أضرحة مقامات الأولياء.. بين هيبة قباب المدن والصدع المنسي في الهامش
9 مايو 2026
تبدأ الحكاية من الباب الخشبي الضخم المصنوع من خشب العرعر أو الساج العتيق، والمصقول بمسامير حديدية سوداء كبيرة تُشكّل زخارف هندسية ميّزت المعمار التونسي في المدن العتيقة، إلى عبور العتبة الرّخامية التي تآكلت أطرافها من كثرة الأقدام الساعية للبركة، حتى تستقبلك "السقيفة" المظلمة قليلًا، حيث يمتزج بريق الضوء الخافت برائحة المسك والجاوي.
ينفتح الممر على صحن مكشوف تتوسطه فسقية رخامية ينساب منها الماء بهدوء، وتحيط به أروقة قائمة على أعمدة من الرُخام الأبيض ذي التيجان الحفصية أو الأندلسية البديعة. والجدران مكسوة بالسيراميك التقليدي المُلوّن بألوانه الأربعة الكلاسيكية، الأزرق الملكي، والأخضر الزيتوني، والأصفر العسلي، والأبيض.
وفي الزاوية القصوى، يقع الضريح حيث التابوت الخشبي مغطى بأقمشة من الحرير الأخضر المطرز بالخيط الذهبي والفضي.
التهميش في المناطق الداخلية لا يتوقف عند حدود الأحياء ومعاناتهم مع غياب التنمية والمرافق الأساسية، بل يمتد ليشمل الذاكرة والتراث، متمثلًا في تلك المقامات المنسية في عدّة مناطق ريفية
في المقابل هناك، فوق الربوة المنسية في إحدى قرى الشمال، يرقد مقام آخر كأنّه حارس غلبه النُعاس فاستسلم هناك في تلك الربوة. هو ليس بناء باذخًا، بل غرفة صغيرة مربعة جيّرت جدرانها بالكلس الأبيض الذي بدأ يتشقق ويتقشر، ليكشف تحت طبقاته عن حجارة صماء صمدت لعقود في وجه الرّيح والمطر. تتوسط السقف قبة دائرية صغيرة، نبتت بين شقوقها أعشاب برية صغيرة، وكأنّ الأرض تُحاول استعادة هذا البناء ليكون جزء من طبيعتها. الباب الخشبي، الذي فقد قفله منذ زمن، يئن مع كل هبّة ريح، تاركًا للغبار والعصافير حرية الدخول والخروج.
وبمجرد الدخول، تلفحك رائحة التراب المبلل والشموع المحترقة التي ذابت على حواف نافذة ضيقة. والجدران ماتزال بالكاد تحفظ بعض رسوم الحنة التي يرسمها زوار المقام هناك.
بين هذا البذخ المعماري في زوايا الحواضر وذاك الشحوب المهمل في مقامات القفار، يتجلى التضاد بين قداسة تحتفي بها الزخارف والأضواء، وقداسة لا يستر عُريّها إلا غبار السنين وخشوع العزلة.
اقرأ/ي أيضًا: مقامات الأولياء الصالحين.. قِبلة بعض التونسيين في المناسبات الدينية
بين هذا الفضاء الذي يضج بحياة المُريدين وعبق البخور الفاخر وذاك الركن المنسي الذي لا يزوره إلا الريح، تكمن مفارقة الوفاء الباذخ لذاكرة المدن مقابل جفاء النسيان الذي يبتلع حكايا الريف البعيد.
وبين هذا وذاك، تظلّ القيمة الروحية واحدة وإن تباينت ملامح البناء، فبين جدران تلمع بالفسيفساء وأخرى تتهاوى تحت ثقل الغبار، يرقد رجال توحدوا في الزهد والرفعة، ليظل الفرق الوحيد هو وفاء الذاكرة العمرانية في المدن مقابل صمت الطبيعة الذي يطوي مقامات الريف في حضن النسيان.
فوارق بين مقامات الأولياء
هذه المفارقة تُلخّص واقعًا سوسيولوجيًا عميقًا، فالتهميش في المناطق الداخلية لا يتوقف عند حدود الأحياء ومعاناتهم مع غياب التنمية والمرافق الأساسية، بل يمتد ليشمل الذاكرة والتراث، متمثلًا في تلك المقامات المنسية في عدّة مناطق ريفية.
بينما تحظى زوايا المدن الكبرى بالترميم والاعتناء كجزء من الهوية البصرية والسياحية، تُترك مقامات الأرياف والقرى الداخلية لتواجه الاندثار، وكأنّ التهميش قدرٌ يلاحق هذه الجهات حتى في أقدس رموزها الروحية
وبين هذا وذاك، تبرز المفارقة المُؤلمة، فبينما تحظى زوايا المدن الكبرى بالترميم والاعتناء كجزء من الهوية البصرية والسياحية، تُترك مقامات الأرياف والقرى الداخلية لتواجه الاندثار، وكأنّ التهميش قدرٌ يلاحق هذه الجهات حتى في أقدس رموزها الروحية، ليُصبح مشهد المقام المتآكل شاهدًا صامتًا على جغرافيا خارج خارطة الاهتمام.
ففي قلب أغلب المدن، يُمثل مقام الولي سلطان المدينة، فهناك لا تغيب ميزانيات الترميم، وتتكفل جمعيات "صيانة المدينة" والجهات الحكومية بجعل هذه المعالم مزارات سياحية ودينية من الطراز الأول. رخام إيطالي وزخارف أندلسية أو عربية، القباب مطلية بالجير الناصع، والأرضيات بالزليج الملون. والحراك هناك دائم بصفة يومية تقريبًا. كما تنظم فيها "الحضرة" وتُقام فيها الولائم والمناسبات الرسمية تحت حماية أمنية وتنظيم دقيق. وباتت تُمثل استثمارًا ثقافيًا إذ تحولت هذه المقامات إلى نقاط جذب في المسالك السياحية.
هذه العناية ليست مجرد تقديس ديني، بل هي استثمار في "الهوية الحضرية" للمدينة، حيث يُنظر للمقام كجزء من واجهة الدولة الثقافية أمام الزوار والأجانب. إضافة إلى بهرج المديح والتغني بأولياء دون غيرهم أغلبهم يتمركزون في المدن.
مقامات تسكنها الوحشة
على النقيض تمامًا، نجد في أرياف الشمال الغربي والوسط والجنوب مقامات لأولياء وصالحين لعبوا أدوارًا تاريخية في فض النزاعات القبلية وإيواء عابري السبيل، لكنّها اليوم تقاوم الاندثار بصمت بعد أن باتت تسكنها الوحشة.
على سبيل المثال وليس الحصر، في قرية صغيرة منسية بجبال الكاف، تحديدًا في مائدة يوغرطة، حيث مقام الولي "سيدي عبد الجواد" كان الحارس شيخًا في العقد السابع يجلس على صغرة كأنه قطعة من تضاريس المكان، بوجه حفرت فيه سنوات الريف أخاديد عميقة تُشبه شقوق الجدران من حوله. يتكئ بكفيه المرتعشتين على عكاز من خشب الزيتون، صقله طول الاستعمال حتى صار له بريق كأنه امتداد لجسده الناحل.
تظلّ القيمة الروحية واحدة وإن تباينت ملامح البناء، فبين جدران تلمع بالفسيفساء وأخرى تتهاوى تحت ثقل الغبار، يظل الفرق الوحيد هو وفاء الذاكرة العمرانية في المدن مقابل صمت الطبيعة الذي يطوي مقامات الريف في حضن النسيان
ويلتحف ببرنس قديم يفوح برائحة البخور والتراب، وعيناه الغائرتان تُراقبان الطريق الضيق بانتظار زائر قد لا يأتي. لكنّه يظلّ هناك، حارسًا وفيًا لذاكرة تتلاشى، ينهض بصعوبة كُلما اشتدت الريح ليُغلق الباب الخشبي المتهالك، متمتمًا بكلمات غير مفهومة، كأنه يواسي الولي في وحدته، أو يواسي نفسه في هذا الركن الذي نسيه العالم. وعند الولوج إلى ذلك المقام بجدران عارية من الطلاء، تلحظ السقف الخشبي المتآكل يهدد بالسقوط في أيّ لحظة، والساحة التي كانت يومًا تعج بالمريدين أصبحت مرعى للأغنام.
يقول ذلك الحارس إنه "يحرس المكان منذ سنوات عدّة من السرقات. ولكن ليس سرقة الرخام أو الأبواب التي يفتقرها المقام، ولكن مخافة نبش قبر الولي بحثًا عن الكنوز هناك". مضيفًا: "كل شيء في المكان قديم لم يرمم منذ عقود. فالضريح بسيط مُغطى بثوب أخضر بهت لونه بفعل الشمس والغبار، وتراكمت فوقه قطع من القماش الملون (الخرق) التي ربطها الزوار العابرون كنذر أو أمنيات مُعلّقة. فيما فُرشت الأرض بحصير بال من السمار، تآكلت أطرافه، وتناثرت حوله بقايا بخور وفخار مكسور كان يومًا يحمل زيت القناديل".
ويشير الحارس بقوله: "هذه الزاوية كانت قلب القرية النابض، فيها نتعلم القرآن وفيها نذبح الذبائح في المواسم، اليوم حتى الطريق إليها أصبح وعرًا، والشباب غادروا، ولم يبقَ إلا كبار السن الذين يحاولون سنويًا ترميم الشقوق بطين لا يصمد أمام الشتاء. وحتى "الزردة" التي تُقام سنويًا في هذا المقام لم تعد تجمع سكان الجهة كما في السابق، خصوصًا بعد هجرة جميعهم عن سطح المائدة. الجدران هناك قد تكون بسيطة، لكن الحكايات المرتبطة بها هي التي شكلت هوية المنطقة لقرون. والصمت الرسمي تجاهها هو حكم بالإعدام على جزء أصيل من هويتنا في عدّة جهات داخلية".
بيروقراطية مركزية وتحول ديمغرافي
تتركز ميزانيات وزارة الشؤون الدينية ووزارة الثقافة في المعالم التي تملك ثقلًا رمزيًا أو سياسيًا. فيما ظلت مقامات في الريف، رغم قيمتها الأنثروبولوجية، مجرد بناءات ريفية بسيطة في نظر الإدارة، لا تستحق عناء التنقل والترميم المكلف. ربما لأنّها غير مهمة في المسالك السياحية.
في حين تلمع قباب الأولياء في المدن تحت الأضواء الكاشفة، يظل مقام "سيدي فلان" في قرية نائية ينتظر معجزة، لا من صاحبه المدفون تحت الثرى، بل من مسؤول يدرك أن تونس لا تنتهي عند حدود عاصمتها
كما أدى التحول الديمغرافي أي نزوح سكان الأرياف نحو المدن إلى إفراغ هذه المقامات من حماتها التقليديين. فربما عندما يرحل الشباب، تموت الطقوس، ومع موت الطقس، يفقد المكان مبرر وجوده المادي، فيسقط في طي الإهمال.
التهديدات الأمنية والنهب
والتهديدات الأمنية في السنوات الماضية، كان لها أيضًا الأثر الكبير على العديد من المقامات في الأرياف التي تعرّضت إلى اعتداءات من قِبل جماعات مُتشددة، أو نُبشت قبورها من قِبل صائدي الكنوز، مستغلين غياب الرقابة الأمنية التي تتوفر في المدن الكبرى. وتم ترميمها من قبل سكان تلك الجهات بطرق بسيطة ليحافظوا على ما قد يبقى من ذاكرة أولياء باتوا منسيين.
وفي حين تلمع قباب الأولياء في المدن تحت الأضواء الكاشفة، يظل مقام "سيدي فلان" في قرية نائية ينتظر معجزة، لا من صاحبه المدفون تحت الثرى، بل من مسؤول يدرك أن تونس لا تنتهي عند حدود عاصمتها، وأن رائحة البخور في الجبال لا تقل قداسة عن بريق الرخام في المدن.
الكلمات المفتاحية
تحت ظلال القباب التونسية.. حكاية هندسة تقاوم النسيان
تتميز صناعة القباب التقليدية بخصائص بيئية وحرارية مذهلة تعجز عنها العمارة الحديثة، فهي تتنفس، وتمتص الرطوبة، وتكيف الهواء طبيعيًا. ورغم القيمة الجمالية والبيئية للقباب، فإنّ هذا الفن المعماري يُواجه اليوم خطر الاندثار
كيف خطّط التونسيون لمتابعة "المباريات الفجريّة" للمنتخب التونسي في مونديال 2026؟
مونديال كرة القدم 2026 الذي يدور في الولايات المتحّدة والمكسيك وكندا، أحدث اضطرابًا فائقًا في الأنظمة الزمنيّة المذكورة فأوقع المولعين بكرة القدم في حرج وأقضّ مضاجعهم حقيقة لا مجازًا، حالة من الاضطراب والحيرة بسبب التوقيت غير المألوف
تونس في كأس العالم.. تاريخ المشاركات وأبرز تحديات مونديال 2026
يُعدّ المنتخب التونسي أحد أكثر المنتخبات العربية والإفريقية حضورًا في نهائيات كأس العالم .. تابع أبرز الأرقام في مشواره إلى المونديال
كيف علّق وزير طاقة سابق على إجراء القطع المتعمَّد للكهرباء في تونس؟
منجي مرزوق: تونس تُعد نموذجًا جيدًا لدولة حققت وصولاً شبه شامل للكهرباء، لكنها ما زالت تلجأ إلى تخفيف (تقنين) موسمي ومحدد النطاق للكهرباء
محمد بالحاج محمود رسميًا في الترجي الرياضي
أعلن الترجي الرياضي التونسي، اليوم الأربعاء 15 جويلية/يوليو 2026، عن إتمام كافة الإجراءات المُتعلّقة بالتعاقد مع..
ماذا نعرف عن التوجيه الجامعي في تونس لسنة 2026؟
تمثل عملية التوجيه الجامعي في تونس مرحلة أساسية في المسار الدراسي للناجحين في امتحان الباكالوريا..
تنديد بالحكم الصادر ضد الإعلامي هيثم المكي ودعوات لنقضه
نقابة الصحفيين التونسيين: ندعو السلطات إلى احترام المعايير الدستورية والدولية الضامنة لحرية التعبير، ووضع حد للملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والإعلاميين خارج الضمانات التي يقرّها القانون