إثر دعوات لتغيير الدستور وحل البرلمان.. مخاوف من المطالب

إثر دعوات لتغيير الدستور وحل البرلمان.. مخاوف من المطالب "المشبوهة"

تحذير من استثمار أزمة كورونا في مطالب لا تخدم إلا أجندات بعض الأطراف السياسية (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

لا تزال تتقاذف الشارع التونسي أمواج أزمة الكورونا التي تنذر تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية بتصاعد الحركات الاحتجاجية التي بلغت 254 تحركًا في شهر أفريل/نيسان 2020، وتركزت بالخصوص في ولايات سيدي بوزيد والقيروان وسوسة وفق المرصد الاجتماعي التونسي. وشهدت الأسابيع الأخيرة، بالتوازي، أعمالًا تخريبية وإجرامية تمثلت خاصة في نشوب حرائق لحقت مؤسسات وتجهيزات مادية وفضاءات غابية وفلاحية.

وبرزت، في المقابل، دعوات لحراك سياسي احتجاجي بعنوان رفض الوضع الراهن بهدف إلغاء دستور 2014 وتغيير النظام السياسي وحل البرلمان وإسقاط رئيسه تحديدًا في مطلبية أثارت شبهات حول مقاصدها الخفية خاصة في ظل الوضع الحالي وأولوية معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وما يزيد في شبهتها هو فرضية ارتباطها بمخططات أجنبية لاستهداف الديمقراطية التونسية الناشئة.

برزت دعوات لحراك سياسي احتجاجي لإلغاء دستور 2014 وحل البرلمان في مطلبية أثارت شبهات حول مقاصدها الخفية خاصة في ظل الوضع الحالي وأولوية معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية

وظهر أن السياسيين من مناهضي منظومة الحكم ومنتقدي النظام السياسي، وبعد هزيمتهم في الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة، وبالخصوص من الجهات المرتبطة بنظام ما قبل الثورة، ضاقوا ذرعًا بـ"الحكام الجدد"، فبدأت المناورات السياسية قبل استقرار أمر الحكم.

ولئن كان بعد "اعتصام الرحيل" سنة 2013 يعد استقطابًا أيديولوجيًا وفق فريق، أو صراعًا بين الثورة والثورة مضادة وانقلابًا على الانتقال الديمقراطي وفق فريق آخر، فإن دعوات اعتصام باردو 2020 توصف بـ"الانقلاب على مراكز نفوذ الحكم" وذلك بالدعوة إلى تغيير منظومة الحكم وتغيير الدستور وحل البرلمان وإعادة مركزة السلطة من جديد.

اقرأ/ي أيضًا: "الغد الإماراتية" تنشر تقريرًا مفبركًا عن تونس.. استياء وتنديد واسع

يصف متابعون هذا الوضع السياسي بالضبابيّ في ظل رئاسات ثلاث غير متناغمة، وفي ظل "السيستام" القديم المتصدّع، وقوى الثورة المتشرذمة وصراعات الأدلجة التي غذتها تنازعات النفوذ، وهو ما انعكس على عمل البرلمان ونشاط الحكومة التي تضم فرقاء من أيديولوجيات مختلفة مع رئاسة جمهورية رهينة قواعد صارمة ضبطها الدستور.

في هذا الإطار، اتصل "ألترا تونس" بنشطاء في المجتمع المدني لاستجلاء الرأي حول تداعيات الوضع الراهن السياسي وانعكاساته والأولويات خاصة في ظل دعوات بعض الأطراف السياسية لاعتصام بباردو أمام مقر البرلمان.

أنيس بن سالم (ناشط في المجتمع المدني): مطالب غير واضحة للاعتصام

أنيس بن سالم، ناشط في المجتمع المدني، يقدر أن الحديث عن "اعتصام باردو 2" وفق ما نادت أصوات تعالت طيلة الفترة الماضية هو استثمار لاعتصام "باردو 1" سنة 2013، والحال أنه يوجد اختلاف كبير بينهما وفق تأكيده. وأوضح أن اعتصام "باردو 1" كان نتيجة لزخم سياسي خلال مرحلة عرفت استقطابًا ثنائيًا مع قوى سياسية صاعدة وقتها لها وزن سياسي شعبي، في حين أن الأصوات الداعية لاعتصام جديد لا تتمتع بوزن سياسي بل أن معظم الأحزاب لا تتبنى هذا الاعتصام لأنها منشغلة بإعادة ترتيب البيت داخل مجلس نواب الشعب.

الناشط في المجتمع المدني أنيس بن سالم

 

وأضاف أن المطالب في "باردو 1" كانت واضحة على خلاف الاعتصام الموعود "فلا المطالب واضحة ولا الواقع يستوجبها" مشيرًا إلى أن معظم أفراد الشعب منشغلون بأزمة كورونا وبمخلفاتها الاجتماعية والاقتصادية.

أنيس بن سالم (ناشط في المجتمع المدني): الأصوات الداعية لاعتصام جديد لا تتمتع بوزن سياسي

وبخصوص تغيير نظام الحكم، أكد محدثنا أن الدستور وضّح طريقة التغيير بتحديد جهات المبادرة، والنصاب المطلوب وغيرها من الضوابط الدستورية، معتبرًا أن "من لديه صلاحية المبادرة يريد أن يتحرك بتأثير من الشارع ليظهر في صورة المنقذ والملهم وهذا خطير. إن تحريك الشارع أمر سهل ولكن التحكم فيه صعب وخاصة لمن لا وزن برلماني له".

واعتبر أن الأحزاب في تونس تحاول دائمًا الاستثمار لصالحها ولخدمة أجندتها "فليس هناك دافع وطني يحركها غير الغنيمة" مضيفًا أن الائتلاف الحاكم قائم على المصلحة وتقاسم الغنيمة وهو جبهة هشة ستزول بانتفاء منافعها والتجارب السابقة تؤكد ذلك، وفق تقديره.

هالة بن نجيمة (طالبة): هل لازالت تتحمل البلاد هزات أخرى؟

هالة بن نجيمة، وهي طالبة، ترى أن الفسيفساء التي أنتجتها الانتخابات التشريعية التي حتمت عليها آليات المنظومة الديمقراطية "العمل المشترك" فيما بينها والتواجد تحت قبة البرلمان، هي أسوء خليط غير متجانس عرفته وستعرفه تونس في تاريخها المعاصر قائلة: "نصف سنة أو أقل على بداية عمل هذا البرلمان، وها هم يحولونه ركحًا لمسرحياتهم الهزلية التي ضاق المواطنون بها ذرعًا وأصبحوا لا يعيرون مهاتراتهم أية أهمية علامة على خيبتهم".

الطالبة هالة بن نجيمة

 

وقالت محدثتنا إنها توجه سؤالًا للمنادين بتغيير النظام السياسي: "هل لازالت البلاد تتحمل هزات أخرى؟ هل وجدتم حلولًا لكل المشاكل التي تعصف بتونس وبقي فقط النظام السياسي هو الذي يجب تغييره؟". وهي لا تنكر، في نفس الوقت، أن هذا النظام "بيّن عقمه وأفرز ظواهر صوتية بامتياز لا تفقه معنى السياسة، ولا تلقي بالًا لمطالب الشعب الذي ضاعفت الجائحة الأخيرة من همومه ومعاناته الاقتصادية والاجتماعية".

رياض حريق (ناشط في المجتمع المدني): الدعوة للاعتصام كلمة حق اُريد بها باطل

من جهته، يرى رياض حريق، ناشط في المجتمع المدني، أن الشعب التونسي يعيش حراكًا اجتماعيًا في عديد القطاعات وعلى عدة مستويات أهمها ما يخص الظروف الاقتصادية الصعبة خاصة بعد جائحة كورونا، إضافة للحراك السياسي خاصة بعد تغيّر الخارطة السياسية إبان الانتخابات التشريعية 2019 والتي غيرت المشهد برمته. واستذكر، في هذا الجانب، شعار "طيح السيستام" الذي قاد رجل مستقل دون موارد مالية ودعم اللوبيات من الفوز بمنصب رئيس الجمهورية على حساب أحزاب ذات موارد ضخمة.

الناشط في المجتمع المدني رياض حريق

 

أما عن النطاق التشريعي، أشار إلى فوز أحزاب جديدة تحسب على النفس الثوري، على غرار التيار الديمقراطي وحركة الشعب وائتلاف الكرامة، إلى جانب صعود حزب له مرجعية نظام ما قبل 14 جانفي، مع هزيمة حزب نداء تونس، الذي فاز في انتخابات 2014، وأحزاب اليسار إضافة للأحزاب الاجتماعية مثل التكتل والجمهوري.

اقرأ/ي أيضًا: بعد الأعمال التخريبية الأخيرة.. متى يقع حلّ أزمة نقل فسفاط قفصة؟

ويعبر محدثنا أن حراك التغيير جعل بعض الأحزاب غير راضية على نتائج الصندوق مع وجود من شكك حتى في شفافية العملية الانتخابية. واعتبر أن الصراع غير المعلن بين باردو وقرطاج الى جانب تداعيات الأزمة الاقتصادية على المجتمع التونسي جعل بعض الأطراف تدعو إلى اعتصام في باردو، وهو ما يذكر بجبهة الإنقاذ أيام المجلس الوطني التأسيسي قائلًا: "عند الاتفاق على عدو موحد، يتحالف المتخاصمون ضده، ولكن لكلّ هدفه وكما يقال بالمثل التونسي -كل واحد شيطانه في جيبو-".

ويقدر حريق، من وجهة نظره، أن هذه الدعوات هي "كلمة حق أريد بها باطل لأن لا الظروف ولا التوقيت تسمح بذلك، وكان بالأحرى العمل على تغيير القانون الانتخابي حتى لا نرى مثل المشهد البرلماني الحالي حيث الكل يحكم ولا أحد يحكم".

واعتبر أن "دعوات الاعتصام حاليًا لا تعتبر من أولويات الشعب التونسي الذي لم يعد يتحمل الكثير من المراهقة" مقدرًا أن "البلاد في المسار الصحيح رغم التعثر المقصود أو غير المقصود في مسار الانتقال الديمقراطي، وهي في طريق النجاح بشرط تخلي جميع الأحزاب على التجاذبات السياسية القديمة التي تذكرنا بصراع الطلبة على حجرة سقراط في أواسط الثمانينيات في رحاب الجامعة". ويختم محدثنا "نتمنى أن نرى صراع برامج ومشاريع لا صراع أيديولوجيات الذي يمكن أن يتسبب فيما لا يحمد عقباه لا قدر الله".

مراد المالكي (موظف حكومي): التناحر الحزبي هو سبب تعثر المسار الانتقالي

بدوره، يرى مراد المالكي، وهو موظف حكومي، أنه لا يوجد إجماع للاعتصام الموعود خصوصًا في ظل عدم انخراط الأحزاب السياسية إضافة لعدم وجود شخصية اعتبارية مؤثرة تقود هذا الاعتصام. واعتبر أن التناحر الحزبي، وكذا معركة تموقع الأحزاب من أجل السلطة، هو السبب الرئيسي في تعثر المسار الانتقالي مقدرًا أن "جل الأحزاب هدفها السيطرة على المشهد السياسي والبروز في صورة الأقوى وهو ما يفسر عدم الانسجام بينها رغم التحالفات والمبادرات التي باءت بالفشل في عديد المناسبات".

مراد المالكي (موظف حكومي): المطلوب هو اتفاق الأحزاب على برامج حقيقية دون التأثر بالأيديولوجيات التي كانت سببًا في الانقسامات

ويؤكد أن المطلوب هو اتفاق الأحزاب على برامج حقيقية دون التأثر بالأيديولوجيات التي كانت سببًا في الانقسامات والتجاذبات مع اعتبار الاختلاف في الآراء والمواقف طريقًا لتجاوز الأزمات. وأضاف أن تجاوز الأحزاب لفكرة التناحر وتبادل الاتهامات والعمل على توحيد الصف من أجل الرقي بتونس سينعكس على موقع البلاد خارجيًا بماهي نموذج يُحتذى به وبما يوفر الفرص لدعمه.

فيما يحذر أنه في صورة تواصل التناحر الحزبي، ستعرف البلاد عديد الهزات في جميع المجالات مشددًا على أن الحل الوحيد هو تمكين الكفاءات من القيام بواجبها بعيدًا عن التجاذبات. واعتبر أنه لم يتم استثمار فرص الثورة في الاتجاه الصحيح مع الاقتصار على حرية التعبير، وحرية التظاهر، وتبادل الاتهامات، والتشهير، والتهديد وإقصاء الآخر.

وأشار محدثنا، بالخصوص في هذا الجانب، إلى رواج الوعود غير المحققة للأحزاب السياسية وعدم العناية بالقضايا الحقيقية للشعب التونسي، واعتبر أن كل مسألة باتت مرتبطة بتوجيهات حزبية وسياسية و"من أفضل من الآخر". وقدّر أنه يتوقع مفاجآت جديدة في الانتخابات المقبلة لأن المعارك السياسية التي غضّت الطرف عن مشاغل المواطن سيكون لها ردة فعل غير متوقعة، وفق تأكيده.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تبعد عن تونس 27 كلم فقط وسيطرت "الوفاق" عليها.. ماذا تعرف عن قاعدة الوطية؟

الكورونا تعمّق أزمة المهن الهشة في تونس.. بطالة وديون