أشرف عوادي: سنعمّم تجربة مقاطعة

أشرف عوادي: سنعمّم تجربة مقاطعة "نسمة" والتوافق يخلق أرضية للفساد (حوار - 2/1)

5208 مشاهدة
رئيس منظمة "أنا يقظ" أشرف عوادي (الترا تونس)

فصل جديد من المعركة حامية الوطيس بين "أنا يقظ" و"نسمة" فتح مؤخّرًا ليلبس العشر الأواخر من رمضان لبوس "المقاطعة". أسلوب لم يسبق أن توخّته المنظمة في عملها الهادف إلى محاربة الفساد المالي والإداري وتعزيز الشفافية. 

في مقرّ "أنا يقظ" الجديد بـ"ميتيال فيل"، التقى "الترا تونس" رئيس المنظمة أشرف عوّادي فكان هذا الحوار الذي تعرض في جزئه الأوّل لدعوة  #قاطعوا_نسمة والمسؤولية المجتمعية للمؤسسات وأعاد فتح ملفّ التمويلات الأجنبية والعمومية وتوقّف عند "الحرب على الفساد" في تونس ليقف على عدد من المفارقات التي تميّز مسار بناء دولة القانون والمؤسسات في تونس. 


  • اسمح لي أن أنطلق من موضوع مقاطعة قناة "نسمة" والتي تطوّرت إلى دعوات إلى مقاطعة المستشهرين فيها، ماهي الأسباب التي دفعت بالمنظمة إلى اتّخاذ هذا الإجراء غير المسبوق؟ وهل تعتقد أن التونسي متشبّع بثقافة المقاطعة بما يكفي لإنجاحها؟

حديثنا عن المقاطعة يعني أنه لم يعد لدينا ثقة في المؤسسات، لأن الأرقام تظهر أنّ 50 في المائة من الأحكام القانونية لا يتمّ تنفيذها. ممّا يعني أنّه يمكن أن تُدان "نسمة" في قضية التسريب الأخير دون الخشية من العقاب. هذا الأمر جعلنا أمام خيار اللجوء إلى إجراء اجتماعي بحت وهو في حالتنا هذه العقوبة الاجتماعية عن طريق المقاطعة. "أنا يقظ" ربحت بالفعل كل قضاياها المرفوعة ضد "نسمة" باستثناء القضية المتعلقة بتهريب أموال خارج تونس عن طريق شركات في لوكسبورغ ودبي، ونحن نعلم أن هذه القضية ستأخذ نحو عامين أو ثلاثة في القطب القضائي المالي. اليوم في قضية الحال، نتحدّث عن الجزء الذي اعتبرناه إجراميًا في القضية.

أشرف عوادي: ما تقوم به قناة نسمة عمل إجرامي لا علاقة له بالإعلام ولا الصحافة بل هو إجرام ممنهج من قبل صاحب القناة والمقاطعة هي عقوبة اجتماعية

وقد كانت المسألة في بداية معركتنا مع "نسمة" متعلقة بقضايا مرفوعة من الطرفين، وعندما قامت القناة بتنظيم بلاتوهات مخصّصة للثّلب والشتم والتشويه كنا نقول إنها وسيلة إعلامية تخطئ وتصيب فنتعامل معهم على أساس المرسومين 115 و116 باعتبارها تمارس عملًا إعلاميًا "سيّئا". لكن بعد نحو 7 أشهر ظهر التسريب الأول وفهمنا أن هذا عمل إجرامي لا علاقة له بالإعلام ولا الصحافة بل هو إجرام ممنهج من قبل صاحب القناة أو الشركة التي يملكها. وإثر ذلك، ربحنا قضايا في حق الردّ وأخرى متعلقة بالثلب ولم يتم تنفيذ أحكامها. ثم جاء التسريب الأخير وهو في اعتقادي أقذر ممّا سبقه. باعتباري الممثّل القانوني للمنظمة، تم استدعائي في شهر مارس/آذار 2018 فيالقضايا التي رفعها ضدنا نبيل قروي لكن إلى يومنا هذا لم تتم دعوته كمدّعى عليه في القضايا التي رفعتها المنظمة ضده! وبالتالي، وفي انتظار أن يقوم القضاء بدوره، نحن لا يمكننا أن نبقى مكتوفي الأيدي لذلك دعونا إلى العقوبة الاجتماعية والمقاطعة الاجتماعية. لحسن الحظ أو لسوئه بدأت هذه التجربة مع "نسمة" لكن لدينا نيّة مستقبلًا في مواصلة هذا النهج عبر مقاطعة منتجات الشركات الفاسدة ماديًا.

 

  • في علاقة بالمقاطعة والعقوبة الاجتماعية، إلى أي مدى يمكن لقانون المسؤولية المجتمعية للمؤسسات الذي ينظر فيه داخل لجنة الصناعة والطاقة والثروات الطبيعية والبنية الأساسية والبيئة في البرلمان أن يساعد ربّما في الحرب ضد الفساد؟

المشكل هنا أنّ مشروع القانون يركّز على المؤسسات والشركات العاملة في قطاعات معيّنة كالبترول والبيئة، لكنّه لا يعمّم المسؤولية الاجتماعية على سائر القطاعات الأخرى. يعني أنّنا لم نر في مشروع القانون نقلة نوعية على مستوى الأدوار التي يلعبها القطاع الخاصّ بالمساهمة في بناء ثقافة وقيم جديدة داخل المجتمع. هو قانون أقرب إلى جبر الضّرر بمعنى أنّ كل شركة تتسبّب بفساد للبيئة مجبرة على إصلاح ما أفسدته وهكذا لهذا نحن في علاقتنا بالتمويل نحترز مثلًا من التمويل العمومي والتمويل الخاصّ التونسي.

اقرأ/ي أيضًا: الفساد في الصفقات العمومية.. سرطان ينخر الإدارة في انتظار استئصاله

 

  • كنت سأسألك لاحقًا عن موضوع التمويل، فكثيرا ما يطرح سؤال "من أين لكم هذا" في علاقة بالتمويلات الأجنبية خاصّة. لو تذكّر رجاء بكيفية حصول المنظمة على تمويلاتها؟ وعلى أيّ أساس؟ وهل تقومون باختيار مموليكم؟ وإلى أي مدى يتدخّل المموّل في برامجكم ومشاريعكم؟

تمنح التمويلات الأجنبية كما في أي مناقصة عمومية تقوم بها الدولة، أي أن المموّلين يضعون كراس شروط ويفتحون باب تقديم المشاريع وطلبات التمويل. و"أنا يقظ" من جهتها تتقدّم بمقترحات مشاريع كغيرها من المنظمات التونسية والتي كان بإمكانها هي أن تحصل على التمويل عوضا عنّا. أعتقد أن منظّمتنا أصبحت بعد 7 سنوات من العمل من أكثر المنظمات التونسية قدرة على الإقناع بأفكارها ومشاريعها. وفي الواقع، مصادر تمويلنا لا تختلف عن تمويل عمادة المحامين أو الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أو الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، غير أنّه يتم مهاجمتنا أكثر باعتبار أنّ كلّ من ستواجهه بالفساد سيبحث عن حجة سهلة للردّ علينا والتشكيك فينا بينما لا يمكنه ردّ الفعل بالمثل مع اتّحاد الشغل مثلًا.

أشرف عوادي: من يطلق الشائعات المغرضة حول تمويلاتنا يعرف جيدًا أن ادعاءاته كاذبة لأن هذه التمويلات متاحة جميعها على موقع المنظمة

ما يزعجني حقيقة هو أنّ من يطلق هذه الشائعات المغرضة في حقّنا يعرف جيدًا أن ادعاءاته كاذبة لأن تمويلاتنا جميعها متاحة على موقع المنظمة. وكي لا أتحامل على التونسيين، يجب أن أذكّر بأنّ هذه الظاهرة موجودة على المستوى العالمي حيث يتم دائمًا استخدام حجّة التمويل الأجنبيّ لإفقاد المنظمات مشروعيتها ومصداقيتها. يبقى أنه من السذاجة أن نقول للتونسيين إنّ التمويل الأجنبيّ يصبّ فقط في مصلحة تونس، فالحقيقة أنّ الطرفين المموّل والمنتفع بالتمويل مستفيدان. إذ أنّه من مصلحة الاتحاد الأوروبي مثلًا ألاّ يكون هناك فساد في تونس لضمان مناخ استثماري جيد ونحن أيضًا نريد بلدنا خالية من الفساد لأن استشراءه يكلّفنا الكثير.

وردًّا على الجزء الأخير من سؤالك، صحيح أن المموّل يسمح لنفسه أحيانًا أن يتدخّل لكن يبقى ذلك رهينة قبول المنظمة بذلك من عدمه، فأحيانا يكون التونسي هو من يفتح باب التدخل أمام المموّل في إطار "هزّان القفة". بالنسبة لنا، نحن لا نقبل بذلك مطلقًا وقد راسلنا أحيانًا مموّلين لوقف مشروع ما بسبب تدخّلهم في تفاصيل صغيرة على غرار تاريخ إقامة نشاط.

 

  • قلت إن لديكم تحفظات في الجمعية على التمويلات العمومية، فيما تتمثل؟

تحفّظنا على التمويل العمومي يعود إلى اعتقادنا بأن الدولة التونسية بعد الثورة مازالت لم تبلغ من النضج ما يكفي لتفهم دور المجتمع المدني. ما لا يعرفه كثير من التونسيين، أنّ هناك 150 مليون دينار تونسي تمنح كتمويلات عمومية للجمعيات. لمن تذهب هذه الأموال؟ منذ القديم وإلى اليوم، تذهب هذه التمويلات إلى الوداديات أوّلًا، ولمجموعة من المنظمات التي تعرف تاريخيا بأنها مرضي عنها كالاتحاد الوطني للمرأة التونسية.

 

  • لكن الاتحاد مرّ بأزمة مالية كبيرة في السنوات التي تلت الثورة؟

هذا صحيح، لكن لا ينفي كونه، تاريخيًا، يتمتّع دائما بنصيبه من التمويلات وسيبقى. وهذا ينسحب كذلك على الاتّحاد العامّ التونسي للشغل ومنظمة الأعراف. طبعًا الدولة كانت تموّل هذه المنظمات وتنتظر منهم الولاء للحكومة، وللأسف لم نبلغ بعد مرحلة النضج التي تسمح بأن تتعامل الجمعية مع الدولة أي أن تتحصّل على التمويل العمومي وتراقب عمل الحكومة وتنتقدها. لهذا نحافظ على مسافتنا فيما يتعلق بالتمويل العموميّ.

 

  • وعدا عن عدم نيّتكم التمتّع به، كيف تتعامل المنظمة مع ملفّ التمويل العمومي؟

اشتغلت "أنا يقظ" بالفعل على هذا الملفّ لكنّ "مركز الكواكبي للتحوّلات الديمقراطية" عمل عليه بصفة أكثر عمقًا. شخصيًا، كان بودّي لو أنّ تمويل "أنا يقظ" كان تونسيًا، ولكنّ هذا من شأنه أن يخلق إشكالًا آخر حيث أنّه من الصعب إرضاء المواطن التونسي. فإن تحصلت على تمويل عمومي سيعتبرك "متاع الحكومة" وإن تحصّلت على تمويل أجنبي سيتساءل عن الأجندة التي تخدمها. وبالتالي، ارتأينا أنّ الطريقة الأسلم هي أن ننكبّ على العمل وندع عملنا يتحدّث عنّا. وبالفعل، لاحظنا أنّ هناك جهات انزعجت من عملنا في 2011 لكنّها قصدتنا في 2014 للتبليغ عن ملفّات فساد. واليوم في معركتنا مع "نسمة"، هناك من يقول إننا نخدم أجندة يوسف الشاهد بينما كنّا نحسب في السابق على المؤتمر من أجل الجمهورية ثمّ على حركة النهضة وبعدها على الجبهة الشعبية عندما ساندنا حراك "مانيش مسامح". وفي اعتقادي، أنه طالما نحسب كل مرة على طرف سياسي مختلف فهذا دليل على أنّنا ماضون في الطريق الصحيح.

أشرف عوادي: طالما نحسب كل مرة على طرف سياسي مختلف فهذا دليل على أنّنا ماضون في الطريق الصحيح

  • اشتغالكم على تحقيقات يوصف أحيانًا بأنه انتقائيّ، إذ يطرح السؤال "لما تشتغلون على قناة "نسمة" وتتجاهلون "الحوار التونسي" مثلًا رغم أنّ سامي الفهري متعلّقة به قضايا مالية، وهذا ينسحب أيضًا على التحقيقات التي طالت بعض نوّاب البرلمان. فعلى أيّ أساس تختار "أنا يقظ" مواضيع تحقيقاتها؟  

يجب التذكير في هذا الصّدد بأننا لسنا وسيلة إعلامية بل منظمة تعنى بمحاربة الفساد. ما حدث أنه في 2015 أطلقنا "مركز يقظ لدعم وإرشاد ضحايا الفساد" وهو يتلقّى بشكل يومي تقريبًا مجموعة من ملفات الفساد. نحن لسنا نيابة عمومية وعندما يصلنا ملفّ نشتغل عليه، أي أنّه يجب أن يصلنا بلاغ من مواطن لنتحرّك. وبالفعل، راكمنا عدّة قضايا فساد وتوصّلنا إلى قناعة مفادها أنّ آجال القضاء التونسي في البتّ في هذه القضايا طويلة جدّا. في تلك المرحلة، فكّرنا في إلحاق مجموعة من الصحفيين بالمنظمة وذلك ليس بهدف استقصائي، وإن كان البعض من أعضاء المنظمة يختلفون معي في هذه النقطة، بل بهدف إعلام الرأي العام أساسًا. وهكذا، لا نكتفي بنشر التحقيقات بل نرفقها دائما بدعاوى قضائية ونحرص أن يكون الرأي العام في كل مرة متابعًا لما يحدث.

في حالة نسمة مثلًا، لم تكن القناة، ولا حتى شركة الأخوين قروي، هي الهدف الأول للتحقيق بل بنك الإسكان. إذ بينما كنّا بصدد الاطّلاع على الملفّات المتعلّقة بالبنك، وجدنا من بين الأرقام المثيرة للانتباه على غرار القروض والضمانات، شركة "قروي أند قروي" فبدأنا بالاشتغال عليها، أي أنّنا اشتغلنا على الشركة لكنّ صاحبها هو الذي أقحم القناة في الموضوع بتوظيفها للردّ على اتهامات وجهت للشركات. بهذا المعنى، "أنا يقظ" لا تشتغل على الفساد في قطاع الإعلام لذاته، بل على شركات خاصّة تتهرّب من الضرائب. وهذا ينسحب أيضًا على النوّاب، فليس اللون الحزبي هو الذي يهمّنا بل النشاط الذي يقوم به النائب. إذا كا حزب نداء تونس مثلًا قد اختار أن يستثمر في رجال أعمال كنوّاب ممثّلين له فمن الطبيعي أن يواجه كثيرًا من المشاكل مع "أنا يقظ" لأننا نشتغل على الفساد في القطاع الخاصّ. وقد رأينا في المقابل بعض ردود الأفعال الراقية على غرار تصرف فاتن القلال كاتبة الدولة السابقة للشباب التي اعتذرت عن عدم قيامها بالتصريح بالشرف على المكاسب وسارعت للقيام بذلك إثر إطلاقنا مبادرة "برّا صرّح".

مراسلة "الترا تونس" تحاور رئيس منظمة "أنا يقظ" أشرف عوادي

  • هل تعتقد أنّ عامل السنّ واختلاف الأجيال داخل الطبقة السياسية قد يكون له دور في جعل الأصغر سنَا يتفاعلون بشكل إيجابي أكثر مع مثل هذه المبادرات؟

للأسف هذا صحيح. فالسياسيون الذين نشأوا في ظل ديكتاتوريات يتعاملون مع دعوات الشفافية بشكل متطرّف فهم إذا أرادوا الشكر مدحوا وإن شاؤوا النقد شتموا. ونحن اليوم إذا بحثنا في فعاليات المجتمع المدني، سنجد أنّنا أقرب إلى "بوصلة" منّا إلى رابطة حقوق الإنسان، وأقرب إلى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية منا إلى اتحاد الشغل، إذ أنّ رؤيتنا للأشياء تتقارب أكثر. أعتقد أنّه حتى اليوم لايزال دور المجتمع المدني كله غير مفهوم. ففي السابق، كانت الجمعيات تنقسم إلى جمعيات تلمّع صورة النظام وأخرى تعارض النظام، أمّا أن تكون الجمعية ساهرة على مراقبة مسار احترام مؤسسات الدولة فتثمّن الايجابيات وتنقد السلبيات، فذلك أمر لا يفهمه المواطن ببساطة.

 

  • لو تحدّثنا عن موقف المنظمة ممّا سمّي "الحرب على الفساد" ومآلها. هل ترون أنّها حرب فعلية أم أنّها مجرّد إجراءات وقتية في إطار "تصفية حسابات" كما وصفها البعض؟

هناك رأيان في هذا الخصوص داخل المنظمة نفسها، حيث منّا من يرى أنها بالفعل تصفية حسابات، ومن يرى أن "الطّرح كبر" على "يوسف الشاهد". وأنا شخصيّا أعتقد أنّهما رأيان وجيهان. بالنسبة لـ"أنا يقظ" فقد عبّرت بوضوح عن دعمها للحرب على الفساد بداية الإعلان عنها رغم أنّها اعتمدت إجراءات غير دستورية على غرار الإقامة الجبرية. فلم نكن ننتظر في أجمل أحلامنا أن يتمّ إيقاف "شفيق جراية" أو عدد من كبار المهرّبين. فنحن نعتقد إذن أنّ التعامل مع "رؤوس كبرى" كبادرة أولى يعدّ أمرًا ممتازًا، لكنّ ما حدث لاحقا هو أنّ الحرب على الفاسد لم يعد لها وجود.

اقرأ/ي أيضًا: الأمل الأخير للمحاسبة.. ماذا تعرف عن قضاء العدالة الانتقالية؟

 

  • لو ذهبنا في اتجاه ما أسميته "الطّرح كبر" على "الشاهد"، ما هي برأيك أهمّ العراقيل التي حالت دون مواصلة الحرب على الفساد؟

قمنا بزيارة يوسف الشاهد حين تولّيه رئاسة الحكومة ثمّ أرسلنا له رسالة مفتوحة فحواها "اجعل حربك على الفساد كالموت لا تستثني أحدًا". وهذا يعني أنّه إذا كان رئيس الحكومة يريد بالفعل محاربة الفساد فعليه اتّخاذ الإجراءات اللازمة في حق أسماء في محيطه وأخرى مقرّبة منه. لا ننسى أنّه يوجد في حكومة الشاهد وزراء تتعلّق بهم قضايا مالية على غرار مهدي بن غربية، فكيف يريد الشاهد إقناعنا بأنّه بصدد محاربة الفساد؟ الحرب على الفساد هي أفعال وليست أقوال.

 

  • كان رئيس الحكومة قد تحدّث في وقت سابق عن فساد كبير وآخر صغير. أيهما الأكثر استشراء وخطورة اليوم في تونس؟

الأكثر استشراء هو الصغير لكن الذي يضرّ هو الكبير. نتحدث بإسهاب في تونس عن الفساد الصغير لأن المواطن يشعر به ويلاحظه في المعاملات اليومية كالرشوة وغيرها، لكن إذا جمعنا كلّ الرشاوى التي يحصل عليها أعوان الأمن مثلا، سوف لن تتجاوز 5 مليون دينار، وهو مبلغ هيّن مقارنة برشوة واحدة في إحدى الصفقات العمومية في وزارة الصحة على سبيل المثال دائمًا.

 

  • لو نبقى في المجتمع المدني وفي علاقة بالفساد، إلى أيّ حدّ يمكن القول بوجود فساد ماليّ وإداري داخله؟ وهل لديكم نية كمنظمة في فتح هذا الملف؟

علينا أن نقرّ بأنّ هناك فسادًا داخل المجتمع المدني، وخاصّة إذا فتحنا ملف الحوكمة الداخلية للجمعيات فسيتطلّب منّا ذلك ساعات من النقاش. بداية، هناك اختلاس ظاهر، حيث حدث أن احتالت منظمات على سفارات دول اجنبية مثلًا فتحصّلت منها على تمويلات ثمّ قطعت معها كلّ اتّصال. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، أذكر حادثة وقعت مع سفارة كندا، حيث تلقّينا منها اتّصالًا للتبيلغ عن اختفاء ممثّل إحدى الجمعيات المستفيدة من تمويل وأشرنا عليها بتقديم تظلّم لدينا غير أنّ السفارة أعربت عن رفضها التصعيد. وكان أن تواصلنا مع الجمعية وأقنعنا ممثّلها بإرجاع الأموال دون مشاكل.

أمّا سوء التصرف والحوكمة فهو برأيي الإشكال الكبير. فمثلًا وكما تعارف عليه المجتمع المدني الدولي، لا يمكن الجمع بين اتخاذ القرار والمصلحة المادية بمعنى أنّ عضوًا في منظمة ما لديه حق التصويت أو اتخاذ القرار لا يحق له تلقي مقابل مادي. لكن ما يحدث أننا نرى رؤساء منظمات يشتغل في إطار مشاريعها ويتلقّون أجورًا لقاء ذلك. في هذه الحالة، من يسائلهم؟ للأسف، هذه ظاهرة مستشرية في المنظمات التونسية. هناك أيضًا موضوع سجل المصالح المالية لأعضاء الهيئة المديرة للمنظمة، فالمفروض معرفة سجل مصالح رئيس منظمة يعمل موظفًا في شركة مثلًا لأنه قد يوجّه الجمعية أو المنظمة لضرب منافسي الشركة أو يوظّفها للحصول على معلومات تفيده في عمله.

أشرف عوادي: المنظّمات الكبرى هي عبارة عن شبكة من اللاّ حوكمة ولا أحد يعرف مثلًا الحوكمة الداخلية للمنظمة الشغّيلة إذ لا نرى تقاريرها ولا نعلم موازناتها

  • هل ترى أنّ المنظمات الكبرى في تونس ملتزمة بهذا؟

المنظّمات الكبرى، ودون استثناء، هي عبارة عن شبكة من اللاّ حوكمة. لا أحد يعرف مثلًا الحوكمة الداخلية للمنظمة الشغّيلة إذ لا نرى تقاريرها ولا نعلم موازناتها، وهذا ينسحب على منظمة الأعراف واتّحاد المرأة. غير أنّه كان يجدر بهذه المنظمات أن تكون هي مثالًا يحتذى به. أتفهّم أنّ هذه المنظمات جميعًا قد مرّت في السابق بحقبة من الفساد، لكن يجب عليها أن تعي بدورها أنّ تلقّيها تمويلًا عموميًا يلزمها بالخضوع للمساءلة. غير أنّه للأسف ما يزال هناك الكثير من المحسوبية داخل هذه المنظمات ونحن كنا قد رفعنا قضية ضدّ اتّحاد الشغل في علاقة بالتوريث.

اقرأ/ي أيضًا: تقارير الهيئات الرقابية في تونس.. أي مصير؟

 

  • وما الجديد بالخصوص؟

في قضيّة الحال، كنّا قد سجّلنا تعيين 40 من أبناء نقابيين في مصحة العمران، فصل منهم 30 شخصًا في حين تمّ ترسيم العشرة الباقين ونقلتهم إلى أماكن أخرى, وهذا عائد إلى كون هؤلاء أبناء قياديين في الاتّحاد على غرار إحدى قريبات حسين العباسي. فمازال هناك إذن نوع من الحظوة التي يتمتّع بها النقابيون وأبناؤهم وكثير من تضارب المصالح والمحسوبية واستغلال النفوذ التي يجب على الدولة أن تكون أكثر حزمًا معها بوضع تشريعات صارمة وزجرية.

 

  • في علاقة بالتشريعات، يرى البعض أنّ سياسة "التوافق" مسؤولة عن تمرير قوانين غير دستورية أو تخدم مصالح فئات ضيقة وربما تخدم الفساد نفسه، فما رأيكم؟

يمكن القول بأنّ التوافق يخلق أرضية جيدة للفساد، ولكن ليس وحده، فنحن للأسف ماضون نحو دولة اللا قانون بمعنى أنّ كلّ مسار يوجد له مسار موازي.

 

  • لكنّنا نتقدّم على مستوى التشريعات؟!

هنا الإشكال الحقيقي، إذ لا يمكن اليوم الحديث عن أي تشريع دون محكمة دستورية لأنها الضامن الوحيد. إذ ليست الأغلبية من تقرر في الدول الديمقراطية بل القانون والمبادئ. فمثلًا لو أنّ الدولة التونسية أرادت تمرير قانون بأغلبية مطلقة للنواب يقضي بطرد غير التونسيين من البلاد، يمكن لأي فرد معنيّ بالقانون أن يرفع دعوى أمام المحكمة الدستورية فتنصفه. ونحن نرى هذا في الولايات المتحدة مثلًا أين يمكن للأفراد أن يربحوا قضايا ضد الدولة لدى المحكمة العليا. بالنسبة للحالة التونسية، هذا الضمان ليس موجودًا بعد، لذلك نلحظ تغوّلًا لدى الأغلبية. صحيح أنّ الأغلبية هي التي تقرّر لكن يجب في المقابل توّفر إمكانية الطعن في قرارها لتحقيق الديمقراطية. لقد شهدنا تمرير قوانين غير دستورية دون أن نتمكن من الطعن فيها لغياب المحكمة الدستورية. كما يوجد إلى اليوم مؤسسات ترفض تحمل مسؤوليتها كهيئة مراقبة دستورية القوانين، وهو ما حدث في قانون المصالحة في شكل مجاملة رهيبة لرئيس الجمهورية بإحالة مشروع القانون إليه لعدم توفر الأغلبية المطلوبة لإصدار قرار في الغرض.

أشرف عوادي: ليست الأغلبية من تقرر في الدول الديمقراطية بل القانون والمبادئ  لا يمكن اليوم الحديث عن أي تشريع دون محكمة دستورية

ففي كلّ مسار نصطدم بمسار موازي، إذا أردنا تغيير الحكومة نلتجئ إلى وثيقة قرطاج، لكن من الذي نصّب اتّحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة لاتّخاذ القرار؟ أين الدستور من هذا؟ وكيف يسمح البرلمان لنفسه بالتنازل عن صلاحياته؟ أنا كمواطن تونسي لم أنتخب الاتحاد ولا يمكنني محاسبة منظمة الأعراف مثلًا عن فشل رئيس حكومة. لا ننسى أيضَا أنّ لجنة التوافقات داخل البرلمان هي لجنة انقلابية وبدعة من البدع التونسية التي توشك أن تصبح سنّة حميدة. فالأجدر بنا أن نمضي في اتّجاه استكمال إرساء الهيئات الدستورية على غرار هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار في السياسة الاتصالية لـ"داعش" مع محمد المعمري مؤلف "في كلّ بيت داعشي"

العدالة الانتقالية والدولة المستقيلة