديًا ونمر بوضع مالي واجتماعي واقتصادي حرج جدًا ولا نملك حتى الإطار القانوني لهذا النوع من الشركات

ويرى عز الدين سعيدان أن "الشركات الأهلية نجحت في سلطنة عمان وهي في الأغلب شركات عائلية بالأساس وكذلك وجدت في بعض المناطق في البرازيل وهي مناطق فقيرة جدًا وفيها نسب إجرام عالية فلماذا يطرحها الرئيس خاصة وأنه ربط بينها وبين الصلح الجزائي وبالتالي فإن وجودها سيكون وقتيًا ولن تكون حلًّا للبطالة ولا للتنمية" حسب رأيه.

كما اعتبر أنها "غامضة وتطرح حولها عديد التساؤلات على رأسها: لماذا التفكير في شركات أهلية الآن ونحن مرتهنون اقتصاديًا ونمر بوضع مالي واجتماعي واقتصادي حرج جدًا ولا نملك حتى الإطار القانوني لهذا النوع من الشركات؟"، مشددًا على "ضرورة تفعيل ذلك أولًا وهو ما يتطلب وقتًا وجهدًا نحن في غنى عنه"، وفق تقديره.

والشركة الأهلية، بحسب سعيدان، تكون في منطقة ضيقة تضم مجموعة من الناس تجمعهم مصالح مشتركة فهي ليست شركة رأسمالية وهو ما يذكرنا بالتعاضدية، متسائلًا: "لماذا اشترط الرئيس صفة الناخب لمساهم في شركة أهلية؟".

وأشار إلى أن تجربة واحات جمنة ناجحة وهي تندرج في إطار الاقتصاد التضامني الاجتماعي وتتميز بجملة من الخصائص من بينها أن هذه الأرض على ملك الدولة وهي مغروسة ونخيلها ينتج...

 

اقرأ/ي أيضًا:

من بينها الحليب والزيت والحبوب: أزمات غذائية "قاعدية" تلوح في أفق تونس

مختصون في الاقتصاد:"قد نصل إلى مرحلة العجز التام ولا مفرّ من إصدار العملة"