أن تكون السيادة خطابًا لا خطة.. حول مخطط التنمية 2026-2030
28 يونيو 2026
مقال رأي
يأتي مشروع مخطط التنمية 2026-2030 الذي وصل لغرفتيْ البرلمان الأسبوع الماضي (بعد تأخير طويل، خاصة أن سنة 2026 انتصفت والمشروع سيتم التصويت عليه بعد مرور أكثر من نصف العام من التاريخ الواجب اعتماده) في سياق دولي وإقليمي تتشكل فيه موازين القوى حول القدرة على التحكم في التكنولوجيا والطاقة، حيث تعيد الثورة الرقمية والتحول الطاقي تشكيل الخريطة الجيوسياسية للعالم.
وفي هذا السياق، يتبنى المخطط التونسي خطابًا سياديًا طموحًا، يستند إلى مفهوم "الأمن القومي الشامل" و"التعويل على الذات" و"تكريس السيادة الوطنية". ففي مقدمته، يؤكد أن السياسات التنموية تهدف إلى "تدعيم القدرة على الصمود والمحافظة على ديمومة الموارد الطبيعية"، وأنها تستجيب "لاستحقاقات الشعب التونسي التي كفلها الدستور". هذا الخطاب يعكس رغبة في تجاوز نموذج التبعية الذي طبع عقودًا من السياسات التنموية، والانتقال نحو نموذج أكثر استقلالية وقدرة على الصمود في وجه التحولات الدولية المتسارعة.
يتبنى مخطط التنمية 2026-2030 في تونس، خطابًا سياديًا طموحًا، يستند إلى مفهوم "التعويل على الذات" و"تكريس السيادة الوطنية".. غير أن قراءة متأنية للمخطط، ومقارنته بالنماذج الدولية الناجحة، تكشف عن فجوة منهجية عميقة بين هذا الخطاب السيادي وبين آليات التنفيذ الفعلية
غير أن قراءة متأنية للمخطط، ومقارنته بالنماذج الدولية الناجحة، تكشف عن فجوة منهجية عميقة بين هذا الخطاب السيادي وبين آليات التنفيذ الفعلية. فماليزيا تفرض مراجعة نصفية إلزامية وتنشر تقارير ربع سنوية عن التقدم، وحين كشفت مراجعة 2023 أن 34% فقط من الاعتمادات صُرفت في أول سنتين، لم تُؤجَّل الوثيقة بل عُقدت جلسة تقييم رسمية وصدر تقرير علني وأُعيدت الأولويات. ورواندا تبني تسلسلاً هرميًا صارماً بين الرؤية والاستراتيجية والخطة القطاعية والمؤشر الفصلي، وتنشر مؤشرات الأداء كل ثلاثة أشهر على منصة مفتوحة.
أما تونس، فتُدمج كل هذا في وثيقة واحدة تجمع التشخيص والبيان والرؤية والمشاريع، ما يُفضي إلى ضعف التركيز والمساءلة، ويجعل السيادة خطابًا لا خطة. فالسيادة، كما حاولت التأكيد في مداخلتي ضمن ندوة "جامعة جنوب المتوسط" حول الذكاء الاصطناعي والسيادة (17 و18 جوان الجاري)، ليست امتلاك كل الموارد، بل القدرة على تعبئة الموارد المتاحة وتوظيفها وتنظيمها في زمان ومكان محددين خدمةً لمصالح الدولة. بهذا المعنى يمكن لدولة صغيرة محدودة الموارد أن تكون عالية السيادة، فيما تظل دولة غنية تؤجّر بياناتها وبنيتها الحاسوبية هامشية في سيادتها. المتغيّر الحاسم ليس حجم الموارد بل القدرة على تنظيمها ضمن إطار حوكمة متكامل موجه نحو التنفيذ.
اقرأ/ي أيضًا: الانتقال الطاقي في تونس.. بين ديمقراطية فاسدة وشعبوية تسلطية
يتجلى هذا التناقض بوضوح في ملف الطاقات المتجددة، حيث يُعلن المخطط هدفًا طموحًا برفع نسبة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 35% بحلول 2030، بينما النسبة الحالية لا تتجاوز 5%، وبرنامج اللزمات الأول لم يُنجز سوى 40% من أهدافه. والأكثر إثارة للقلق أن الإطار التشريعي الذي يُنظّم القطاع لا يزال هو نفسه الذي أقرّته حكومة الشاهد سنة 2017، أي قبل تسع سنوات، في حين أن النظام الحالي، رغم خطابه السيادي العالي، لم يُحدث أي قطيعة مع ذلك الإطار. نموذج عقود "اللزمات" الذي يضمن للشركات الخاصة، وغالبًا الأجنبية، أرباحًا ثابتة عبر إلزام الشركة التونسية للكهرباء والغاز بشراء الكهرباء حتى عند عدم الحاجة إليها، يُحمّل القطاع العمومي المخاطر ويُخصخص الأرباح. هذا النموذج، كما يخلص تقرير برلماني غير منشور، يُمثل "تفريطًا في مقدرات الشعب لصالح شركات خاصة أجنبية"، بامتيازات تُقدّر بأكثر من 1.2 مليار دينار.
الاتفاقية الموقّعة مع إيطاليا في جانفي/يناير 2025 حول "الانتقال الطاقي" تُعدّ الأكثر تكاملاً في مجال الطاقات المتجددة بين تونس وأي طرف أجنبي، حيث تتضمن كابلًا بحريًا بقدرة 600 ميغاواط بين تونس وصقلية، ومزارع شمسية ورياح بقدرة 4 غيغاواط في الجنوب، ودراسة محطة هيدروجين أخضر بطاقة مليون طن سنوياً، بتمويل 400 مليون يورو من خطة "ماتيي". لكن الاتفاقية تمنح الشركات الإيطالية أولوية في السوق التونسية ودورًا محوريًا في عقود ضمان الأصل والتصدير المباشر نحو أوروبا. هذا قد يُعزّز موقع إيطاليا كمركز إقليمي للطاقة المتجددة، لكنه يطرح سؤالاً حول موقع تونس في هذه المعادلة: هل هي شريك متساوٍ أم منصة إنتاج لتلبية احتياجات أوروبا؟ وهل نملك استراتيجية واضحة تحوّل هذه الفرصة إلى قيمة مضافة محلية، أم أننا نكتفي بدور الممرّ الذي تمرّ منه الطاقة إلى أوروبا دون بناء صناعة وطنية أو نقل تكنولوجيا حقيقي؟
يمكن لممرّ مغاربي رقمي وحاسوبي يجمع طاقة الجزائر وليبيا وهيدروجين موريتانيا ورأس مال المغرب وكفاءات تونس وقدرتها على إنتاج البيانات العربية، أن يشكّل فضاء ذكاء اصطناعي سيادي ذا وزن قاري تحت ملكية شمال إفريقيا. غير أن النخب الحاكمة والقرارات السياسية المتناقضة تظل أهم العوامل المعطلة لهذا التكامل
نفس الإشكالية تتكرر في ملف الذكاء الاصطناعي، رغم أن تونس تمتلك مقومات استراتيجية نادرة تجعلها مؤهلة لأن تكون فاعلاً إقليميًا في هذا المجال. فهي تحتل مرتبة متقدمة عالميًا في نسبة خريجيها في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وهو تركيز استثنائي لتكوين تقني ينتج آلاف المهندسين سنويًا. وتتمتع بنفاذ رقمي من الأعلى في إفريقيا، وإمكانات طاقية شمسية وريحية استثنائية تؤهلها لتكون مركزًا للطاقة الحاسوبية تُرسَّخ عليه مراكز البيانات بميزة طاقة رخيصة ونظيفة وفيرة. وموقعها المتوسطي يجعلها جسرًا بين أوروبا وإفريقيا، وإرثها اللغوي العربي وثنائيتها وثلاثية لسان يؤهلها لإنتاج بيانات عربية أصيلة، في وقت لا تمثل فيه العربية سوى نسبة هامشية من متون التدريب وراء النماذج الرائدة. لكن هذه الأصول تظل شبه معطلة في غياب استراتيجية وطنية موحدة تنسق بين الرأس المال البشري وحوكمة البيانات والبنية والموقع الدولي ضمن خارطة طريق محددة بزمن ومعايير ومحاسبة. نزيف الأدمغة يقيس قيمة هذه الأصول بقدر ما يهددها، إذ غادر أعداد كبيرة من المهندسين ليُجنى عائد استثمار مموّل محليًا في الخارج.
اقرأ/ي أيضًا: طاقات تونس المتجددة.. انتقال طاقي أو استعمار؟
هنا تبرز فكرة "السيادة الرافعة" التي يمكن لتونس أن تتبناها: سيادة تمارس عند الحلقات التجارية والسياسية والجيوسياسية من سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي، حيث تكون هيمنة القوة العظمى أقل حسمًا وكلفة الدخول أدنى. ففي زمن تراجع العولمة وعودة النزعة السيادية، نادرًا ما تكون وحدة القوة التفاوضية الدولة المتوسطة المنفردة، بل الكتلة الإقليمية. وهنا يبرز البعد المغاربي كفرصة استراتيجية غير مستغلة، حيث يمكن لممرّ مغاربي رقمي وحاسوبي يجمع طاقة الجزائر وليبيا وهيدروجين موريتانيا ورأس مال المغرب وكفاءات تونس وقدرتها على إنتاج البيانات العربية، أن يشكّل فضاء ذكاء اصطناعي سيادي ذا وزن قاري تحت ملكية شمال إفريقيا. غير أن النخب الحاكمة والقرارات السياسية المتناقضة تظل أهم العوامل المعطلة لهذا التكامل، رغم أن الاتفاقيات الأخيرة في مجالات الطاقة والتبادل التجاري كان ينبغي أن تشمل وبشكل أولوي الذكاء الاصطناعي.
مخطط التنمية 2026-2030 هو وثيقة سياسات عمومية متماسكة الخطاب، مليئة بالمشاريع، لكنها تفتقر إلى العمود الفقري التنفيذي المتمثل في جدول استثمارات بمصادر تمويل محددة، ونظام مؤشرات أداء قابل للتحقق السنوي
الجبهة الاجتماعية التي بدأت تتشكل في تونس، وتضم نقابات العمال وأصحاب المؤسسات والناشطين ونوابًا في البرلمان، تعكس وعيًا متزايدًا بأنّ السياسات الحالية، رغم خطابها السيادي، لا تخدم المصلحة الوطنية. هذا التحالف غير المألوف بين أطراف متباينة المصالح يعكس عمق الأزمة، ويشير إلى أن الإشكالية تجاوزت الانقسامات الأيديولوجية إلى مستوى المصلحة الوطنية، وهو ما يجعلها أكثر خطورة على استمرارية السياسات الحالية.
الخلاصة أن تونس اليوم تواجه اختبارًا حقيقيًا: هل ستظل أسيرة خطاب السيادة دون أفعال، أم ستتمكن من بناء منظومة تنفيذية تحوّل أصولها الاستراتيجية إلى قوة تفاوضية في عالم يتشكل حول القدرة على إنتاج التكنولوجيا وحوكمتها؟ مخطط التنمية 2026-2030 هو وثيقة سياسات عمومية متماسكة الخطاب، مليئة بالمشاريع، لكنها تفتقر إلى العمود الفقري التنفيذي المتمثل في جدول استثمارات بمصادر تمويل محددة، ونظام مؤشرات أداء قابل للتحقق السنوي، وتراتبية صريحة للأولويات، وآلية متابعة رسمية ومساءلة مؤسسية.
الأصول حقيقية، والنافذة مفتوحة، والسؤال الفاصل سؤال مؤسسي بالدرجة الأولى، ومن ثم هو سؤال القرار السياسي. فالسيادة ليست ما نكتبه في الوثائق، بل ما نستطيع توظيفه وتنظيمه ضمن إطار حوكمة متكامل موجه نحو التنفيذ. وبمعزل عن ذلك، يبقى الخطاب السيادي شعارًا، والمشاريع الكبرى مجرد صفقات تعمّق التبعية وتُخصخص الأرباح.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"
جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة
حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"
طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي
خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة
قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..
طقس تونس.. أجواء صافية إلى قليلة السحب والحرارة مستقرة
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب
طقس تونس.. درجات الحرارة مستقرة والبحر قليل الاضطراب
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب
كؤوس الأندية الإفريقية.. الإفريقي يضع قدمًا في الدور المقبل والصفاقسي ينهزم في نيجيريا
فاز فريق النادي الإفريقي اليوم على ضيفه دجوليبا المالي بنتيجة..