ultracheck
رأي

أكاديميّات كرة القدم.. انتشار واسع وجشع متزايد

31 مارس 2026
أكاديميّات كرة القدم.. انتشار واسع وجشع متزايد
في ضرورة صياغة كراس شروط فنيّة تخضع لها الجمعيّات والأكاديميّات (صورة توضيحية/ pexels)
أحمد الزوابي
أحمد الزوابي باحث من تونس

مقال رأي  


تشهد أكاديميات كرة القدم إقبالًا لافتًا من سنة إلى أخرى، وهو ما جعل هذه الفضاءات تتزايد عددًا وانتشارًا، إِنْ في الأحياء الفقيرة الشعبيّة الزاخرة بالمواهب أو في المناطق الراقية الغنيّة من حيث القدرة الشرائيّة والبنية التحتيّة.

هذا التحوّل الكمّيّ أثمر مساحات آمنة مؤطرة للأطفال لممارسة الرياضة بعيدًا عن مخاطر الشارع وحُفره ونتوءاته وانحرافاته وانزلاقاته، في ظلّ ندرة المناطق الخضراء والمسالك الصحيّة وانعدامها في جلّ المدن والبلديات.

التحوّل الكميّ في الأكاديميّات الرياضيّة لم يُرافقه تطوّر نوعي، فاقتصر الاجتهاد على تطوير أساليب التسويق عبر وسائط التواصل الاجتماعي من خلال الصور والفيديوهات المُحفزة الموغلة أحيانًا في المغالطة والإيهام، ومحاكاةً للمثل العربيّ المشهور "أن تسمع بالمُعيدي خير من أن تراه" يمكن القول "أن تسمع ببعض الأكاديميّات خير من أن تشاهد ما يحدث فيها".

التحوّل الكميّ في الأكاديميّات الرياضيّة، أثمر مساحات آمنة مؤطرة للأطفال لممارسة الرياضة بعيدًا عن مخاطر الشارع، لكنّ هذا التحوّل الكميّ لم يُرافقه تطوّر نوعي

بصرف النظر عن التقييم الفنّي والتنظيمي وهو أمر قد عالجنا جانبًا منه في مقالات سابقة يمكن القول إنّ العنوان الأبرز لما يحدث في الأكاديميات الرياضيّة هو "الجشع"، جشع مالكي الملاعب وجشع أصحاب الأكاديميات.

  • الميني فوت و"الماكرو" أسعار

تتدرب أكاديميات كرة القدم في الملاعب البلديّة، فإن كانت تابعة للجمعيات الرياضية فهي تحظى بالأولية القصوى، أمّا الأكاديميات الخاصّة فهي في الغالب مضطرة إلى كراء حصص في ملاعب "الميني فوت" تلك التي تمتد على حوالي 500 متر مربّع في أفضل الحالات، ويوظفها أصحابها للراغبين في النشاط الرياضي من المؤسسات أو الأفراد، فتكون العقود سنوية أو شهريّة أو أسبوعيّة أو بالحصة الواحدة لمجموعة خطر لها أن تنظم مباراة في توقيت استثنائي.

 

التحوّل الكميّ في الأكاديميّات الرياضيّة لم يُرافقه تطوّر نوعي

 

في ظلّ عجز الدولة عن توفير هذا المرفق العام بالشكل المناسب والكافي، أصبح الطلب على ملاعب "الميني فوت" الخاصّة أكبر بكثير من العرض وهو ما أفضى إلى الترفيع المشط في سعر الحصة الواحدة (بين ساعة وساعة ونصف) التي بلغت في بعض المناطق المائة وخمسين دينارًا أمّا في الأحياء الشعبيّة الفقيرة فإن السعر لا يقل عن ثمانين دينارًا رغم افتقار تلك المساحات إلى الحدّ الأدنى من الصيانة والحماية فضلًا عن اللياقة والجماليّة، مفارقة بين السعر والجودة يمكن نعتها على سبيل المجاز "ماكرو أسعار في ميني فوت" (أسعار كبيرة رفيعة في مساحات صغيرة وضيعة)

  • أكاديمية أبو دلامة

حضر الشاعر أبو دلامة إلى مجلس الخليفة المهدي، وقد ضمّ عددًا من العلماء والفقهاء وذوي النسب الرفيع، فدعاه الخليفة إلى أن يهجُوَ أحد الحاضرين فهجا نفسه، فهو بلا شك واحد من الحاضرين، ذكاؤه في الإفلات من المحنة خوّل له طلب الجزاء، طلب في البداية كلبًا فنال الموافقة، فطلب كَلّابًا مُعلّلًا ذلك بأنّ الكلب يحتاج إلى كَلّاب يعتني به، وواصل توخي نفس الحيلة فكلّ جزاء يقتضى واقعيًا ومنطقيًا جزاء آخر يناسبه فاستطاع في الأخير أن يكسب أوفر ما يمكن أن يناله الشاعر المدّاح من جارية، وأموال وأراض شاسعة..

يحدث مثل هذا في "أكاديمات أبي دلامة".. تسجل ابنك بسعر محدّد بعد مدّة يطلب منك المدرّب أو القائم على الجانب المالي أموالًا لخلاص سعر البدلة الرياضيّة، لا تمضي إلا بضعة أسابيع حتى تكون مُلزمًا بدفع معلوم التنقل لملاقاة هذا الفريق أو ذاك في مباريات وديّة، فيكون نصيب ابنك في هذا اللقاء بضع دقائق بخمسين دينارًا أو يزيدـ تلك أحكام الكثرة، فبعد أن كان نجمك الموعود في أوّل حصّة يتدرب مع بضعة أفراد لا يتعدى عددهم العشرة، تجده بُعيد شهر في مجموعة لا يقل عددها عن الخمسة والعشرين، ولسان حال الطفل يقول لرفيقه من فرط الزحام "سامحني نعمل شوطه (= تسديدة)".

اقرأ/ي أيضًا: الإعداد البدني في كرة القدم وفي القاعات.. مظالم وأخطاء وانزلاقات

يكتشف الوليّ بعد بضعة أشهر أنّ ابنه لم يكتسب شيئًا من المهارات الأساسيّة في كرة القدم فيكون الردّ باردًا مُخيّبًا للآمال "إنّ الأكاديميّة في الأصل لا تراهن على صناعة المواهب إنّما رهانها تربويّ ترفيهيّ"، وفيما هو غارق في حيرته ينزل عليه مقترح النشاط/ التدريب/ العمل الرياضي النوعي L'entraînement spécifique، وهو أقرب ما يكون إلى الدروس الخصوصيّة التي تكون باهظة الثمن، إذ يدفع والد اللاعب في مرحلة التكوين أو ما قبلها في الحصّة الواحدة أكثر من خمسين دينارًا خلاص الحصة الواحدة مقابل أن يعتني به المدرّب عناية مركّزة فائقة العناية على التمرير والتسديد والمراوغة ويستغل المدرّب نفسه ذاك الجوّ الأريحي ليتلقط صورًا ومشاهد ولقطات يتمّ عرضها على صفحات التواصل الاجتماعي في إطار إشهاريّ.

  • أكاديميات اللقطة

تراهن أكاديميّات كرة القدم في فنون التسويق على المشاهد والشهادات والوعود المغرية، أمّا الوعود فتترجمها عبارات تقريريّة جازمة من قبيل "أكاديميّات (كذا) تضمن لك الالتحاق بأقوى الجمعيّات وأفضلها"، فتتخطّى الآفاق في هذا الملفوظ غرض التربية والتكوين والترفيه لتبثّ في الأطفال حلم النجوميّة والتفوّق وفي آبائهم الطمع في الكسب المادّي والاعتباريّ فيدفع الأولياء بسخاء لأنّ موعد التعويض والتوقيع والكسب قريب إن هي إلّا سنوات قليلة ويتحقّق الوعد.

اقرأ/ي أيضًا: منهم المدرّبون والأولياء.. هؤلاء جنوا على المواهب في كرة القدم التونسية

وحتّى تصبغ الوعود بالواقعيّة، تعرض الأكاديمياتُ على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي شهادات لأطفال وأولياء تؤكّد التطوّر الفنّي والبدني السريع الذي يدركه اللاعب بمجرّد الالتحاق بهذه الأكاديميّة أو تلك.

وتكون هذه الشهادات مرفوقة بمشاهد وجيزة تعرض توصيات المدرّب أو مهارة أحد اللاعبين فيكون الوليّ فريسة هذه الصورة الأخّاذة، وكيف له أن يعرف أنّ التدريب ليس مجرّد جملة تلقى أو حركة تسجّل إنّما هو برنامج طويل ومركّب يراعي الفئة العمريّة والمكتسبات السابقة والأهداف المراد بلوغها فيكون مفصّلًا متدرّجًا وفق خطّة طويلة المدى ومتوسّطة وقريبة فضلًا عن التناغم بين التمارين في الحصّة الواحدة فمرحلة الإحماء العامّ والخاصّ تكاد تُنبئ بطبيعة التمارين اللاحقة والتوجيهات التي ستصدر عن المدرّب أثناء المباريات التطبيقيّة.

في ظلّ عجز الدولة عن توفير الأكاديميات الرياضية بالشكل المناسب والكافي، أصبح الطلب على ملاعب "الميني فوت" الخاصّة أكبر بكثير من العرض، وهو ما أفضى إلى الترفيع المشط في سعر الحصة الواحدة

لقد نابت اللقطة في الإشهار للأكاديميّات عن البرنامج والأهداف، وهو ما يتناغم مع منظومة تواصليّة اكتسحت كلّ الفنون والآداب من سينما ومسرح ودراما، فمتلازمة "الزابينغ" التي تحدّثنا عنها في مقال سابق جعلت المتلقيّ غير قادر على متابعة عرض طويل مكتمل فيتسنى له التقييم واتخاذ الموقف الأنسب.. لقد تحوّلت جلّ التقييمات إلى مجرّد انطباعات سليلة لقطات قصيرة يراهن عليها المبدع في الإثارة والإقناع.

  • كراس شروط فنيّة تخضع لها الجمعيّات والأكاديميّات.. لم لا؟

عزمت مرّة على محاورة مدير فنّي انتدبته الجامعة التونسيّة ولم يعمّر طويلًا وكنت قد استأنست فيه الكفاءة والشجاعة لكنّه خذلني، فقد انتظر منّي أسئلة عامّة مألوفة أجوبتها جاهزة، فكان أن امتنع عن الحوار لأنّ الأسئلة كانت محرجة وهو الذي لا يرغب في إغضاب هذه الجهة أو تلك من أصحاب النفوذ الكروي ولم يكن ميّالًا طول حياته المهنية إلى الخصام والجدال، أردت أن أطرح معه موضوع تكوين الشبّان وسألته إن كان يملك الشجاعة التي تبيح له وهو على رأس الإدارة الفنية لكرة القدم التونسية وضع كرّاس شروط واضحة العناصر دقيقة التوجيهات تلتزم بها الجمعيات والأكاديميّات تراعي المساحة والتوقيت والتواتر والاختبارات والتوجّه الفنّي العامّ في التمارين وتكون هذه العناصر موضوع ضبط وتقييد وتنصيص ومتابعة ومراقبة من الإدارة الفنيّة ويقوم بهذا الدور الرقابيّ المستشارون الرسميون في الإدارة الفنيّة أو المتطوّعون، بصورة معلنة أو فجائيّة فنكفّ حينئذ عن السخط غير المجدي في المنابر الرياضيّة لنحوّله إلى معالجة علميّة ميدانيّة قانونية جزائيّة إن اقتضى الأمر يتكفّل بها أهل الاختصاص، ويحقّ على سبيل المثال أن يتظلّم الولي أو مجموعة من الأولياء إلى سلطة تكون لها الكلمة الفصل في التقييم الفنيّ وتكون لها الكلمة العليا حتّى في علاقة بالجمعيّات الكبرى والصغرى.

نسمع يوميًّا في المنابر الرياضيّة عن مظالم يتعرّض لها الشبّان في الأصناف الصغرى في الاختبارات والانتدابات ويتحدّث المتدخّلون عن الرشاوى والمحاباة والتعويل على مدرّبين بلا تكوين ولا شهادات.. يتكرر هذا الملفوظ بُعيد كلّ إخفاق للمنتخب التونسي في مشاركة إقليميّة أو قاريّة أو عالميّة، لو كنت في مقام النيابة العموميّة أو الجامعة التونسيّة لسارعت بدعوة هؤلاء الشهود على لون من الفساد وألزمتهم بتسمية المتهمين والمشتبه بهم وذكر الوقائع والحيثيّات بمنتهى الدقّة حتّى لا يتحوّل السخط الرياضي إلى مجرّد لون من ألوان التنفيس السياسيّ والاجتماعي وفق ما استخلصه العديد من المتابعين للشأن العامّ في تونس.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز

لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"


جحيم السّجون

جحيم السّجون في تونس

من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة


حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي


مدرسة القايدي.jpg

المدرسة التونسية ومدى اشتباكها بالثقافي

كل التصورات الإصلاحية للتعليم والبدائل التي قدمت طيلة السنوات الفارطة والتي بقيت مجرد محاولات لا غير.. أغفلت عنوانًا كبيرًا ومهمًا.. هو "الثقافي في الوسط المدرسي"

شركة استغلال وتوزيع المياه
مجتمع

خبير بيئي: 62% من شبكة "الصوناد" قديمة ومهترئة

قال الخبير الدُّولي في البيئة والتّنمية المُستدامة، محمّد عادل الهنتاتي، إن "نحو 62% من شبكة توزيع مياه الشرب التابعة لـ..

طقس تونس Pexels
منوعات

طقس تونس.. أجواء صافية إلى قليلة السحب والحرارة مستقرة

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب


طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة مستقرة والبحر قليل الاضطراب

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح بين 30 و39 درجة والبحر قليل الاضطراب

النادي الإفريقي ينفرد بصدارة البطولة بعد تعثر الترجي
منوعات

كؤوس الأندية الإفريقية.. الإفريقي يضع قدمًا في الدور المقبل والصفاقسي ينهزم في نيجيريا

فاز فريق النادي الإفريقي اليوم على ضيفه دجوليبا المالي بنتيجة..

الأكثر قراءة

1
مجتمع

مرصد حقوقي: وفاة 22 سجينًا داخل السجون التونسية خلال جويلية وأوت 2026


2
منوعات

اقتراب منخفض جوي من الأجواء التونسية.. تقلبات وأمطار متوقعة


3
سیاسة

تونس تتضامن مع دول الخليج والأردن والعراق في مواجهة الاعتداءات على سيادتها


4
منوعات

لؤي بن فرحات يختار تمثيل ألمانيا عوضًا عن تونس


5
مجتمع

إطلاق دفتر متابعة الأطفال حاملي متلازمة داون لأول مرة في تونس