أحداث ساقية سيدي يوسف.. إحياء بارد لملحمة تاريخية

أحداث ساقية سيدي يوسف.. إحياء بارد لملحمة تاريخية

احتفالات رسمية بيروقراطية فلكلورية لحدث عظيم مزج الدماء التونسية والجزائرية (Getty)

 

مقال رأي

 

كان يوم 8 فيفري/شباط 1958 يومًا استثنائيًا في تونس المستعمرة من فرنسا والتائقة للحرية، لا تزال تفاصيل ذاك اليوم عالقة في الأذهان إلى الآن يرويها شهود عايشوا حدثًا أساء للذات الإنسانية.

توجه صبيحة اليوم المشهود رتل متكون من ثماني شاحنات تابعة للهلال الأحمر التونسي والصليب الأحمر الدولي ليستقر بقلب السوق الأسبوعية لمدينة ساقية سيدي يوسف، ودائمًا ما تشهد السوق الأسبوعية في قرى الداخل التونسي إقبالًا هائلًا من المواطنين والمزارعين للتزود والتزويد. وكانت "الساقية" التي تنام على سفوح جبال خمير على الحدود التونسية الجزائرية، ترزح وقتها تحت ثقلين، شتاء طويل وقاس ومستعمر فرنسي مستبد.

استهدف الاحتلال الفرنسي يوم 8 فيفري 1958 منطقة ساقية سيدي يوسف على الحدود التونسية الجزائرية باستعمال أسلحة محظورة

اقرأ/ي أيضًا: ساقية سيدي يوسف.. تاريخ نضالي آخره مأساة

كانت السوق على أشدها ودبيب الحياة يقتات من خيوط الشمس التي تطل أحيانًا كأمارات أمل بعيد، رتل الشاحنات يتخذ مكانه بالسوق ويشرع في مهمته الإنسانية التي تتابعها رأسًا إدارة الصليب الأحمر بسويسرا والمتمثلة في تقديم المساعدات للمواطنين الجزائريين الفارين من هول الحرب بعد إعلان جبهة التحرير الوطني الجزائرية المقاومة المسلحة لتحرير الأراضي الجزائرية من الاستعمار الفرنسي.

في نفس اليوم وفي نفس التوقيت، كان وزير الدفاع الفرنسي جاك شابان دلماس يناقش مع الجنرال أدموند جو هود، أحد قادة القوّات الجوية الفرنسية، تفاصيل قصف مدينة ساقية سيدي يوسف بـ"النابالم" وهو سلاح محظور دوليًا. اُخذ القرار بطريقة برقية لتسكب المقاتلات الفرنسية النار مباغتة على السوق الأسبوعية، والرتل الإنساني والمؤسسات الإدارية، وعلى المواطنين العزل، جزائريين وتونسيين، وذلك طيلة ساعة كاملة. وقد نالت المدرسة الابتدائية بالساقية النصيب الأوفر من جنون الطيران الفرنسي ما أدى لمقتل 12 تلميذًا على الفور.

استعمل الاحتلال الفرنسي سلاح "النابالم" المحظور دوليًا في قصفه لساقية سيدي يوسف (Getty)

أرادت فرنسا المحتلة من هذا الفعل البربري المسعور أن تقطع صلات تعاون المقاومة التونسية الجزائرية التي شرعت في التواصل السري منذ 1954، خاصة بعد أن علمت بأوجه المدد العربي للمقاومة الجزائرية المسلحة عن طريق تونس. فقد قصد المستعمر أن يكون العدوان مدويًا وقاسيًا، وكان قد مهد لذلك بضربة أقلّ وطأة يوم 30 جانفي/كانون الأول 1958 لكنها لم تثن التونسيين عن مد يد المساعدة للأشقاء الجزائريين. وقد دفع الشعبان التونسي والجزائري ثمن الحدث التاريخي الملحمي باستشهاد قرابة 70 مواطنًا بريئًا وسقوط مئات الجرحى.

اقرأ/ي أيضًا: الجرائم الفرنسية ضدّ التونسيين والثأر غير المنسي

ونحتفل يوم 8 فيفري/شباط 2019 بالذكرى 61 لهذا الحدث الملحمي، لكن ظلت ذكراه سجينة احتفالات رسمية بيروقراطية فلكلورية متشابهة تتكرر كل سنة بنفس الطريقة حيث تتلاقى وفود المسؤولين السياسيين من كلا البلدين لتبادل التهاني واستذكار الحدث بحضور المجاهدين والمقاومين اللذين مازالوا على قيد الحياة مع وضع أكاليل الزهور على نصب الشهداء ثم يذهب كل طرف إلى حال سبيله.

 ظلت ذكرى أحداث سيدي يوسف سجينة احتفالات رسمية بيروقراطية فلكلورية متشابهة تتكرر كل سنة بنفس الطريقة 

لقد كنا نأمل أن تكون حادثة الساقية منطلقا تونسيًا جزائريًا مشتركًا لمطالبة فرنسا بالاعتذار عمّا حدث وعن سنوات الاستعمار الطويلة المريرة التي مازالت ندوبها النفسية والاقتصادية بادية إلى اليوم.

إن الحدث ثابت كالوشم في الذاكرة الشعبية التونسية الجزائرية، ورغم مرور زهاء 6 عقود على هذه الجريمة الفرنسية لم تفتح إلى اليوم التحقيقات اللازمة، ولم يذهب المتضررون إلى القضاء الدولي من أجل استرداد الحق المعنوي وتثبيت الجريمة في وجه فرنسا وإجبارها على الاعتراف والتعويض المادي المجزي.

ولا تزال تعاني، في الأثناء، المدن الحدودية بين تونس والجزائر، التي كانت لها إسهامات ملحمية في معارك الاستقلال، من التهميش والنسيان والضيم في مستوى التنمية والبنية التحتية. وساقية سيدي يوسف هي واحدة من هذه المدن المناضلة التي أسهمت في حركة التحرير الوطني وقدمت الشهداء بيد أنها ظلت مهمشة.

لم يذهب المتضررون إلى القضاء الدولي من أجل تثبيت جريمة أحداث سيدي يوسف في وجه فرنسا وإجبارها على الاعتراف والتعويض المادي المجزي

إنها ذاكرة للنسيان، ذاكرة نسيها أهل السينما فلا نجد شريطًا وثائقيًا يخلد الملحمة، فقد نسي أو تناسى أهل الثقافة والفن والابداع تخليد هذه الذكرى إبداعيًا.

وساقية سيدي يوسف يمكن أن تتحوّل إلى منطقة تجارية حدودية تونسية جزائرية تترجم الذاكرة المشتركة وتحيي رابطة معنوية ورمزية قوية تتمثل في اختلاط دماء الشعبين سنة 1958 لتكون رسالة إيجابية للأجيال القادمة. لكن على ما يبدو أن الإرادة السياسية المشتركة بين البلدين غائبة بما يحول دون صيانة هذه الملحمة الخالدة من الأعطاب، في ظلّ الإصرار على إحياء هذه الذكرى سنويًا عبر احتفالات بروتوكولية لا غير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

معركة طبلبة 23 جانفي 1952.. حين وقع المحتلّ في كمائن القرية الثائرة

ترجمة: التونسيون في جحيم الحرب العالمية الأولى