أين استقلال القضاء في تونس؟
2 فبراير 2026
مقال رأي
يوجد سؤال جوهري يرتبط بقيمة إنسانية فضلى وهي العدل يظلّ دائمًا سؤالًا راهنيًا: أين نحن اليوم من ضمانات استقلال القضاء وحياده؟ هل لدينا الحجر الأساس لنصل لمحاكمة عادلة؟ أعتقد أنّ الإجابة الوحيدة الممكنة هي لا، ولكن دعونا نعود قليلًا إلى الوراء.
حينما حاولنا في سياق البناء الديمقراطي أن نضع ضمانات للمحاكمة العادلة قوامها ضمانات لاستقلال القضاء، سُنّ دستور تضمّن ضمانات وفق آخر المعايير المُستحدثة، وأُنشئ مجلس أعلى للقضاء وأُنيطت به المسارات المهنية والتأديبية للقضاة. نعم، لم تكن النتيجة في مستوى الطموحات، لكننا كنّا نخوض معًا غمار البناء. تعلّمنا التجارب المقارنة أن الإصلاح القضائي لا يُبنى دفعة واحدة بل هو مسار زمني يقوم على التجربة والتراكم. ويحتاج إلى قناعة ثابتة للنخبة السياسية باستقلال القضاء واستبطان مجتمعي لقيمة القضاء المستقل، وأيضًا إلى استبطان القضاة لاستقلاليتهم. ولذلك كان هناك قطار، نعم كانت بعض القوى تعمل على كبحه، لكنه كان يسير ولو ببطء.
غير أنّه، منذ إعلان حالة الاستثناء في 25 جويلية/يوليو 2021، أُوقِف القطار، لتنزل ضمانات الاستقلال وتحل علينا "محكمة التاريخ" بدل محاكم حكم القانون. وكانت الإشارة واضحة منذ البداية: إعلان رأس السلطة السياسية رئاسته للنيابة العمومية، رغم أنّ هذا المنصب غير موجود أصلًا في التنظيم الإجرائي الجزائي. وهذا ليس تفصيلًا لأن النيابة العمومية هي جزء من القضاء العدلي، والمساس بها هو مساس مباشر بضمانات استقلال القضاء. لكن ما يزيد خطورة أن هذا التدخل تم تطبيقه بصفة متصاعدة في البداية من منفذين.
عدد المدنيين الذي مثلوا أمام المحاكم العسكرية في ظرف ثلاثة أشهر فقط بعد 25 جويلية 2021 يفوق عدد المدنيين الماثلين أمام هاته المحاكم في السنوات العشر السابقة مجتمعة
المنفذ الأول هو القضاء العسكري وهو هيكل صلب وزارة الدفاع كيفما يرد تعريفه اليوم بموقع الوزارة، ونذكّر أنفسنا هنا أنّ عدد المدنيين الذي مثلوا أمام المحاكم العسكرية في ظرف ثلاثة أشهر فقط بعد 25 جويلية 2021 يفوق عدد المدنيين الماثلين أمام هاته المحاكم في السنوات العشر السابقة مجتمعة. أما المنفذ الثاني فهو القضاء العدلي، ونتذكر هنا الإعمال المكثف للفصل 23 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي يسمح لوزير العدل بالإذن بإجراء التتبعات، وهو فصل مهجور في التطبيق القضائي، واقترحت لجنة مراجعة مجلة الإجراءات الجزائية حذفه لعدم دستوريته.
ثم جاء حلّ المجلس الأعلى للقضاء وتعويضه بآخر مؤقت ومعيّن. وتباعًا جاءت الضربة الدستورية بدستور 2022 الذي حذف أو فرّغ أغلب ضمانات استقلال القضاء ومن ذلك على سبيل الذكر عدم دسترة المجلس الأعلى للقضاء، والتخلّي عن التحجير الدستوري للتدخل في القضاء، والتخلي عن حصرية المجلس في ترشيح القضاة دون عن التخلي عما ورد في دستور 2014 من منع إحداث للمحاكم الاستثنائية أو الإجراءات الاستثنائية التي تمس من ضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما أدى لغياب الرافعة الدستورية لضمانات استقلال القضاء بعضديها: الاستقلالية الهيكلية والوظيفية.
ومن المهمّ أن نستذكر أيضًا أنه منذ آخر حركة قضائية صادرة قبل زهاء سنتين وتحديدًا في أوت/أغسطس 2023، فإن وزارة العدل، وباسم "الأمر الواقع"، هي التي تدير المسارات المهنية للقضاة: تعيينًا وترقية وتجريدًا من الخطط مع نقل أحيانًا بصبغة تأديبية مقنّعة. بالنهاية أكثر من ألف مذكرة عمل صدرت دون شفافية ودون معايير موضوعية معلومة. وبذلك حُرم القضاة من حقّ الاعتراض ومن التناظر على الخطط الوظيفية وبات مصيرهم المهني رهين مذكرة تصدرها وزارة العدل أي السلطة السياسية في غياب أي حماية مؤسساتية. بالنهاية استفحل عدم الأمان الوظيفي اليوم داخل الجسم القضائي في ظل قبضة الوزارة.
منذ آخر حركة قضائية صادرة قبل حوالي سنتين (أوت 2023) فإن وزارة العدل، وباسم "الأمر الواقع"، هي التي تدير المسارات المهنية للقضاة: تعيينًا وترقية وتجريدًا من الخطط مع نقل أحيانًا بصبغة تأديبية مقنّعة
وقبلها، كانت العصا القاصمة عندما مكنت السلطة التنفيذية لنفسها من إعفاء القضاة بجرة قلم وفق تقارير من "الجهات المخولة". 57 قاضيًا أُعفوا، و49 أعيدوا بقرارات توقيف تنفيذ لم تُنفّذ. وفي هذا الجانب، نحيل إلى قرار المحكمة الإفريقية في مادة التدابير المؤقتة الصادر بتاريخ 3 أكتوبر/تشرين الأول 2024 الذي أكد أن "منح رئيس الجمهورية سلطة إعفاء القضاة يشكل خطرًا حقيقيًا قادمًا من السلطة التنفيذية وهو بذلك يتضمن تهديدًا لاستقلال القضاة والسلطة القضائية برمتها".
أدّى بالنهاية هذا الانحدار لإفراز مناخ خوف داخل الوسط القضائي: خوف من الإعفاء، ومن التتبعات، ومن جرد الخطة، وأيضًا خوف من الإيقاف عن العمل، ومن نقلة تعسفية ومؤخرًا من استدعاء من التفقدية من أجل منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
اقرأ/ي أيضًا: الأجندة السياسية في تونس عام 2026.. هل تشهد إنهاء "الوضع المؤقت" مؤسساتيًا؟
وهنا يجب أن نكون واضحين: لا يمكن لقاضٍ أن يكون مستقلًا ومساره المهني بيد السلطة السياسية. وبالتالي لا يمكن لنا أن نثق في نزاهة العمل القضائي ولا في وجود محاكمة عادلة وبالخصوص في المحاكمات التي تستهدف الفاعلين في المجال العام.
فإدارة وزارة العدل للمسارات المهنية للقضاة، التي كانت مفترضة كاستثناء داخل استثناء بعد تجميد المجلس المؤقت، تحوّلت اليوم إلى وضع مستدام، دون أي مؤشرات على إنهائه. فلا سد لشغور المجلس العدلي المؤقت ولا إرساء للمجلس الأعلى للقضاء طبق الدستور. يحكم ويسود بذلك قانون 67 باسم الأمر الواقع ويسود معه العقل الذي يتعامل مع القضاء بوصفة أداة في الصراع السياسي.
تفشّى مناخ خوف داخل الوسط القضائي في تونس: خوف من الإعفاء، ومن التتبعات، ومن جرد الخطة، وأيضًا خوف من الإيقاف عن العمل، ومن نقلة تعسفية ومؤخرًا من استدعاء من التفقدية من أجل منشور على وسائل التواصل
إذ تتابع هذا الوضع، وضع اليد، مع تحويل إدارة الاختلاف من الفضاءات العامة إلى المحاكم ما أدى لتصاعد المحاكمات السياسية ومحاكمات الرأي في سياق تراجع ممنهج لمقومات دولة القانون والحريات. ولقد كان لسان الدفاع نفسه من ضحايا هذه المحاكمات مرات عديدة، سواء بمناسبة ممارسة المهنة أو بمناسبة ممارسة حرية التعبير، مما زاد من إعدام المحاكمة العادلة: قضاء غير مستقل ومنحاز، ودفاع مُلاحق ومُهرسل.
بات القاضي الجزائي في هذه المحاكمات أمام خيارٍ واحد: ألّا يُغضب من يملك السلطة على مساره المهني، أي من يملك القدرة على معاقبته بشكل "مقنع". ودون الخوض في مضامين القضايا أو سياقاتها، أضحى هذا القاضي منزوع الاستقلالية، لا يوازن بين قرائن الإدانة والبراءة بل بين "خطوط حمراء" ترسمها السلطة السياسية وهامش اجتهاد إن وُجد.
اقرأ/ي أيضًا: قضاة تونس تحت سيف التفقدية.. وجه آخر لصناعة الترهيب
ولا يجب أن نتناسى بأن فساد الرؤية السياسية للقضاء هو قديم في تاريخنا المعاصر، وقد انعكس حتى في لغتنا اليومية. فصرنا نُطلق لفظ "الحاكم" على عون الأمن، في حين أنّ "الحاكم" هو في الأصل القاضي، وقد ورد هذا اللفظ أكثر من اثنتين وعشرين مرّة في مجلة الإجراءات الجزائية. هذا التحوّل في مدلول الكلمة هو وليد محنة القضاء عبر عقود، حين علا صوت السلطة السياسية التي وظّفت المحاكم لفرض سطوتها فيما خفت في المقابل صوت القاضي المستقلّ والمحايد.
حين تُغيَّب الضمانات، فإنّ العدالة تغيب ببساطة. وحينها لا تعود المحاكمة بحثًا عن الحقيقة والإنصاف، بل تتحوّل إلى اختبار للولاء وعنوان انتهاك.. فقد بات القاضي الجزائي أمام خيارٍ واحد: ألّا يُغضب من يملك السلطة على مساره المهني
مرة أخرى، إنّ استقلال القضاء وحياده يعنيان ألّا يحتكم القاضي إلا لضميره ولحكم القانون، وألّا يكون هدفه إلا تحقيق العدل والإنصاف، بعيدًا عن أي تدخل أو تأثير. وهو شرط أساسي حتى يطمئن المواطن عند مثوله أمام القضاء، وحتى تزدهر الثقة العامة في العدالة.
أمّا حين تُغيَّب الضمانات، فإنّ العدالة تغيب ببساطة. وحينها لا تعود المحاكمة بحثًا عن الحقيقة والإنصاف، بل تتحوّل إلى اختبار للولاء وعنوان انتهاك قبل بلوغ مطلب الحكم العادل، فاليوم يُنتهك أبسط حقوق المتهم وهو الحق في المثول الشخصي والمباشر في قاعة الجلسة.
في الختام، وفي ظلّ هذا الوضع. لا شيء أشدّ قسوة على المحامي إلا أن يُجبر اليوم على طرح سؤال كريه على نفسه: ما الحاجة إلى الدفاع؟ وما جدوى الترافع؟ تتباين الإجابات بتباين التقديرات. فريق يتمسّك بأن المحامي لا يملك سوى سلاح واحد: النضال بفكره وقلمه ولسانه دفاعًا عن موكّله، مهما كان الإطار والسياق. وفريق آخر يرى أنه لا يجوز للمحامي أن يكون عنصرًا في محاكمة صورية إدانتها معلنة خارج أسوار المحكمة. فيما يذهب فريق ثالث إلى أن غاية الترافع هو تحميل المسؤوليات.
قد تختلف التقديرات حول الخيار الذي ينبغي سلوكه. تقدير يختلف بحسب القضية، وبمدى معاينة حجم التدخل غير المشروع فيها وأيضًا بموقف المتهمين أنفسهم. لكن ينبغي أن نقرّ جميعًا بأن اختلاف الجواب هو مسألة ثانوية لأن المعضلة هي في طرح السؤال من الأساس. فعندما يجزم رأس السلطة السياسية اليوم أن "محكمة التاريخ أصدرت قرارها"، فإنّ السؤال هو: ماذا يبقى لنا من مطلب العدالة داخل المحاكم؟
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
"أعتقد أنّه كان يُخاطب الرّأي العامّ التّونسيّ"
لم يُحدّد بيان وزارة الخارجيّة التّونسيّة، المسؤوليّات ولا الأطراف الفاعلة في الأزمة، بل إنّه لم يأت على ذكر إيران، مُكتفيًا بالتّعبير عن "التّضامن الكامل" مع الدّول العربيّة المُستهدفَة والدّعوة الرّتيبة إلى "تغليب الحكمة والعودة إلى طاولة المفاوضات".
الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة
إذا كان هناك ملف يستوجب النظر إليه تحديدًا من زاوية السيادة فهو بلا شك ملف الطاقات المتجددة. فهل يشير خطاب السيادة إلى سياسات فعلية في ملف الطاقات المتجددة، أم أنه يعكس سرابًا؟
خارجية تونس والعدوان على إيران.. الحساب المُفرط يغلب الحناجر
بيان حذر جدًا صدر الخارجية التونسية اعتبره البعض يعكس موقفًا مسؤولًا ورصينًا.. وفي المقابل، اعتبره البعض الآخر بيانًا لا يعكس نأيًا بالنفس بقدر ما يعكس تخاذلًا بالمساواة بين المعتدي والمعتدى عليه
مع اقتراب عيد الفطر.. إعادة تصدير وإتلاف أكثر من 18 ألف قطعة لعب أطفال
أعلنت وزارة التجارة التونسية عن نتائج عمليات المراقبة المكثفة للمنتجات الاستهلاكية خلال النصف الأول من شهر رمضان 2026، في إطار جهودها لضمان جودة وسلامة المنتجات التي يزداد الطلب عليها، بما في ذلك الملابس الجاهزة، الأحذية، لعب الأطفال وماء الجفال
حواجز محيطة بمقر سفارتي فرنسا والسعودية وتمثال ابن خلدون.. وزارة الداخلية توضح
وزارة الداخلية التونسية: الحواجز الإسمنية والحديدية الموجودة بمقر سفارة فرنسا ومحيط مقر سفارة المملكة العربية السعودية بالعاصمة، خاصة بمنظومة تأمين المنشآت الديبلوماسية، ولا تمثل عائقًا أمام حركة المرور أو تنقل المترجلين
الاتحاد البرلماني الدولي: الأحكام الصادرة ضد عبير موسي قاسية وغير مبرّرة
قالت هيئة الدفاع عن رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في بيان، نشرته مساء الخميس 5 مارس 2026، أن "لجنة حقوق الإنسان التابعة لـالاتحاد البرلماني الدولي أصدرت قرارًا خلال دورتها الـ179 المنعقدة في جنيف من 2 إلى 18 فيفري 2026، عبّرت فيه عن إدانتها للأحكام الصادرة ضد موسي وانتقدت استمرار احتجازها.
معركة الأمعاء في رمضان.. غلاء اللحوم يدفع التونسيين لـ"انتحار غذائي" بالمعجنات
رئيسة الجمعية التونسية للتغذية الدقيقة: "الهرم الغذائي" التقليدي كان يخصص 40% من الحصة اليومية للمعجنات والنشويات، وهو المتهم الأول وراء "أمراض العصر" في تونس والعالم، وعلى رأسها مقاومة الأنسولين، السمنة المفرطة، ضعف المناعة، واكتئاب الأمعاء الناتج عن اختلال التوازن البكتيري.