ultracheck
اقتصاد

إلغاء المناولة في تونس.. حماية للعامل أم شلل للاقتصاد؟

22 أبريل 2025
إلغاء المناولة في تونس.. حماية للعامل أم شلل للاقتصاد؟
أستاذ اقتصاد: فكرة إلغاء المناولة تبدو صعبة التحقيق في ظل الخصوصية الهيكلية للاقتصاد التونسي
أسماء البكوش
أسماء البكوش صحفية من تونس

في خضم النقاشات المحتدمة حول إصلاح سوق العمل التونسي، وعلى وجه الخصوص بعد إحالة الحكومة مشروع قانون لتنقيح مجلة الشغل يتضمن منع وتجريم المناولة، يبرز هذا الملف كقضية محورية تستقطب اهتمامًا واسعًا وتثير آراء متباينة من مختلف الأطراف المعنية. فبينما تتعالى أصوات تطالب بإلغاء المناولة باعتبارها شكلًا من أشكال الاستغلال والتشغيل الهش، تحذر وجهات نظر أخرى من التداعيات الاقتصادية المحتملة لهذا الإجراء، وسط وعود بإعداد القانون بحلول عيد الشغل القادم في غرة ماي/أيار.

  • عضو الغرفة النقابية الوطنية لمؤسسات الحراسة:

أكد عضو الغرفة النقابية الوطنية لمؤسسات الحراسة الناصر الياتوجي، في تصريح خاص لـ"الترا تونس"، وجود لبس كبير يقع فيه الكثيرون عند الخلط بين مفهومي المناولة والتشغيل الهش.

وشدد على أن الفارق بينهما جوهري، معربًا عن استغرابه لعدم توضيح هذه النقطة وتصحيح الصورة المغلوطة السائدة، فقد إنّ "المناولة تمثل قطاعًا منظمًا يخضع لجملة من القوانين التي سنّها المشرّع التونسي"، مؤكداً على ضرورة متابعة هذا القطاع ومراقبته وتطبيق العقوبات على أي مخالفين للقانون.

بعد إحالة الحكومة مشروع قانون لتنقيح مجلة الشغل يتضمن منع وتجريم المناولة، تعالت أصوات تؤيد هذا التوجه باعتبار أنّ المناولة هي شكل من أشكال التشغيل الهش، بينما حذر آخرون من التداعيات الاقتصادية المحتملة لهذا الإجراء

في المقابل، وصف عضو الغرفة الوطنية، التشغيل الهش بأنه "قطاع موازٍ لا يخضع لأي قوانين أو رقابة". ورأى أن الدولة قادرة على حصر هذا النوع من التشغيل وتتبعه والعمل على منعه.

وفي سياق متصل، أشار الياتوجي إلى أن قطاع شركات الحراسة يعتمد بشكل أساسي على خدمات موسمية مرتبطة بفعاليات ومؤسسات وأحداث ذات طبيعة مؤقتة. وأكد أن العاملين في هذا المجال يحصلون على حقوقهم كاملة.

كما لفت الانتباه إلى التطور الذي شهده قطاع الحراسة، حيث لم يعد يقتصر على الحراسة التقليدية، بل يشمل أيضًا جوانب السلامة ويعتمد على خبرات وتقنيات متخصصة يشرف عليها مهندسون مؤهلون، مشيرًا إلى أنّ بعض هؤلاء المهندسين قد تصل أجورهم إلى 4 آلاف دينار شهريًا.

وبيّن الياتوجي أنّ الدولة هي أكبر معتمد على المناولة في قطاعات شتى من بينها التجهيز والاتصالات والخدمات البلدية.. إلخ، مشيرًا إلى أنّ رئيس الجمهورية يدافع عن الطبقة العاملة المهمشة والتي لا تتمتع بحقوقها وهي تحت وطاة التشغيل الهش لكن المسؤولية في ذلك تتحملها الدولة التي لا تقوم أجهزتها الرقابية بالقيام بواجبها وتطبيق القانون على المخالفين فمثلًا المقاهي التي تشغّل 300 شخص دون حسيب ولا رقيب وبلا ضمانات لحقوقهم وأمام مرأى الجميع.

واعتبر محدثنا أن القوانين موجودة حتى تسهر الدولة على تطبيقها ومحاسبة كل مخالف لها وأنّ التشغيل الهش متفشّ في القطاع الموازي والسوق السوداء، مشددًا على أنّ القانون يطبق على القطاع العام والخاص.

الناصر الياتوجي (عضو نقابة مؤسسات الحراسة) لـ"الترا تونس": لا يمكن تمرير مشروع قانون تنقيح مجلة الشغل ومنع المناولة بأي شكل من الأشكال، لأنه ليس في مصلحة البلاد سواء في القطاع العمومي أو الخاص

وأشار محدثنا إلى أن مشروع قانون تنقيح مجلة الشغل المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة لا يمكن تمريره بأي شكل من الأشكال لأنه ليس من مصلحة البلاد سواء في القطاع العمومي أو الخاص، داعيًا إلى عدم التسرع في تمرير هكذا مشاريع تلتبس فيها المفاهيم، وفق قوله.

كما بيّن عضو الغرفة النقابية الوطنية لمؤسسات الحراسة، أنّ التجربة أثبتت بعد 2011 وترسيم عمال المناولة أنهم لم يقدموا أي إضافة بل إنّ عقليه "مسمار في حيط" تحكمهم وأن لا أحد يحاسب العامل المتمارض والمتكاسل، معتبرًا أنّ صاحب المؤسسة يُصوَّر دائمًا على أنه المذنب، لافتًا إلى أنّ مثل هذه القوانين، يحتاج تطبيقها إلى تغيير عقلية مجتمع بأكمله.

  • أستاذ الاقتصاد عبد الجليل البدوي:

ويرى أستاذ الاقتصاد عبد الجليل البدوي، من جانبه، في تصريحه لـ "الترا تونس"، أن طبيعة الاقتصاد التونسي المتنوع هيكليًا، والذي يضم قطاعات ذات نشاط موسمي كالفلاحة والسياحة، يستدعي وجود عقود محددة الأجل لتلبية احتياجات هذه القطاعات. وعليه، فإن فكرة إلغاء المناولة تبدو صعبة التحقيق في ظل هذه الخصوصية الهيكلية، وفقه. 

كما لفت الانتباه إلى حجم القطاع الموازي الذي يستند كليًا إلى عقود غير قانونية، والذي يقدر بنحو 40% من الناتج الداخلي الخام، مؤكدًا أنه يخلق أوضاع عمل هشة وغير لائقة.

وعلى صعيد آخر، أوضح أستاذ الاقتصاد، كيف أن النمط التنموي السابق لتطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي كان يجعل من القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها التشغيل، متغيرات أساسية ومحركة للطلب الداخلي والنمو. ونتيجة لذلك، كان هناك حرص على تقنين العلاقات المهنية وضمان استقرار التشغيل عبر عقود غير محددة الأجل، بالإضافة إلى توفير الأجور والحماية الاجتماعية باعتبارها متطلبات للطلب الداخلي ومحركات للنمو.

بيد أنه، ومع تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي، تحوّل التصدير ليصبح المحرك الرئيسي للنمو. وتبعًا لذلك، تراجعت أهمية المسألة الاجتماعية كمحرك أساسي للنمو، وأصبح التعامل مع قضايا التشغيل يتم كمتغير تعديلي. بمعنى أنه عند تراجع النشاط الاقتصادي، يصبح من السهل على المؤسسات التخلي عن العمالة لتخفيض تكاليف الأجور والحفاظ على مستوى الربحية، وفق تفسيره.

عبد الجليل البدوي (أستاذ اقتصاد) لـ"الترا تونس": إلغاء المناولة في ظل النمط الاقتصادي التنموي الحالي، وأهمية القطاع الموازي والأنشطة الموسمية، من شأنه أن يتسبب في أضرار جسيمة للدورة الاقتصادية واختلالات كبيرة

وبناءً على هذه الهيكلية الاقتصادية، يخلص الأستاذ البدوي إلى صعوبة إلغاء المناولة بشكل كامل، مع إقراره بتعارض وجودها مع مفهوم التشغيل اللائق. لكنه في المقابل، يؤكد على ضرورة تقنين هذه الممارسة وتشديد الرقابة عليها لحماية حقوق العاملين والحد من التجاوزات.

ويختتم تصريحه بالتأكيد على أن إلغاء المناولة في ظل النمط الاقتصادي التنموي الحالي، والتركيبة الهيكلية للاقتصاد، وأهمية القطاع الموازي والأنشطة الموسمية، من شأنه أن يتسبب في أضرار جسيمة للدورة الاقتصادية واختلالات كبيرة وإعاقات عديدة.

  • النائب بالبرلمان فتحي رجب:

في السياق ذاته، أكد النائب بالبرلمان فتحي رجب، عضو لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة، في تصريح لـ"الترا تونس"، على أهمية التريث والتدقيق العميق قبل المصادقة على مشروع قانون يتعلق بملف المناولة "الثقيل"، على حد وصفه. وأوضح أن اللجنة بصدد عقد جلسات استماع لكافة الأطراف المعنية، مؤكدًا على عدم التسرع في تمرير المشروع خلال أسبوع أو أسبوعين.

وأشار محدثنا إلى وجود مخاوف عديدة تحيط بهذا المشروع، من بينها احتمال إغلاق أصحاب شركات المناولة لمؤسساتهم، مما قد يؤدي إلى تحول عدد كبير من العمال الذين يشغلهم القطاع حاليًا إلى صفوف العاطلين عن العمل، متسائلًا عن الجهة التي ستتكفل بإعالة عائلاتهم في هذه الحالة.

كما تساءل عن قدرة أصحاب المؤسسات على الوفاء بأجور العاملين والتزاماتهم المالية كاملة في حال عدم فوزهم بصفقات جديدة، محذرًا من لجوئهم إلى إغلاق مؤسساتهم وتسريح العمال.

ويرى عضو لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية أن قطاع المناولة في الأصل قطاع مقنّن، مستغربًا من عدم قيام الحكومة بواجبها في التفاعل مع الشكاوى التي تصل إلى تفقدية الشغل. واستشهد بمثال وجود موظف مرسّم يتقاضى أجرًا أعلى (1000 دينار وأكثر) في نفس المكتب الذي يعمل فيه زميل له بعقد مناولة يتقاضى أجرًا أقل (700 دينار)، متسائلًا عن سبب عدم تدخل الدولة لتطبيق القانون في مثل هذه الحالات.

فتحي رجب (نائب بالبرلمان) لـ"الترا تونس": من المهم التريث والتدقيق العميق قبل المصادقة على مشروع قانون يتعلق بملف المناولة "الثقيل"، ولا يجب التسرع كي لا نكرّر ما حدث مع قانون الشيكات

علاوة على ذلك، أوضح النائب أن شركات المناولة غالبًا ما تتمركز في المدن الكبرى، مما قد يتيح الفرصة لأبناء المناطق القريبة للعمل فيها، بينما يواجه أبناء المناطق الداخلية صعوبات في ذلك. وأشار إلى أن راتبًا بقيمة 700 دينار قد لا يكفي لتغطية تكاليف السكن والمعيشة في المدن الكبرى، مما يضطرهم للبقاء عاطلين عن العمل في مناطقهم. وتساءل عن العدالة في ترسيم من عملوا في المناولة وحرمان آخرين من هذا الحق لعدم قدرتهم على القدوم إلى العاصمة مثلًا، معتبرًا ذلك ظلمًا وحيفًا.

ونبه النائب فتحي رجب إلى أن الأمثلة والتفاصيل المتعلقة بهذا الملف شائكة ومعقدة، مؤكدًا على ضرورة التروي والعمل على حماية حقوق جميع الأطراف والتفكير في كافة التداعيات المحتملة. وحذر من تكرار ما حدث مع قانون الشيكات، الذي تم تمريره في البرلمان لكن الواقع كشف عن تداعياته السلبية، حيث أصبح المواطن يواجه صعوبات في تلبية احتياجاته الأساسية بسبب القيود المفروضة على استخدام الشيكات، كما أدى إلى إغلاق بعض وكالات الأسفار. وشدد في الختام على ضرورة عدم التسرع والتريث في التعامل مع هذا الملف الهام، وفق قوله.

الكلمات المفتاحية

وزارة المالية نيكولا فوكي corbis.jpg

ميزانية تونس للنصف الأول من 2026.. تدني نفقات التنمية وسط انتقادات برلمانية

قوبلت نتائج تنفيذ الميزانية بانتقادات لجنة المالية في البرلمان، وقال رئيس اللجنة ماهر الكتاري إن ما جاءت به هذه الوثيقة لا يعدو أن يكون مجرّد عموميات


"باقون ما بقي الزيتون".. قصة تونسي يقود مبادرة استثنائية لتشجير أراضٍ في غزة

"باقون ما بقي الزيتون".. قصة تونسي يقود مبادرة استثنائية لتشجير أراضٍ في غزة

صاحب المبادرة التونسي عماد الرمضاني لـ"الترا تونس": الهدف لا يقتصر على دعم المزارعين لاستعادة نشاطهم الزراعي، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في تثبيت الغزيين في أرضهم، في مواجهة مخططات التهجير القسري..


انقطاع الكهرباء في تونس.. أزمة هيكلية أم بوّابة انفجار اجتماعي؟

فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي

لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين


الدولار أفب.jpg

قرض جديد بـ500 مليون دولار يثير الجدل في تونس.. هل سيموّل الاستثمار أم الاستهلاك؟

كانت وزيرة المالية التونسية مشكاة سلامة قد أكدت أمام البرلمان أنّ هذا القرض يندرج في إطار التمويل مباشرة في إطار تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة صلب قانون المالية. وشددت على أنّ القرض ليس استهلاكيًا.. وهو ما ينفيه مختصون ونواب بالبرلمان

مطر طقس غيتي.jpg
منوعات

معهد الرصد الجوي يكشف الولايات المعنيّة بنزول أمطار غزيرة يوم الجمعة

معهد الرصد الجوي: يتواصل نزول أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية يوم الغد السبت 10 أكتوبر 2026 بالمناطق الساحلية الشمالية

إلزامية تقديم بطاقة عدد 3 عند طلب تأشيرات عمل جديدة للتونسيين بالإمارات
سیاسة

الإمارات تفرض البطاقة عدد 3 على التونسيين الراغبين في العمل بها

بالنسبة إلى المواطنين التونسيين الموجودين بدولة الإمارات بتأشيرات زيارة، الذين تحصلوا على فرص عمل ويرغبون في تسوية وضعياتهم القانونية واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات عمل، أفادت القنصلية بأنهم يتمتعون بمهلة قدرها 45 يومًا من تاريخ دخول القرار حيز التنفيذ.


طقس مطر غيتي_0.jpg
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في انخفاض ملحوظ مع أمطار غزيرة بعدد من الجهات

معهد الرصد الجوي: الريح تكون قوية نسبيًا فتدريجيًا قوية قرب السواحل الشرقية وبالجنوب حيث تثير محليًا الرمال والأتربة وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

احتجاز قاصر واغتصابها.. حادثة مروّعة بالملاسين تهزّ الرأي العام في تونس
مجتمع

قضية اغتصاب قاصر بالملاسين.. إصدار بطاقات إيداع بالسجن في حق 10 متهمين

عرفت التطورات القضائية أيضًا، الإفراج عن وسيط عقاري "سمسار" قام بتأجير منزل لمتهمين اثنين قبل أن تكشف الأبحاث عدم معرفته بهما

الأكثر قراءة

1
سیاسة

القانون الانتخابي.. شروط الترشّح تثير جدلًا تحت قبة البرلمان التونسي


2
مجتمع

ملعب المنزه.. شركة صينية تتولى الأشغال بعد تعطل دام سنوات


3
منوعات

يوسف سلامة يُهدي تونس ذهبية البطولة الإفريقية للترياتلون بمصر


4
مجتمع

جريمة قتل شاب تونسي في إيطاليا.. ماذا كشفت التحقيقات؟


5
مجتمع

جامعة السياحة تدعو إلى تمديد موعد عطلة الشتاء لهذا الموسم إلى غاية 1 جانفي 2027